نديم قطيش/عن مقدسات اللبنانين ووثنياتهم

214

عن مقدسات اللبنانين ووثنياتهم

نديم قطيش/موقع المدن/ الإثنين 24/11/2014

http://www.almodon.com/politics/989a7898-a1d1-4a6a-a409-531587752e45

تزيد المقدسات في لبنان وتقل القداسة. يتراشق اللبنانيون بالمحرمات والخطوط الحمراء في هيستيريا قل نظيرها. كأن البلاد تعيش انفجار هوياتها جميعاً.

يتذكر اللبنانيون حفلة الجنون في الشارع يوم عرض برنامج “بسمات وطن” دمية على هيئة أمين عام حزب الله حسن نصرالله أسوة بكل الشخصيات السياسية اللبنانية التي يتعرض لها البرنامج بالنقد الساخر. وتكرر الامر مرة ثانية حين، بعد سنوات، عرض البرنامج نفسه الدمية نفسها. سيقت لتبرير حفلة الجنون كل انواع الحجج. من الصفة الدينية لنصرالله الى العباءة بما هي هوية مذهبية وطائفية ودينية وحزبية.

من جهتها، وفرت عاشوراء وقبلها الحرب في سوريا مناسبة لتخصيب البيئة والمُتَخيّل المذهبي. فكانت الصور تتداعى مرة عن تأكيد المقدس الخاص ومرّة عن ضرب المقدس المقابل وطحنه. في هذا السياق يندرج الترويج لشعارات عاشورائية وحسينية في باحة المسجد الأموي في دمشق وهو ما هو في الذاكرة السنية. ومثل ذلك رفع الراية الحسينية على جسر فؤاد شهاب عند التقاطع الغامض بين أفقر احياء بيروت وأغناها، وهو نفسه كان التقاطع الغابر بين بيروت المسلمة وبيروت المسيحية إبان الحرب الأهلية. وفي السياق ايضا وايضاً الشعارات التي ملأت أعمدة الكهرباء في بيروت عن السيدة زينب التي “لن تسبى مرتين” في اكثر أشكال مذهبة الحرب السورية فجاجة.

سبق ذلك وتلاه حفلات جنون لقوى سنية في أعقاب رسومات او أفلام تناولت نبي المسلمين محمد، وترجمت تظاهرات وأعمال شغب وعنف في مناطق مسيحية صدف انها تستضيف هيئات وممثليات تابعة للدول التي “اساء” مواطنوها لمقدس إسلامي. وسرعان ما اتخذ الامر هيئة اشتباك اهلي محلي ظلت تطفو وتغيب على سطح السجال السياسي والشعبوي في لبنان.

وحين حصل ما حصل في الموصل من تهجير طاول المسيحيين، وتمدد جنون داعش الى لبنان او جنون من حاول الاستثمار في صورة هذا التنظيم وفانتازماته، شهد لبنان روايات لا حصر لها عن اعتداءات على الكنائس وكتابات على جدرانها تستل من بطن الهويات القلقة والمريضة أسوأ ما فيها. وكان البعض يزايد على البعض مستغلين مفردات الهويات الدينية والمذهبية نفسها من مثال رفعٍ لتمثال العذراء قام به شبان من خلفيات طائفية مختلفة او من مثال صورة مقاتل من حزب الله انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي وفيها يؤدي الشاب التحية لتمثال العذراء.  وقبل عام من الآن، قامت الدنيا ولم تقعد بسبب بيع أحد المحال أزياء تحمل شعارات مسيحية اعتبرها البعض مسيئة للديانة المسيحية فكان أن “أنقذ” الأمن العام اللبناني البلاد من اشتباك مذهبي بمصادرة الأزياء ومنع تداولها.

أما في مواجهة استعار هذه الهويات كانت تزدهر ثقافة ساذجة حول الاحتماء بالدولة من دون اي تفصيل إضافي بما سمح لاحقا بإحالة الدولة الى طوطم جديد لا يقل قداسة وفانتازيا عن كل المقدسات المذهبية التي سلف ذكرها، حتى اذا جاء من استساغ صنع احذية تحاكي العلم اللبناني ثارت ثائرة هؤلاء على المس بمقدسهم مما اضطر الأمن العام مرة جديدة الى مصادرة “أزياء الفتنة”.

هكذا، بدل ان تكون الدولة موئلاً عملياً للهاربين من غابات المقدسات صارت هي مقدساً كمثل المقدسات الاخرى، يتعصب له من يتعصب ويذود عنه من يذود بالويل والثبور وعظائم الأمور. فمن ساءهم صناعة حذاء يحاكي العلم اللبناني لم يفطنوا ان من صنع الحذاء كان يقصد ربما ان يزايد في اعلان انتمائه للعلم في مواجهة أعلام الأحزاب والطوائف او انه ببساطة يريد الاستثمار في سوق رائجة لهذه المشاعر. هي نفسها المشاعر التي أحالت الجيش الى طوطم هو الاخر يملك من القداسة ما تملكه الطواطم الاخرى!!! بالمناسبة، أليست جزمة الجيش اللبناني مرقطة كمثل بذته!؟ هل يعني هذا ان في ترقيطها مساساً بهيبة البزة العسكرية ومعناها وموقعها في الوجدان الوطني اللبناني!! وهل لبنان واللبنانيون اكثر وطنية وفخرا بوطنيتهم من البريطانيين الذي صنعوا من علم بلادهم وخطوطه الجميلة كل شيء! من فناجين القهوة الى الملابس الداخلية وما بينهما!!

ليست المسالة هنا مسالة هيبة او احترام. انها ببساطة الاستجابة الطبيعية لفائض التقديس والوثنية التي تحاصر العقل اللبناني في جحيم حروبه الصغيرة والمميتة.

صار “للدولتيين” مقدسهم، ينافحون به وعنه وربما عما قليل يحتلون الشوارع ويحرقون الدواليب دفاعاً عن الدولة وهيبتها..