رسالة وطنية وعلمية ودستورية موجه إلى السيد نصرالله من فادي تويني تحت عنوان: لماذا تأخذنا إلى شُرْعَةِ الغاب؟… جيشان في بلد واحد، أحدهما تحت قيادتك لا وجود له في القانون، وآخر شرعي يتبع مجلس الوزراء

515

كتاب للسيّد حسن نصرالله: لماذا تأخذنا إلى شُرْعَةِ الغاب؟
فادي تويني/المدن/23 حزيران/2020

*فإن لم ينفع كلام الناس، فربما في ذكر كلام الله تجد أكثر نفعاً: * لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ* (يونس، 99)؛ والسلام.

*ما يجمعني بك تحت السقف اللبناني الواحد ليس عِرقاً أو ديناً أو مذهباً أو حتى ثقافة، بل شُرعة وطنية تَرسُم حدود العقد بيننا نسمّيها “الدستور”، تنص، في ما تنص عليه، على المناصفة في المجلس النيابي بين المسيحيين والمسلمين، ولا تلحظ شيعيّة وزير المال ولا سنيّة رئيس الوزراء ولا مارونية رئيس الدولة.

*جيشان في بلد واحد، أحدهما تحت قيادتك لا وجود له في القانون، وآخر شرعي يتبع مجلس الوزراء، فضلاً عن عزلة مريبة، لا تشبه لبنان في شيء، وسمعة أسوأ، خصوصاً بين دول الخليج العربي التي تربطنا بها مصالح حيوية.

 ينص الدستور على أن رئيس الدولة هو قائد القوات المسلّحة، ولست أنت، وأنّ قرار الحرب والسلم يعود إلى مجلس الوزراء. فإن أخلّيتَ بالعقد أو خرقتَه، انتقلنا من “الشُرعة” إلى شريعة الغاب وانفرط الكيان.

*العنصر “المقاوم” خارج الدولة وقوانينها المرعية الإجراء لا يعني المستثمر بل يُثقل تقويمه للمخاطر، وكذلك افتقار الدولة المعنية لقضاء رصين مستقل عن السلطة السياسية.

*إذا كانت مقاومتكم تستند إلى حكم عقائدي مسبق أو للإفادة من المرافق العامة على مرّ السنين من دون بدل، فالفاتورة المتراكمة وفوائدها من عجز الكهرباء وحده تعادل مجمل الدين العام، وتتحمّلون أنتم وشركاؤكم في الحكم الشطر الأكبر منها.

*كل ما نحن فيه حالياً هو من نتاج حقبة كان لكم فيها، بشكل أو بآخر، اليد الطولى في السياسة العامة، وخصوصاً بعد خروج القوات السورية ومخابراتها من لبنان سنة 2005. فكيف وصلنا إلى هنا؟

*******
مولانا،
*إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ*
لَمِن المفارقات في لبنان أنّ علمانياً يتوجّه إلى رجل دينٍ معمّم لمناقشته، لا في خطبة جمعة حول شجون المجتمع وأخلاقياته، أو عظة أحد، بل في الاقتصاد والسياسة ومصير وطن. فلا ضيرَ إن كنّا على خلاص لبنان متّفقين.

ومن المفارقات أيضاً أنّي أسمعك للمرة الأولى تتكلم على مشاريع بنيوية يُنشئها القطاع الخاص (الصيني) ويديرها، وتشمل فيما تشمله مشروع القطار السريع من طرابلس (لِمَ لا العريضة؟) إلى الناقورة، ونفقاً من بيروت إلى البقاع، ومشاريع الطاقة وسواها، على قاعدة الإنشاء والتشغيل (“BOT”).

فمن المعلوم أن هذا النوع من تمويل طويل الأمد لمشاريع البنى التحتية نشأ في قطاع النفط والغاز بالولايات المتحدة وتوسّع، وهو يُعتمد، على سبيل المثال، في السعودية لتوليد الطاقة وتحلية المياه بأدنى كلفة، كما بات الوسيلة الفُضلى في المملكة لتمويل قطاعات بنيوية أخرى يشارك فيها الصينيون وسواهم.

أفلا تدري أن هذا لون من ألوان الخصخصة، ترتضونه آتياً من الصين، وخيراً تفعلون، وتقاومونه في لبنان على مدى ربع قرن في قطاعَي الكهرباء والاتصالات؟

فلو كان رفضكم هذا مبنيّاً على اعتماد معايير دولية في إدارة المناقصات وشفافيتها فلحُلَّت المشكلة منذ حين بالتعاون مع المؤسسات الدولية ووفّرنا المليارات.  وأما إذا كانت مقاومتكم تستند إلى حكم عقائدي مسبق أو للإفادة من المرافق العامة على مرّ السنين من دون بدل، فالفاتورة المتراكمة وفوائدها من عجز الكهرباء وحده تعادل مجمل الدين العام، وتتحمّلون أنتم وشركاؤكم في الحكم الشطر الأكبر منها.

فسواء أكان الوعد من الصين أو من سواها، فالعبرة في التنفيذ حسب أصول المنافسة وعقود معتمدة دولياً من السذاجة خلطها بالعمل الخيري.

فالعنصر الأساس إنما هو في قدرة الدولة المعنيّة، أي لبنان في هذه الحال، على تنفيذ التزاماتها، ومنها المالية، ونسبة المخاطر السياسية فيها. فعند أول اضطراب تجد المتعهّد (الصيني) يجمع أصوله وفريقه ويرحل في أسرع من لمح البصر.

فالعنصر “المقاوم” خارج الدولة وقوانينها المرعية الإجراء لا يعني المستثمر بل يُثقل تقويمه للمخاطر، وكذلك افتقار الدولة المعنية لقضاء رصين مستقل عن السلطة السياسية.

فاسمح لي إذاً بتذكيرٍ تاريخي مقتضب يربط بين ازدهار لبنان واستقراره السياسي والأمني. ذلك أن من العام 1948 إبّان انتهاء العمليات الحربية وقبل اتفاقية الهدنة مع إسرائيل، وحتى سنة 1965، استتبّ استقرار نسبي في الجنوب على الرغم من توتر شديد في المنطقة وتجاذبات الحرب الباردة وانعكاساتها الإقليمية. والفضل في ذلك يعود إلى رصانة مسؤول واحد سواء أكان في قيادة الجيش أو في سدّة الرئاسة، وهو الرئيس فؤاد شهاب.

في العام 1965 مع انتخاب شارل الحلو رئيساً، بدأ الوضع الأمني يتبدّل. فالرئيس الحلو على وسع ثقافته ورزانته، لم يتمتع بمتانة الرئيس شهاب السياسية أو العسكرية، فأراد التمايز عنه من خلال تعديلات أمنية بدءاً بقيادة الجيش، مما تسبب بشرخ مع سلفه. وبدأت الأمور تتفسّخ جنوباً بتسلل مجموعات مسلّحة (“الصاعقة”) عبر الحدود السورية إلى منطقة العرقوب، وزّعت السلاح فيها تحت عنوان “المقاومة” و”العمل الفدائي” (عبثاً بالسيادة اللبنانية واتفاقية الهدنة). وعليه بدأت المناوشات الأمنية واشتباكات مع الجيش (أسفرت إحداها عن توقيف 150 جندياً سورياً). وبدأ استرهان الجنوب لأهداف لم تكن دمشق، تحت قيادة ضباط بعثيين متهوّرين استولوا على الحكم في العام 1963، بعيدة عنها.

في آب 1962 زار نائب الرئيس الأميركي ليندن جونسون الرئيس شهاب في صربا مهنئاً إياه على إنجازاته. وكان لبنان في المرتبة الأولى في المنطقة بنسبة ناتجه القومي للفرد، فأراد جونسون أن يرى بأم العين بُنى لبنان التحتية (ومنها أوتوستراد جونية). ثم عاد وأبرق إلى الرئيس شهاب من البيت الأبيض بعد عامين لمناسبة انتهاء ولايته مُعرباً عن إعجابه بما شاهده وتقديره لما حقّقه شهاب منذ أزمة 1958 من تناغم وطني ورخاء وتقدم اجتماعي جعل من لبنان قدوة بين الدول الحرة.

قارن إذاً، يا مولانا، بما نحن عليه اليوم. بُنى تحتية معدومة، تدنٍ في الدخل القومي للفرد على عدد الدقائق، فساد في رأس الهرم لا سابق له، بيئة منكوبة، وإفلاس عام مهما أصرّ أهل الحكم على إنكاره.

جيشان في بلد واحد، أحدهما تحت قيادتك لا وجود له في القانون، وآخر شرعي يتبع مجلس الوزراء، فضلاً عن عزلة مريبة، لا تشبه لبنان في شيء، وسمعة أسوأ، خصوصاً بين دول الخليج العربي التي تربطنا بها مصالح حيوية.

كل هذا من نتاج حقبة كان لكم فيها، بشكل أو بآخر، اليد الطولى في السياسة العامة، وخصوصاً بعد خروج القوات السورية ومخابراتها من لبنان سنة 2005. فكيف وصلنا إلى هنا؟

لنتّفق إذاً على أمرين إثنين:
أولاً، نحن في حاجة إلى التطبيع. لا مع الحكم في سوريا أو مع إسرائيل، بل في ما بيننا بدايةً. وثانياً، لا علاقة منتظمة بيننا بلا عقدٍ قابل للتنفيذ.
فما يجمعني بك تحت السقف اللبناني الواحد ليس عِرقاً أو ديناً أو مذهباً أو حتى ثقافة، بل شُرعة وطنية تَرسُم حدود العقد بيننا نسمّيها “الدستور”، تنص، في ما تنص عليه، على المناصفة في المجلس النيابي بين المسيحيين والمسلمين، ولا تلحظ شيعيّة وزير المال ولا سنيّة رئيس الوزراء ولا مارونية رئيس الدولة.

وهذه ليست بأمرٍ “نظري”، كما تقول، إنما هي تضمن أن اللبنانيين سواءٌ أمام القانون (هل أنتَ وأنا متساويان؟).

كما تنص على أن رئيس الدولة هو قائد القوات المسلّحة، ولست أنت، وأنّ قرار الحرب والسلم يعود إلى مجلس الوزراء. فإن أخلّيتَ بالعقد أو خرقتَه، انتقلنا من “الشُرعة” إلى شريعة الغاب وانفرط الكيان. فليست إسرائيل من سطا على المرافق العامة ونهبها، ولا هي من نهشت بيئة لبنان الأخضر وفتكت بها، ولا هي أقامت الأحزاب المذهبية فيه، أو أفلست مصارفه. فثمة للشعب اللبناني عدوّ آخر، سلاحك لم يحمِنا منه بل أقحمنا فيه.

وعليه، ففي وجود دولة شرعية، وحكومة أنتم منها، فسلاحكم الذي وُجد في الأصل لغياب الدولة صار في أصل المشكلة معها.

وأنا على يقين من أنّ ليس في يدي أو حتى في يدك القدرة على سحبه أو تسليمه طالما أن القرار نهايته في طهران.

فإن سلّمنا بأن من حق إيران أن تضمن أمنها القومي، فلا مسوّغ لها في أن تضع حدودها الغربية على “بوابة فاطمة”.

تماماً كما لو سلّمنا بأن لإسرائيل حقاً في ضمان أمنها، ضمن حدود معترف بها دولياً، لا أكثر، فلا حق لها في الاستيطان أو ضمّ أراضٍ فلسطينية.

وكذلك أيضاً، ومن باب أولى، ضمان أمن دولة فلسطين وسيادتها. غير أنّ معضلة الأمن الإقليمي ليس لها أن تُحل في لبنان، وعلى نفقة اللبنانيين، بل بالتفاهم مع الدول الكبرى في مجلس الأمن (أو خارجه).

مولانا، لا يخفيك أن سياسات الأمم لا تنطوي على عقيدة دينية أو مذهب أُخرَوي، بل على مصلحة عُليا للدولة (وذلك منذ أن جعل الكردينال ده ريشوليو، رئيس وزراء لويس الثالث عشر، من “منطق الدولة” حجر الزاوية لسياسة مملكة فرنسا الخارجية).

وكذلك، فمفهوم العدوّ المطلق أو “الشرّ” المطلق، إن وُجد في السياسة، إنما هو يستوجب إجماعاً كونياً عليه، دونه لا تُبنى سياسة واقعية. والسياسة الواقعية مع الخارج والمتأنية إنما حدودها الإجماع الداخلي.

فبالنسبة إلى لبنان، آن لنا أن نقرّ بأن هوية لبنان المتعددة الوجه والدين والمذهب، على ما تسديه من حيوية، فهي معقّدة وتُلزم لبنان بحياد دقيق إن أراد أن يحفظ رأسه. والحياد يُقرن بقدرات دفاعية لحمايته، قوامها اقتصاد متين شرطه قضاء لا يمسك به السياسيّون. فإذا عزمنا على الخروج من الإفلاس والعزلة لِوُلوج دولة يُعتدّ بها، فلا سبيل إلى ذلك، أقلاً في طور الانتقال، بلا غطاء دولي، مالي وأمني في آنٍ معاً. أفلستَ أنت من سأل، مولانا، أنسلّم رأسنا إلى الذئاب إن سلّمنا سلاحنا؟

في العام 1861 أبرمت الدول العظمى الخمس اتفاقية مع الباب العالي (“نظام المتصرفية”) حيّدت فيه لبنان عن صراعاتها وضمنت له استقلالاً ذاتياً وسلماً أهلياً داما ما يزيد على نصف القرن حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى.

في العام 2020، وفي مئوية لبنان إن أردناه أن يبقى، فلنحيّده معاً، بمساعدة الدول الكبرى وسلطتها الرادعة، الّلهمّ إلاّ إن شئتَ أنت إكراه اللبنانيين على نهج لا يطيقون كلفته، وأكثرهم ما كانوا به مؤمنين.

فإن لم ينفع كلام الناس، فربما في ذكر كلام الله تجد أكثر نفعاً: * لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ* (يونس، 99)؛ والسلام.