لوسي بارسخيان/ليالي الرعب والتواطؤ مع “الزعران” في “خزان المقاومة” البعلبكي

110

ليالي الرعب والتواطؤ مع “الزعران” في “خزان المقاومة” البعلبكي
لوسي بارسخيان/المدن/03 حزيران/2020

بعد ست جولات متتالية من تبادل إطلاق قذائف الأر بي جي، في مدينة بعلبك خلال الأسبوعين الماضيين، تداول البعلبكيون، فيديو مسجلاً للمفتي أيمن الرفاعي في حضور مطران بعلبك الياس رحال، ويدعو فيه الرفاعي إلى تشكيل لجان حماية في أحياء المدينة. ويقول الرفاعي: “نحن واصلون إلى شيئ اسمه أمن ذاتي. من أراد أن يعتدي على عرضك أو كرامتك أو مالك، بادر إلى قتله قبل أن يقتلك. سقط كل الكلام، وليس لنا كلام بعد هذا الكلام”.
مواعيد الثأر
وتبين أن كلام المفتي الذي انتشر بين البعلبكيين بتاريخ 31 أيار 2020، قاله في 31 أيار 2019. أي قبل سنة تماماً، وفي المدينة نفسها، وفي ظروف أمنية مأساوية مشابهة، حينما أثار مقتل طفلة من آل النقوش برصاصة طائشة، ردود فعل عنيفة كادت تفتح جبهة للأخذ بالثأر. وحسب المفتي الرفاعي، فإن المقصود مما قاله حينها، كان امتصاص غضب الشارع، بغضب أقوى حمله خطابه. تجددت ردود الفعل هذه في بعلبك خلال الأيام الماضية، مع تطور أساليب تحطيم صورة الدولة وهيبتها في المدينة، التي عاشت جولات تبادل لقذائف الأر بي جي، تسببت بأضرار مادية في عدد من المنازل، أبرزها ما عُرض داخل غرفة نوم أطفال نجوا بأعجوبة ليلة 31 أيار الفائت.
ليالي الرعب
ليس هناك عملياً من يردع “الزعران” في مدينة بعلبك، أو ليس المطلوب ردعهم. ففي كل ليلة تنام المدينة على أصوات القذائف، التي يطلق معظمها في الهواء الطلق. أما حياة بعلبك النهارية فتنتظم في ساعات النهار التي تلي ليل القذائف، على الحضير لجولة ليلية ثانية ترعب أهلها، من دون محاولة تدخل السلطات المحلية لإنهاء هذه الظاهرة، التي لا تفتك بأمن المدينة فقط، بل باقتصادها أيضاً. هذا فيما يبدو الأهالي كمن يقاومون محاولات تطويعهم لقبول هذا الواقع. فالبعض يرى أن الفلتان الأمني القائم في بعلبك، مقصودٌ لإلهاء الناس عن قضايا أخرى، يمكن أن تشكل موضوع نقاش كبير بين أهلها. ومنها الملفات الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية والإنمائية، وحتى السياسية في المدينة.
خزان للمقاومة فقط
فالفلتان الأمني يضع سلامة البعلبكيين في سلم أولوياتهم، جراء قلقهم الدائم على حياتهم. وهذا كفيل بإلهائهم عن مناقشة الدور الوحيد الذي زجوا فيه: “خزان للمقاومة”. وهكذا تصبح المصالحات الـ”عشائرية” التي تجريها من تسمى “فعاليات حزبية” طريق خلاص البعلبكيين الوحيد.
وهذا، فيما تغيب سلطة القانون والعدالة، إلا متى رفعت سلطة الأمر الواقع غطاءها عن المرتكبين. ليصور الأمر وكأنه “صحوة” متأخرة للدولة وأجهزتها. فتتحرك الأجهزة موضعياً ثم تختفي وتغرق في سباتها، في انتظار اشتباكات جديدة، ورفع الغطاء عن أشخاص آخرين.
يقظات عابرة
وعلى هذا المنوال جاء تحرك عناصر مخابرات الجيش اللبناني والقوى العسكرية بعد حوادث 31 ايار. فألقت عناصر المخابرات القبض – وفقا لبيان صادر عن مديرية التوجيه – على شخصين، قيل أنهما تورطا في حوادث إطلاق قذائف الأربي جي.
ومع أن بيان مديرية التوجيه تحدث عن استمرار العمليات حتى توقيف كل المتورطين، يجزم متتبعو الحوادث المتكررة في المدينة، بأن العمليات لا تتجاوز حدود امتصاص الغضب فقط، ولن تتوغل إلى أبعد ما يمكن أن تسمح به قوى السلطة السياسية التي تحمي المرتكبين، وتؤمن لهم الغطاء.
لا تقوم الأجهزة الأمنية سوى بدور “الإطفائي” لغضب الناس، فيما المطلوب، وفقا للمفتي الرفاعي، هو “الأمن الاستباقي”.
أرض السِّيبة والتواطؤ
فبعلبك التي تعدّ نحو 100 ألف نسمة، تروعها اليوم مجموعة من نحو 50 شخصاً، أسماؤهم تكاد تتكرر في كل جولة اشتباك. وقد شجعهم غياب الروادع. أما المداهمات والحواجز وبلاغات البحث والتحري، فعودتهم على تطوير أساليبهم: من إطلاق الأعيرة النارية، إلى تبادل قذاف بمستوى الأر بي جي. وهنا ترتسم علامة استفهام حول سبب توافر مثل هذه الأسلحة الثقيلة بأيديهم، ومن أمّنها لهم؟! كأنما الدولة تقول للبعلبكيين بطريقة غير مباشرة – ووفقا للرفاعي – إياكم أن تلجأوا إلى القانون، فهو لن يحميكم. لا بل إن البعلبكيين يذهبون إلى أبعد من ذلك. فهم يتحدثون عن تواطؤ بعض الأجهزة الأمنية وضباطها في حماية المرتكبين. وإلا ما معنى أن تُسرق خلال الأشهر الماضية أكثر من 50 سيارة؟! وتشير معظم الأوساط البعلبكية إلى أن وجهة السيارات المسروقة معروفة: بلدة الخضر، ولمصلحة شخص يوصف بكونه عصياً على الدولة. ألا يطرح هذا علامة استفهام على أداء بعض الأجهزة الأمنية التي – يقول الرفاعي- إن “هناك أمراً غامضاً في علاقتها بالمطلوبين”.
والأمن الذاتي
وانطلاقا من هذا الواقع – وبناءً على المتداول من كلام الرفاعي “القديم” ودعوته لمواجهة الاعتداء بالاعتداء، والقتل بالقتل – هناك حاجة الناس المشروعة إلى “أمن ذاتي”، صار المجتمع البعلبكي جاهزاً له. لقد يئس البعلبكيون من عجز الدولة أمام مجموعة من “الزعران المحميين”، الذين يتحكمون بأمن المدينة واقتصادها. وهذا فيما يشكل تعامي سلطة الأمر الواقع عن هذه الارتكابات حماية لها. وإلا لماذا لا تبادر الأحزاب التي تحتضنها بعلبك إلى إصدار بيان إدانة عند كل جولة اشتباكات؟! ولماذا لا يبذل مسؤولوها أي جهد، حتى في طلب اجتماع طارئ، ولو صورياً، يحاول امتصاص غضب الشارع ونقمته؟! أما تحرك هذه القوى، فجاء بعد ارتفاع صرخة مشايخ المدينة وأهلها المتضررين في الأيام الماضية. لكنه اقتصر على بيان لرئيس تكتل نواب بعلبك، يدعو إلى تحمل الأجهزة الأمنية مسؤولية ردع الارتكابات.
عشائرية مريبة
ولدى البعلبكيين صار أداء الدولة معيباً وميؤساً منه. فهي سلمت “مصير مواطنيها في بعلبك” إلى قوى أمر واقع، تسعى لتأكيد أبوتها للمجتمع. وذلك من خلال مصالحات “تبويس اللحي والذقون” التي تعقد بعد كل جولة اشتباكات، لتسقط معها الروادع الأخلاقية. وينظر البعلبكيون إلى المعالجات العشائرية من زاوية المخاوف الأمنية، ويعتبرونها مريبة. وخصوصا أن نتائجها غالباً ما تكون التعايش مع الأمر الواقع والخوف والرعب وانتظار تجدد الاشتباكات. يحاول قسم من البعلبكيين أن يقاوموا هذا الواقع. وما انتشار “كلام الرفاعي القديم” سوى محاولة رفض تطويع البعلبكيين، لإجبارهم على التعايش مع حكم الزعران.