يوسف ي. الخوري/كفى نياحًا كالثكالى أيّها الموارنة… أن تشهد بأنّك بلّغت يا سيّدنا العنداري، لن يُعيدَ الحقّ لأبنائه

220

كفى نياحًا كالثكالى أيّها الموارنة… أن تشهد بأنّك بلّغت يا سيّدنا العنداري، لن يُعيدَ الحقّ لأبنائه.
 يوسف ي. الخوري/28 أيار/2020

أن تعقد المؤتمرات الصحفيّة يا سعادة النائب القوّاتي الدكّاش، وتتوسّل المرجعيات الأمنية والقضائية والرؤساء الثلاثة، ولا أذكر مَن توسّلت أيضًا، لن يُتيحَ لكم أن تزرعوا أرض لاسا: لا بالحق ولا بالقانون.

أن تعقدَ كراڨاتَتك يا سعادة النائب المتحوّل من الكتلة الوطنيّة إلى القوات اللبنانيّة، الحوّاط، وتهرولَ لتشتكي إلى الرئيس برّي من اعتداءات أبناء ملّته على أرض الموارنة، لن يردع أبناء لاسا الشيعة ولن يُعيد الأرض لأهلها.

أن تلتزموا الحياد والصمت أيّها النوّاب العونيون؛ الباسيليّون؛ الروكزيون؛ أو أي فريق آخر منكم، لن يجعل من اتفاق مار مخايل أكثر من اتفاق ذل، ولن يجعلكم أكثر من مشرقيّين ذمّيين.

يوم كان للموارنة رجالٌ رجال، إليكم يا هؤلاء كيف يتصرّف الرجال:

بين العامين 1810 – 1832، كان للرهبانيّة اللبنانية المارونيّة (البلديّة)، أب عام اسمه اغناطيوس بليبل. كان قاسي البنية، وفي الشكل، تكاد لا تستطيع أن تميّز بينه وبين الأمير بشير الشهابي الكبير. في صباح أحد الأيام، مرّ قدس الأب العام المذكور من أمام قصر بيت الدين، وصدُف أن كان الأمير الشهابي جالسًا على شرفته يشرب القهوة ويدخّن الغليون. لمح الأميرُ قدسه وهو مار، فندَهَ عليه بصوتِه الجهر كي يتفضّل بمشاركته القهوة، إلا أن الأب العام لم يردّ ولم يلتفِت إلى ناحية الصوت. كرّر الأمير الدعوة مثنى وثلاث، لكنّه لم يلقَ جوابًا، لا بل لاحظ أنّه في كل مرة ينادي بليبل، كان الأخير بحركة انفعالية يُسرِع خطواته متجاهلًا الصوت. ارتبك الأمير من تصرّف بليبل، فأمر كاخيته (سكرتيره) ان يلحق به ويعرف ما الذي يُزعجه ليتجنّب الدعوة بهذا الشكل.

ركض الكاخية حتّى لحق بالأب العام بليبل وابلغه رغبةَ الأمير بأن يحضر إلى القصر، غير أنّ بليبل لم يرُدّ، حتى أنّه لم يلتفت بناحية الكاخية، وتابع سيره وهو ينظر في الأرض. وبعد إلحاح الكاخية نطق الاب العام بكلمات قليلة وهو يُتابع هرولته:

– قُل لعظمته أن اليوم غير مناسب، مزاجي معكّر.

– سوف يسألني ما الذي يعكّر مزاجك، ماذا أقول؟

– لا شيء كبير… تعرّض بعض أهالي لاسا بالضرب على راهبين من دير قرطبا بينما كانا يعملان في الكَرم.

نُقل هذا الحوار المقتضب إلى الأمير بشير، وقد كان كافيًّا ليُرسل الأمير في اليوم التالي الجند إلى جبّة المنيطرة، فأحرقوا بيوت المعتدين على الراهبَين، وبيوت مَن يتّصلون بهم، وخرّبوا ممتلكاتهم وجرّوهم إلى السجن.

بعد مئة وخمسين سنة من هذه الحادثة، حلّ على رأس الرهبانية اللبنانيّة المارونية (1975 – 1980)، رئيس عام اسمه شربل القسيس، وللصدف أنّه ابن بلدة قرطبا وتعرّض لموقف مُحرج يشبه ما تعرض له بليبل. إثر احتلال الفلسطينيّين لدير الناعمة في تشرين الأول 1975، صعّد الأباتي القسيس الموقف وهدّد بتهجير كل المخيّمات الفلسطينيّة التي تقع في منطقة بيروت الشرقية في حال لا يتمّ انسحاب الفلسطينيّين من الدير خلال أربعٍ وعشرين ساعة.

على الفور استنفرت كل الفعاليّات في البلاد، إسلاميّة ومسيحيّة، وتكثفت الاتصالات حتّى تمّ إخلاء الدير قبل طلوع فجر اليوم التالي. الشيء الوحيد الذي أقلق القسيس في تلك الليلة، هو ألّا يتجاوب الفلسطينيّون مع دعوات الانسحاب من دير الناعمة، وهو الأمر الذي قد يُسيء إلى صورته، ويهزّ مصداقيّته أمام الناس، ويُهبط عزيمة المدافعين عن القضيّة اللبنانية في وجه الفلسطينيّين وعملائهم من اللبنانيّين.

فيا كل الغيارى على مصالح المسيحيّين، اتّعظوا! من بليبل تعلّموا كيف أن الرجال تقول كلمتها وهي تسير إلى الأمام، ومن القسيس تعلموا أن الرجال تخاف ألّا تكون على قدر كلامها. ومن الاثنين عبرة: النفوس لا يُحررها الطبل والزمر والاطلالات الإعلاميّة.

يا أيها الموارنة الجبناء، أرض لاسا تخجل من دَوْس جزاميكم على ترابها، فخصوبتها جفّت من نعومة أياديكم!