شارل الياس شرتوني/حزب الله وسياسة الارهاب المعلن واستخدام القضاء

57

حزب الله وسياسة الارهاب المعلن واستخدام القضاء
شارل الياس شرتوني/24 حزيران/2020

“عندما اتوا ليقبضوا علي، لم يبق احدا ليعترض”
مارتن نيموللر (لاهوتي وقسيس لوثري واحد ابرز معارضي النازية، ١٨٩٢-١٩٨٤)

تنبىء مهزلة احالة السيد علي الامين الى المحاكمة بتهمة التعامل مع اسرائيل عن دخول لبنان في مسار سياسي جديد يستهدف هويته الانسانية والكيانية، وقيمه المؤسسة، وخياراته الليبرالية، ونظامه الديموقراطي، ومستقبل دولة القانون والحريات فيه.

هذا الاستخدام المعلن للقضاء، وطواعية الاجهزة القضائية للاملاءات الصادرة عن حزب الله، هو بمثابة اعلان موت الديموقراطية بمؤسساتها وثقافتها، واخضاعها لتعليمات حزب توتاليتاري يسعى الى تغيير شمولي يطال الحيثية التاريخية والقيمية والوطنية والدستورية للبلاد.

نحن في خضم سياق انقلابي سافر وغير آبه بكل الاعتبارات الميثاقية والدستورية والاخلاقية والديموقراطية التي رافقت البلاد منذ نشأتها، على الرغم من كل الانتكاسات والتراجعات المميتة التي عرفتها طوال المئوية التي انقضت على نشأة لبنان.

هذه الفجومية السافرة تستوجب ردودا وممانعات لا تقلها صراحة لجهة الرفض المعلن لهذا الارهاب، والتحرك السياسي لجهة ايجاد ائتلاف سياسي عريض للتصدي لهذه المحاولات ووقفها عند حدودها.

ان سياسة التطويع التي يعتمدها الحزب مباشرة او من خلال ادواته، تعتمد نهجا بولشڤيا ونازيا واضحا لجهة افراغ الدولة من كيانها المعنوي والقانوني والناظم، لحساب دورها الادواتي في خدمة الايديولوجية الحاكمة ( idéocratie ) ومصالح الاوليغارشية التي تمثلها بموجب شرعية تعويذية ( légitimité incantatoire ) تصطلحها لذاتها.

هذا النهج الديكتاتوري التوتاليتاري مبني على الثنائية النزاعية بين الدولة الاسمية والدولة العميقة التي تدير البلاد فعليا على قاعدة سياسية وايديولوجية ومصلحية تعكس اهداف الفريق الانقلابي وملحقاته.

ان تركيب الملفات الجنائية بحق المعارضين، كما هو الحال اليوم مع السيد علي الامين، والسيدة كندة الخطيب، واستعمال القضاء اداة لقمع وترهيب وتطويع المعارضين على اختلاف انتماءاتهم، هو سمة اساس من سمات الانظمة التوتاليتارية المستندة الى الثنائيات السلطوية، والارهاب المعنوي والجسدي، وتزوير الحقائق، والكذب المؤسسي، والتضليل الايديولوجي، وآلية كبش المحرقة، كسبل متعددة لترسيخ الارهاب المعنوي واستدخال الخوف وتطبيع مناخاته.

ان الطريق الامثل للممانعة هو اعلان الحقائق من منابر الداخل والخارج، وفضح السيناريوهات المعدة سلفا، واللجوء الى المعارضة بكل اشكالها التعبيرية، والدفع بديناميكية التواصل بين فاعلي المجتمع المدني المحلي والمؤسسات والحركات الدفاعية الدولية، عن طريق توثيق المخالفات والتعديات على حرمة الافراد المعنوية والجسدية، وحقوقهم وحرياتهم، وعائلاتهم، وتطوير مضادات تحمي القضاء النزيه والمستقل من خلال امداده بالوثائق، وحماية مداخلاته، وتحصينه من خلال تنوير الرأي العام، والرفض المبرح للقضاء المستخدم.

لقد اجتاز حزب الله المحرمات لجهة حقوق الانسان، ومعايير دولة القانون، والامن الاولي العائد لأي مواطن، الامر الذي يستوجب ممانعة وادانة وردعا فعليا من اجل ايقاف عمليات التعدي والارهاب المنهجية المعتمدة.

ان الاعتداء على الحريات كما هو حال المعارضين المذكورين، او على الحقوق العقارية كما هو جار في منطقة لاسا وجرود كسروان وجبيل ومناطق شتى، ما هي الا دلائل عينية على عمل انقلابي خطير يطال البلاد في حيثياتها المنشئة، وطبيعة وجودها الدولاتي، وحقوق وحريات مواطنيها، لذا فالمقاومة واجبة، ومواجهة التطبيع تأتي على رأسها.

يوصف مفهوم التوتاليتارية البدائية اداء حزب الله والثورة الايرانية بطقوسها الناظمة للزمن الاجتماعي، ومحدداتها الشرعية، ومناخاتها الضاغطة، وتوبوغرافيتها الذهنية (اشرف الناس)، وابلسة كل ما يخالف تصوراتها ومصالحها (المعارضين على تنوع توزعاتهم، اسرائيل، الغرب، الاصوليات السنية المناوئة،…)، وقسمة العالم بين خير (نحن) وشر (هم)، وتصوير العالم على انه ساحة منازلة بين اضداد، واشاعة مناخات الخوف واستدخاله في كل تضاعيف النسيج العلائقي، ويشكل المدخل لفهم هذه الديكتاتورية التي تستعيد النماذج الذهنية المخصصة لكل نظام توتاليتاري، ويحدد سبل مواجهتها من خلال الجرأة في فضح سياسة الكذب وابراز الحقائق ورفض الاذعان، وصون الاستقلالية المعنوية، وحماية الحقوق والحريات.