مقالة من أرشيف سمير قصير عنوانها:عودوا الى الشارع، ايها الرفاق، تعودوا الى الوضوح/7 مقالات في ذكرى استشهاد سمير قصير لكل من جيزال خوري وبشارة شربل ونجم الهاشم وسناء الجاك والياس عطالله والياس بوعاصي ومروان حمادة

66

عودوا الى الشارع، ايها الرفاق، تعودوا الى الوضوح
سمير قصير/النها/15 نيسان/2005

*قصّتي مع سمير/جيزال خوري/نداء الوطن/02 حزيران/2020
*١٥عاماً على اغتيال عاشق الحرّية/بشارة شربل/نداء الوطن/02 حزيران/2020
*إغتيالٌ بين ثورتين/نجم الهاشم/نداء الوطن/02 حزيران/2020
*ما لقيصر…/سناء الجاك/نداء الوطن/02 حزيران/2020
*وصيّته الانتصار على الخوف/الياس عطالله/نداء الوطن/02 حزيران/2020
*الياس بو عاصي/نداء الوطن/02 حزيران/2020
*ميليشيا… على مين؟/مروان حمادة/نداء الوطن/02 حزيران/2020

***

عودوا الى الشارع، ايها الرفاق، تعودوا الى الوضوح
سمير قصير/نداء الوطن/02 حزيران/2020
في 15 نيسان 2005، نشر سمير قصير هذا المقال في الزميلة “النهار” بعنوان “ليس الإحباط قدراً” ولو قدّر للكاتب أن يعيد المقال نفسه، بعد 15 عاماً، عاش فيها اللبنانيون أقدارهم ولم يستسلموا، ربما كان اختار عنواناً آخر يشدّ عصب من تعب وتراخى وأصابه ما يشبه اليأس: عودوا إلى الشارع.
أول النقد يكون بالنقد الذاتي: لقد كنت من ضعيفي الايمان الذين تأففوا في سرهم من نوعية النشاطات التي دعت اليها السيدة بهية الحريري في ذكرى 13 نيسان، لكن ما حصل بين ليلة السبت الماضي وليلة الاربعاء في وسط بيروت، أكد مرة جديدة انه يجب محاذرة اي نزعة نخبوية في مثل هذه اللحظات التاريخية، والوثوق بالحس الشعبي. قد لا تكون محصلة هذه النشاطات مرضية لجهة استخلاص دروس الحرب في ذاتها، لكن نزول عشرات الآلاف من المواطنين الى الشوارع للتسكع فيها وتمضية الوقت الجميل في لياليها، أثبت بما لا يحمل اللبس ان اللبنانيين لا يضعون مشروع حرب جديدة على روزنامتهم.
فالحرب تبدأ برفض التلاقي، وها هم يقبلون على بعضهم البعض. والحرب تنشأ من تضخيم الخطر والخوف، وها هم يكسرون مجددًاً حاجز الخوف. ليس فقط الخوف من تسلط المخابرات، فهذا انتهى في 14 آذار، بل الخوف من الارهاب والتخريب. ومن يكسر هذا الخوف، من يستطيع اسكاته بعد الآن؟
ما يغيب احيانًاً عن المثقفين، لا يجوز في حال من الاحوال ان يغيب عن السياسيين. واذا كانت الحكمة تملي الركون الى الحس الشعبي لإعلان إرادة اللبنانيين في الحياة، رغم انف المخرّبين، فكم بالحري للإعلان لإصرارهم على حصد ما زرعوه من آمال.
هنا، وبعكس نشاطات 13 نيسان، لا مجال للخطأ. فكل من له اذنان يستطيع ان يسمع شكوى الناس.
حتى انه لو كتب للمليون ومئتي ألف الذين اجتمعوا في 14 آذار ان يجتمعوا مجدداً، فإنهم سوف يهدرون بما اعتبروه تحصيلاً حاصلاً في ذاك اليوم، اي انهم من صَنَعَ الاستقلال الجديد، وانهم لا يقبلون بأن يقوّض احد طموحهم، بل انهم لا يستسيغون ان يتم التخلي عن ضغطهم لاستكمال ما لم ينجز بعد، وتحديداً الانتخابات.
مساء امس، عاد شيء من هذا الضغط. عاد شيء من النبض الى ساحة الشهداء حين تم تركيب ساعة العد التنازلي لانتهاء المهلة القصوى للدعوة الى انتخابات في نهاية شهر ايار. لم يكونوا اكثر من مئتي شخص، اقل بما لا يقاس بالذين اجتمعوا قبل يوم لسماع ماجدة الرومي، ولكن اكثر بالتأكيد من متطوعي المجتمع المدني الذين تداعوا الى الاعتصامات الاولى بعيد تشييع رفيق الحريري، أو من المناضلين الشباب الذين اقاموا اول خيمة الى جانب تمثال الشهداء.

في تلك الايام، كان الغضب يحرّكهم. واليوم ايضاً غضب، لكنه غضب آخر. الغضب من استمرار لعبة المماطلة التي لجأت اليها بقايا السلطة لمنع الانتخابات، وتجنّب محاسبة قادة النظام الامني.
الغضب من استمرار ما يسمى “الموالاة” في التلاعب بالمؤسسات، سواء أكانت سياسية أم أمنية.
وفوق ذلك وقبله، الغضب من عجز المعارضة عن ترجمة الغالبية الشعبية التي تجسدت في 14 آذار فعلاً مبادراً يردع المنتفعين من نظام التبعية المنتهي.
لا ينفع هنا التذكير بان انتفاضة الاستقلال حققت انجازاً هائلاً مع اضطرار الحكم السوري الى تحديد تاريخ نهائي لانسحاب قواته ومخابراته (المنظورة منها على الاقل)، وانها خطت خطوة كبيرة نحو جلاء الحقيقة في قضية اغتيال الحريري مع اعتماد مجلس الامن القرار 1559.
فاذا كان التذكير بهذين الانجازين ضرورياً لكي تشعر الحركة الشعبية انها أثمرت، فانه يفيد ايضاً أنه يمكن الذهاب أبعد بكثير في رسم ملامح لبنان الجديد، وان الإحباط ليس قدراً. ولكن كيف لا يحبط الناس حين يرون هذه القوة او تلك من قوى المعارضة تجازف بوعد التغيير من اجل حسابات فئوية صغيرة، مثلما جرى في انتخابات نقابة المهندسين حيث تحالف تياران من المعارضة، مع قوى فاعلة في “حزب التلازم” وضد المعارضين الآخرين. او مثلما يجري في البازار الانتخابي المبكر وراء الكواليس، حيث يتم “تبييض” وجوه جسدت التلازم في السياسة الخارجية او المالية للدولة، او مثلما يخشى ان يحصل إن تم تحصين “موقع الرئاسة” لمجرد انه يرمز الى طائفة.
لحسن الحظ، لم يفت الاوان بعد، وإن بدأ يفرغ الصبر. ويأتي التزامن بين عودة النبض الى ساحة الشهداء واستعداد المعارضة لاستعادة المبادرة في الموضوع الحكومي، ليساهم في ازالة الغموض المحبط. لكن الاحباط لن يزول الا بالحركة، والحركة الواضحة التي تعيد رسم الرهانات في اولوياتها: بداية، الضغط من اجل حسم الانتخابات ضمن المهلة، وهذا يعني الاسراع في تأليف حكومة قادرة على ايفاء شروط تنظيمها، واولها تعطيل النظام الامني من خلال اقالة قادة الاجهزة، ومن ثم حملة انتخابية متجانسة وواعدة بالتغيير، إن لجهة البرامج او لجهة المرشحين.
واخيراً تتويج التغيير في أعلى الهرم، على ألّا يتم تحريك مسألة الرئاسة سوى بما يخدم التطلع الاصلاحي للمجتمع اللبناني، مما يسقط حكماً الفاسد ومقاوم الساعة الخامسة والعشرين.
قطعاً، ليس من الصعب فهم هذه الاهداف. ولكن إن صح ان هناك من لا يريد فهمها، فقد تكون للعودة الى الشارع أهمية مضاعفة.

قصّتي مع سمير
جيزال خوري/نداء الوطن/02 حزيران/2020

وصل الى مكتبي في تلفزيون “المؤسسة اللبنانية للإرسال” مغلف من “دار النهار للنشر”.
كان في داخله كتاب “الحرب اللبنانية” لسمير قصير ورسالة صغيرة منه ان الكتاب حصل على جائزة فرنسية وانه مسافر غداً الى باريس. وكنتُ قد طلبت منه في لقائنا الأول، قبل أسبوع ان يرسل اليّ كتب الدار كمادة لبرنامجي الأسبوعي بصفته مديراً للدار.
بوصول المغلّف. ابتسمت وطلبت مكتبه فوراً. ضحكنا كثيراً ووعدته بالاستضافة فور عودته من العاصمة الفرنسية، ولكنني طلبتُ أيضاً الكتب الصادرة عن الدار. “لن أرسل شيئاً سأسلمها باليد سيدتي”، أجاب.
بعد أسبوعين التقينا وفي يده كتاب واحد باللغة الفرنسية لغارسيا ماركيز “الحب في زمن الكوليرا”، وقال لي: كتب الدار أصبحت في مكتبك ولكن هذا الكتاب هدية مني.
طبعاً قصة ماركيز هي عن حب بلا أمل يصبح حقيقة بعد انتظار الحبيب لحبيبته أكثر من ثلاثين سنة.
وهكذا امتزجت قصة حبنا برواية غارسيا ماركيز وانتظرنا عشر سنوات كي يصبح ارتباطنا ممكناً.
انا الإعلامية الصاعدة في البرامج الحوارية.
وهو هذا الحالم العائد من باريس.
كانت بيروت حبيبته فامتزجنا بها.
كنا نسير كعاشقين في فيلم سينمائي على أنغام “ليالي الانس”… ولكن في بيروت.
كنا نضحك كثيراً ونسهر كثيراً ونتحدث كثيراً.
كان يشبه وليد مسعود بطل رواية جبرا إبراهيم جبرا، هذا المتمرد المناضل، العاشق الغارق في كل تفاصيل الانسان المعاصر.
من فلسفة مع “كانط” و”نيتشه” الى سباق السيارات كل النقاشات مفتوحة على مصراعيها.
والتناقضات أيضاً… مع المجتمع مع الزواج، في دائرة مراقبة الجوازات ولسمير مع الأمن العام غير قصة، فذات يوم صادر أحد رجال الأمن العام جواز سفره. كان السبب مقالاً اتهم فيه الأجهزة بالعمل لحماية النظام المستبد والوصاية ومدراء الأجهزة، فكتب: هذا ليس جهاز أمن عام بل جهاز أمن خاص.
لم تكن المرة الأولى التي يتعرض فيها لمضايقات وليست الأخيرة.
الملاحقات اليومية التهديدات التلفونية والتسريبات من العملاء كانت واضحة لقمع قلمه كمرحلة أولى.
عشنا سويّاً بتهديد دائم ولكننا كنا سعداء. بيروت الشاهدة على قصة حب فريدة بطلها مؤرخها.
عشر سنوات وسمير يكتب تاريخ بيروت وانا أكتشف معه الأبنية وتاريخها، شخصياتها، مسرحها، مجتمعها في كل العصور… في ليلة من ليالي بيروت الجميلة خرجنا في الواحدة فجراً وجلسنا في مقهى بين العمارات في شارع كليمنصو. كنا، وعاشقون آخرون، في هذا المقهى وفي هذه الساعة المتأخرة من الليل والباكرة من الصباح. إنتظرَ كي نصبح وحدنا وطلب مني ان استمع الى صوت المدينة. لم أكن أعرف أن للمدن أصواتاً وان صوت بيروت رائع.
بعد عشر سنوات حصلنا على الطلاق كل من جهته وتزوجنا أمام الله والمجتمع.
يوم الاثنين في 14 فبراير/شباط وبعد احتساء القهوة، استعديت للخروج الساعة الحادية عشرة صباحاً لدفع راتب الجامعة الأميركية لأولادي في مصرف قرب فندق فينيسيا.
نظر الي متوسلاً ألا أذهب الآن وأن موعده الأول هو الساعة 12 والنصف ظهراً.
كان غريباً ذاك الصباح وكان سعيداً فالليلة السابقة كانت أول دعوة للعشاء في منزلنا، كان غسان التويني ومجموعة مرموقة من الأصدقاء. كان فرحاً بحياتنا الجديدة الهادئة.
غادرنا المنزل معاً في الثانية عشرة هو الى جريدة “النهار” وأنا الى المصرف.
ولكني اخترت مصرفاً آخر تتعامل معه الجامعة الأميركية أقرب الى منزلي، لأن الوقت داهمني لتسديد استحقاقات الدراسة.
حوالى الواحدة بعد الظهر وانا في المصرف في الأشرفية، سمعت صوت انفجار ضخم ورأيت المارة في الشارع مذعورين.
حاولت الاتصال بسمير ولكن الخط مقفل، وكذلك الأمر مع ابني الخط مقفل. حاولت مع ابنتي التي اجابتني انها في الجامعة ولا يعلمون هناك شيئاً عن الانفجار.
قررت التوجه الى جريدة النهار لأطمئن عليه، وإذ باتصال يردني من مدير قناة العربية التي كنت اعمل فيها وأبلغني ان الانفجار استهدف رفيق الحريري.
لم أستطع الوصول الى سمير الاّ بعد ساعة، عانقني وقال لي: لا أتخيل انه كان من الممكن ان تكوني ضحية الانفجار لأن المصرف قد احترق في الحادثة.
توجهنا الى منزل رفيق الحريري وبدأت الثورة.
وتحولت حياتنا من المنزل الى الساحات. قلقت عليه ولكن كنت اريده لي لفترة صغيرة لاستراحة من عشر سنوات في الخفاء والخوف والمراقبة. سخر مني وقال لي: لم تغاري من امرأة تغارين من ثورة.
بعد ثلاثة أشهر دعتني الـ”سي.أن.أن “بعيدها الـ 25 الى الولايات المتحدة، كي أشارك بندوة عن حرية التعبير في إطار احتفالات القناة. كانت ليلة الخميس ليلة كتابة مقاله الأسبوعي، عاد اليّ في العاشرة مساء وذهبنا الى مقهانا المفضل قبل ان يوصلني الى المطار. وعدني انه بعد أسبوع عندما اعود سنذهب في إجازة.
صباح الخميس التالي، وبعد ان كنت قد تكلمت معه هاتفياً من أميركا وأبلغته ان وصولي سيكون يوم السبت، وتبادلنا كل كلمات الحب الممكنة والمستحيلة، جاءت رسالة على هاتفي عن انفجار في بيروت. اتصلت بسمير وكان خطه مقفلاً، بابنتي وكان أيضاً خطها مقفلاً ثم بابني الذي أبلغني ان الانفجار طاول سمير هذه المرة.
ثم توالت الأخبار انني كنت معه في السيارة وانني قتلت أيضاً.
رأيت خبر موتي على شاشة التلفزيون ثم رأيته في سيارته سانداً رأسه نائماً، ميتاً.
كان القرار أن أعيش وأن أذكّر القاتل أن إعدام الجسد لا يلغي الروح.
وانشأتُ “مؤسسة سمير قصير” كي تكون شهادته من أجل الحياة ودعوة لتجديد ثقافة الحريات.
تضم المؤسسة الآن حوالى العشرين موظفاً وتدافع عن حرية الصِحافيين والمثقفين في المشرق العربي. تقوم بمشاريع ثقافية منها “مهرجان ربيع بيروت” المجاني لتدعم الفن والثقافة.
تشكّل “المؤسسة” اليوم مرجعاً عالمياً بموضوع رصد الإنتهاكات ضد الإعلاميين، ونظمت ورش عمل لصحافيين شباب في التقنيات الحديثة ووسائل الاتصال الاجتماعي.
دربت مراسلي الحرب لحماية أنفسهم في مناطق الاشتباكات مع أهم المؤسسات الدولية.
لم أكن أعرف اننا عندما كنا نسير في بيروت كنا نسير نحو قدرنا كالطيور نبحث عن مكان كي نموت.
حكايتي هي حكاية من منطقتنا.
قصة بدأت مع كتاب حصل على جائزة أوروبية و بـ”حوار” في برنامج تلفزيوني.
قصة تخطت حواجز المجتمع وأنهكت العاشقين.
قال لها: “أريد ان أمضي ما تبقى من حياتي معك”.

١٥عاماً على اغتيال عاشق الحرّية
بشارة شربل/نداء الوطن/02 حزيران/2020

أحياناً يكون الخبر المفجع غير قابل للتصديق. ومعظم الأحيان يمارس الأحبّاء لوهلة حال نكران. أمّا ذاك الانفجار في اليوم المشؤوم فصدّقناه فوراً، ليس فقط لأنّ مسلسل الاغتيالات كان مستمرّاً بعدما حصد قيادات، بل لأنّ سمير قصير كان هدفاً معروفاً للنظام الأمني، منذ طارده العَسَسُ على مدى سنواتٍ وصولاً إلى وقفته الشّهيرة في ساحة الشهداء مطالباً بالحرية للبنان وسوريا على السّواء. كتب سمير الأستاذ والمؤرّخ سيرة بيروت والحرب، وترك الكتاب مفتوحاً على سيرةٍ لامعة لم يُتَح لها الاكتمال. هو مرّ كالبرق في تاريخ لبنان. الحالم فيه حقّق بعض ما أراد. ارتفعت صور رموز النظام ونُصِبَت الخيم وسط العاصمة وحصلت تلك اللحظة الاستثنائية في تاريخ لبنان. أكثر من مليونٍ هتفوا “حرية، سيادة، استقلال”، وعلى وقع إرادة التحدّي والصّمود في وجه آلة القتل الهادفة، انسحب جيش الاحتلال مخلّفاً أتباعاً حاولوا تباعاً وبنجاح لجم التغيير الذي قصّر عن رغبة سمير في “انتفاضةٍ في قلب الانتفاضة”، فكان انتصار مليء بالنكسات، وكانت إنجازات تحتاج متابعة وتحصيناً ونضالاً طويلاً ليتحقّق حلم سمير في حريةٍ يجب أن تلغي هيمنة أعداء الحرية الداخليين بعدما تقلّمت أظافر الطامعين الخارجيين.
لم يذهب استشهاد سمير هباء لأنّ “ثورة الأرز” التي كان فتاها الأغر بقيت في ضمائر اللبنانيين وفي تجربتهم جميعاً بمن فيهم أولئك الذين ناهضوها لجملة أسباب، وهي أسست حتماً لثورة 17 تشرين. وكلاهما جزء مميّز من تراكم تاريخي معقّد، شكّلت بلورة الكيان قبل قرنٍ من الزّمن مرحلة أساسية فيه، واستمرّ عبر الجلجلة التي يعيشها لبنان منذ أول استقلال. أين نحن من حلم سمير قصير؟ سؤال سنطرحه على الدّوام. فهو حلم بأشياءٍ كثيرة لكنّ كلمة واحدة اختصرت كلّ الأحلام. إنها الحرية ليس للبنان فحسب، بل لكلّ بلدٍ يعاني من سلطة عسف وانتهاك لحقوق الإنسان… هو الرّبيع، حلم به على وسع المنطقة ليشمل لبنان، يزهر بصعوبة، لكنّ مصير الزّهر أن يتفتّح ولو بعد حين.

إغتيالٌ بين ثورتين
نجم الهاشم/نداء الوطن/02 حزيران/2020

ذلك الصباح في 2 حزيران 2005 كنّا نستعدّ للإنطلاق في حلقة من “نهاركم سعيد” على شاشة “المؤسسة اللبنانية للإرسال” عندما بدأت تصل الأخبار عن انفجار في الأشرفية وعن أن المستهدف هو سمير قصير. لم يكن قد تمّ التأكد من الخبر بعد. تم الإتّصال بجيزال خوري. ردّت. أنتِ وين؟ قالت: في أميركا. شو في؟ لم يكن ممكناً سؤالها عن الموضوع: ما في شي. وتم إقفال الخطّ. بعد قليل كان الخبر صار حقيقة. وسمير قصير صار شهيداً.
بعدما كانت جيزال قد انتقلت من “المؤسسة اللبنانية للإرسال” إلى محطة “العربية” كنا قد قدمنا مع سمير قصير تصوراً لتحقيقات وثائقية عن الإغتيالات في العالم العربي ولكن لم يَدُر في بال أحد أن سمير سيكون هدفاً لعملية اغتيال وعنواناً لموضوع تحقيق لم يتم الكشف عن حقيقته بعد.
ربيع قبل الربيع
لم تكن المقالات التي كتبها سمير هي السبب الوحيد في اتخاذ القرار باغتياله. كانت علاقاته أوسع من مقالاته وهو الذي كان يريد أن يكون هناك وجه مشرق للعالم العربي تحكمه الثقافة والإنفتاح والديموقراطية لا التنظيمات الأصولية والأنظمة الدكتاتورية وكان مؤمناً أنّ هذه هي الطريق نحو التحرّر والتحرير ونحو ربيع عربي حقيقي يستطيع أن يبدل وجهة المواجهة من أجل القضية الفلسطينية التي كانت في صلب اهتماماته وصداقاته. لقد آمن سمير قصير بأنّ هذا الربيع ممكن أن يولد وكتب عنه قبل أن يصير حقيقة وقبل أن تترجمه الشعوب في الساحات وقبل أن يتم التصدّي له لإفشاله. كانت شبكة علاقاته تتجاوز حدود الدول لتجمع عدداً كبيراً من المثقفين الفلسطينيين واللبنانيين والمصريين والسوريين وسائر العرب. ولذلك شكّل هدفاً للمراقبة والملاحقة ولكن، ربّما لأنّه لم يَخَف ولم يتراجع تمّ نقل القرار إلى مستوى التخلّص منه دفعة واحدة بالإغتيال.

لعلّ اتهامه بأنّه كان من بين الأوائل الذين عاشوا حلم التغيير في لبنان وربيع بيروت هو الذي عجل في اتخاذ هذا القرار على أساس أنّه كان من بين الذين نظّروا وخطّطوا وكتبوا شعارات ثورة الأرز في 14 آذار 2005.
المواجهة بالدم
كان من المفترض أن يتوقف مسلسل الإغتيالات بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري ولكن بدا وكأنّ من اتّخذ القرار بالبدء باعتماد هذه الطريقة وجد أنها السبيل لاستكمال خطّة المواجهة. لم تربط أي علاقة جيّدة بين سمير قصير ورفيق الحريري ولكن مصيبة واحدة جمعتهما. عندما بدأت أجهزة الأمن اللبنانية السورية ملاحقة سمير قصير بعد احتجاز جواز سفره في مطار بيروت لم يكن رفيق الحريري بعيداً عن العمل على تأمين الحماية له. ولكن، من كان ليحمي من؟

ما لقيصر…
سناء الجاك/نداء الوطن/02 حزيران/2020

مسكينة حكومة الدكتور حسان دياب التكنوقراطية. فهي لم تعد تعرف من أي جهة تأتيها السهام. تتلقى الطعنة تلو الأخرى وتترنح بفعلها، بحيث يمكن توقع سقوطها سقطة لا قيامة بعدها، إذا ما انتفت الحاجة إليها. والمفارقة أن الطعنات القاتلة لا تأتي ممن يعارضون هذه الحكومة، وإنما ممن فبركها وفق مصالحه ليطيح بها عندما تحين ساعتها، وفق توقيت المراحل الحرجة التي يعبرها محوره. وعلامات الساعة تتسارع لهذه الغاية. ولنا في الهجوم على حاكم مصرف لبنان علامة، ومن التعثر والبدائية من المفاوضات مع صندوق النقد الدولي علامة أخرى، وفي التهديد “الحزب” إلهي اذا ما أقفلت معابر التهريب علامة ثالثة… وأخيراً وليس آخراً، الضرب على الركب في مهزلة سلعاتا النابضة بالفساد والمحسوبيات… والجلب الى بيت الطاعة…
وهكذا، يتواصل تهشيم أسس الإنجازات التي لا يصدِّق وجودها الا صاحبها، ولا يصادق عليها إلا ثلة ساذجة من التكنوقراطيين الأشاوس، في حين يلتزم باقي أعضاء هذه الحكومة بأجندات من رفع مرتبتهم من مستشارين الى وزراء. ومن جهة ثانية، لدينا هذه الفورة الطائفية المغرضة، إن عبر بعث المطالبة بالفيدرالية، أو عبر إعلان الانقلاب على الدستور والصيغة اللبنانية المنتهية صلاحيتها.
ومن جهة ثالثة، تتحرك شوارع مجهولة الانتماء، لتغرق مطالب الناس المحقة بطفيليات لغايات لا يعرفها الا من يحركها، وذلك في سعي للإلتفاف على إمكانية إحياء روح الحراك الذي بدأ في 17 تشرين الأول. وليس أوضح من التحرك المضاد بوجه من رفع شعار “لا للدويلة داخل الدولة ولا للسلاح غير الشرعي الذي يحمي الفاسدين”، ودعا الأمم المتحدة للعمل على تطبيق القرارات 1559 و1680 و1701 لجهة نزع سلاح “الميليشيات” وترسيم الحدود مع سوريا تحت الفصل السابع.
والغاية الأبعد لتفخيخ الحكومة بالتزامن مع تفخيخ الشارع، تتظهر معالمها مع اقتراب قانون “قيصر” من الأبواب اللبنانية.
فالظاهر أن هذا القانون لن يقرع الأبواب. سيقتحمها ويدخل، شاء من شاء وأبى من أبى.
ومن أبى يعرف جيداً هذا الواقع، لكنه يتشاطر على عادته. وهذه المرة يتشاطر على نفسه، ويحاول ترهيب حكومة من صنع يديه، إن تجرأت وسمحت حتى بمناقشة القانون الذي يطال لبنان مباشرة، من خلال معاقبة “شخصيات رسمية وسياسية وحزبية ورجال أعمال تربطهم علاقات تجارية بالنظام السوري”.
ومن أبى لم يُقَصِّر في التكتيك الكفيل بإضعاف رئيس الحكومة وهز موقعه، للتمكن من لزوم ما يلزم، عندما تتطلب مصالح مشغله الإقليمي ذلك.
فمن صادر السيادة وانتهك القوانين الدولية ويواصل جهوده لعزل لبنان عن أي شرعية، لا يعترف قطعاً بقانون “قيصر” القائم أساساً على أدلة تدين النظام الأسدي الممعن في قتل شعبه، وتشمل من يحميه ويدعمه ويؤخر إعلان موته السريري. وإن لم يحل ذلك دون تنديده بقتل شرطي أميركي لمواطن داكن البشرة.
بالتالي، هو لن يتورع عن نسف حكومته التكنوقراطية المترنحة بفعل الطعنات المسددة إليها من عقر دارها. وهو قطعاً، لن يعطي ما لقيصر لقيصر، ولا ما لله لله.

وصيّته الانتصار على الخوف
الياس عطالله/نداء الوطن/02 حزيران/2020

حكاية سمير قصير حكاية رجل مثقف منتمٍ، وهي بخاصة حكاية شجاع انخرط في قضية الحرية في وجه أنظمة المخابرات في لبنان، فلسطين ودمشق. في بداية لقاءاتنا التنسيقية قبل ان نبلور مشروع اليسار الديموقراطي بسنوات كان لسان حاله دوماً: المعضلة هي الخوف واذا كسبنا معركة كسر جدار الخوف كل شيء يصبح ممكناً. سلاحه كان ريشته الذهبية التي تصطاد الفكرة بوضوح واختصار ودون تهيب من أي جهة او احد. كل نهار جمعة يوم مقالته على الصفحة الاولى في النهار كانت لبنة اضافية في مشروعه المتجرئ على الخوف والقمع. مبكراً تنبه له رجل المخابرات وحاول كسر ريشته. ولما عجزوا عن إعادة البوليس الى رأسه حولوا البوليس الشبح الى بوليس فعلي يطارده أينما ذهب. كانوا يطمعون ان يراقب هو نفسه فزاد جرأته حينها. وضعوا له البوليس على الطاولة ولم يستطع اي مرجع من ردعهم عن مطاردته. فتابع دربه ورسالته الهادفة الى كسر جدار الخوف. لم يكن وحيداً في هذه المهمة ولكنه كان الالمع. تحول الى مثال يحتذى. لم يخل اعلان او بيان او وثيقة تطلب شجاعة في التوقيع الا وكان مبادراً ومشاركاً. سنة الفين في ايلول صدر بيان المطارنة برئاسة البطرك صفير المطالب بانسحاب الجيش السوري من لبنان. توافقنا مع المجموعة المنسقة مع اللقاء الشهري للمطارنة والمسماة قرنة شهوان برئاسة المطران يوسف بشاره على ان نعلق بالتتابع نحن المنبر الديموقراطي برئاسة حبيب صادق ومشاركة شخصيات ديموقراطية طبعاً سمير في مقدمتها وكنا نحضر وكانت الدائرة تتسع. الى ان حصلت كارثة جريمة اغتيال رفيق الحريري فاجتمعنا جميعاً واعلنا انتفاضة الاستقلال. سمير لم يكن يرغب في الصفوف الأولى.
ولكنه كان المطبخ والمبدع مع عدد محدود من الاشخاص ذوي الامزجة المشابهة. في يوم ستة وعشرين نيسان رحل الجيش السوري أخيراً. في ساحة الحرية عصر ذلك اليوم تعانقنا وقال زال الكابوس ولا نزال احياء. ولكن أذرع الطغيان المزروعة كانت تدرك ان هذا الشراع لن يكف عن الابحار فكان شراع انتفاضة الاستقلال الهدف الثاني بعد مركب رفيق الحريري وتم الاغتيال في الساعة العاشرة والنصف صباحاً من يوم الثاني من حزيران. سمير! الوصية الانتصار على الخوف. والوعد هو الوعد والعهد هذا العهد ولن اكلمك عما آلت اليه الامور اليوم لانه يعادل الموت / لكنني ارى في الافق مشاعل قادمة.

بين الحزن والأمل
الياس بو عاصي/نداء الوطن/02 حزيران/2020

سمير قصير، رحيلك المُبكر، ضحيّة للإرهاب، جاء على موعد مع المناضلين من أجل لبنان وسيادته واستقلاله، ومع المجاهدين لإعلاء شأن الإنسان وحرّيته وكرامته، أينما وُجد. ولا نزال نحن على الوعد أُمناء للعهد، ولن ينال من عزيمتنا ظلمٌ أو قهرٌ أو استكبار.
انك تعلم حتماً أنّ وطننا لم يخرج من دائرة الأخطار التي تتربّص به بعد، وتُدرك أن العدالة التي ننتظرها لكشف المجرمين وإنزال أشدّ العقوبات بهم تُراوح مكانها، ولا ندري إذا كان سيأتي يوم إحقاق الحقّ في ظلّ دولة تُصرّ على استضعاف نفسها لمصلحة دويلة آل اليها التحكّم بالسلطة وهي تعمل لتقديم الوطن رهينة لحليفها الإقليمي، غير آبهة بالثوابت الوطنية وبالمبادئ الميثاقية. إلا أن ما يُحزنك أكثر هو الوضع المتدهور على الصعد الاقتصادية والمالية والاجتماعية والمعيشية، ونُشاركك الحزن خصوصاً وأن الفساد يتفشّى ويعمّ مختلف الميادين والقطاعات، ممّا يجعل الدولة في حال شبه إفلاس.
الأنكى ان المسؤولين عن إفقار اللبنانيين لا يجدون حرجاً في حمل لواء الإصلاح، ويُطالبون بإعادة الأموال المنهوبة ووقف الهدر، فإذا بالوضع يدور في حلقة مفرغة. الا انّه في مقابل هؤلاء، ينشط الحراك المدني لمواجهة التحدّيات، ويتحّدث بلغة الثورة السلمية الكفيلة بالتغلّب على كل الأخطار. وهذا الحراك يُشكّل بارقة أمل، سواء عند شهداء انتفاضة الإستقلال أو كل الأوفياء لهم. اخيراً، لن أذهب الى تعداد صفاتك ومزاياك، وهي كثيرة، بل أكتفي بالقول إنّك كنت رجل علم والتزام ووفاء، ورجل قضية، شجاعاً ومقداماً، وكل هذا باق في ضمائر المخلصين. ولن نبكيك عملاً بوصيّة الشاعر القائل: “لا تبكِه فاليوم بدء حياته إنّ الشهيد يعيش يوم مماته”.

ميليشيا… على مين؟
مروان حمادة/نداء الوطن/02 حزيران/2020

أتخيل هذا العنوان يتصدّر فيه سمير قصير مقاله الشهير وكأنّه صبيحة الثاني من حزيران 2020. كيف؟ عن بُعد طبعاً كما هو رائج اليوم، وبعد خمسة عشر عاماً ونيّف على عنوانه الشهير”عسكر على مين.” في ذكرى اغتيال زميلنا ورفيقنا ومُلهِمنا سمير، الناطق باسم ثورة الأرز قبل أن تندلع، والكاتب باسم الربيع العربي قبل أن ينفجر، ضحيّةُ ماضينا وشهيدُ حاضرنا. تتضارب في ذهني ذكرياتٌ تحوّلت مع هذا الزمن اللبناني العربي العالمي الرديء الى يوميات أي مواطن، وخصوصاً أي مُناضل. إن صحّت المقارنات، فإن سمير الذي ذهب بالممانعة الى أبعد وأبعد من ممانعتهم، صفاءً ونقاوةً وطُهراً، والذي ارتفعت شهادته الى ما بعد بعد شهادة الذين ادّعوا السقوط وهم يقبضون على لبنان ويذبحون سوريا ويتاجرون بفلسطين. ذات يوم في مطار واشنطن، التقينا مع وليد جنبلاط القاضي الفرنسي بروغيير، المُناطة به مهمّة التحقيق في جرائم الإرهاب التي وقعت في فرنسا ولبنان، والمُتّهمة فيها مخابرات دول وأحزاب. في ذاك الصالون، الذي انتظرنا فيه معاً طائرة باريس فبيروت، استعرضنا وقائع ومراحل القضايا المُقامة على النظام السوري و”الحرس الثوري”. فقال لنا بروغيير من دون مواربة: لا تُتعبوا أنفسكم في البحث والتحرّي والتحليل. أحدهما قرّر والثاني نفّذ، لا حاجة في نظري للمحاكم المحلية والدولية، الأمر معروفٌ، محسومٌ، فاضحٌ.