نديم قطيش/المفتي قبلان… في أصل لبنان

116

المفتي قبلان… في أصل لبنان
نديم قطيش/الشرق الأوسط/26 أيار/2020

آخر المبالغات فيما خص المشروع السياسي للجمهورية الإسلامية في إيران، كلام للمفتي الجعفري الممتاز في لبنان أحمد قبلان. قبلان هو نجل الشيخ عبد الأمير قبلان، رئيس المجلس الشيعي الأعلى، والذي هناك دعوى مقامة ضده أمام مجلس شورى الدولة اللبنانية؛ لكنها مدفونة في الأدراج بقوة قوى الأمر الواقع!

قبلان الابن، الطامح في وراثة أبيه في رئاسة المجلس الشيعي الأعلى، والمنحاز مصلحياً لـ«حزب الله»، استل من البيان التأسيسي للحزب الصادر عام 1985، وصفاً للبنان يفيد بأنه صنيعة الاستكبار العالمي، وأبلغ اللبنانيين أنه بات مطلوباً إسقاط الصيغة الطائفية، وأن «أصل نشأة لبنان تم على أساس طائفي واستبدادي، بوظيفة خدمة المشروع الاستعماري والاحتكاري».

لا يستند هذا الكلام الكبير إلى أي وزن فكري أو معرفي لصاحبه غير المعروف بكثرة مساهماته ومؤلفاته في أي من شؤون الدين أو الدنيا.
بيد أن كلامه سرعان ما حُمل على محمل معزوفة دارجة، أن «حزب الله» بصدد تغيير وجه لبنان السياسي والاقتصادي، والحقيقة أن هذا افتراض يعطي الحزب رصيداً لا يستحقه.

فكلام ككلام قبلان هو تعبير دقيق عن ارتباك المشروع، أكثر مما هو تعبير عن مشروع مدرك لما يقوم به وفق خطة مفصلة تُنسب له، وعبر آليات وأدوات تُتخيل له من قبل خصوم الحزب. وهو تعبير عن اصطدام مخرجات الثورة الإيرانية كـ«حزب الله» و«الحشد الشعبي» والحوثي والحطام السوري، بانسداد الأفق السياسي أمامها، بالتوازي مع انفتاح المدى على مستويات غير مسبوقة من القدرة والاستعداد والمثابرة على التخريب والتدمير.

كلام قبلان هو هروب إلى الأمام، والهروب لا يمكن أن يكون استكمالاً لمرحلة جديدة بعد انقضاء مرحلة سابقة، وفق منطق التراكم السياسي الواعي.

نبدأ من الخفة في طرح فكرة دولة المواطنة وقدح المذهبية، ممن هو تحت عباءة الحزب الأكثر مذهبية في عقيدته، والأكثر بعداً عن شروط وضوابط المواطنة في حركته كميليشيا. طرح يحمل كثيراً من النكايات والكيدية والتراشق لتسجيل النقاط، أكثر مما يحمل نسقاً متكاملاً لفكرة أو مشروع أو طرح سياسي.

واقع الأمر أن هذه هي أزمة الثورة الإيرانية نفسها. فهي طوال أكثر من أربعين سنة لم تنجح في التحرك بمشروعها السياسي إلى ما بعد الثورة، كما لم ينجح «حزب الله»، أفضل إفرازاتها خارج إيران، بالتحرك في مشروعه إلى ما بعد المقاومة. انسداد في الوظيفة والدور، وعجز عن التطوير فيهما، يؤديان إلى تكلس في المشروع وتقلص في الشرعية.
فلا الثورة تثور على الظلم والطغيان وامتناع النمو والرفاهة، ولا المقاومة تقاوم الاحتلال وتسترد الأرض.

يكفي النظر إلى ساحات المشروع الإيراني الأربع، في العراق ولبنان وسوريا واليمن، لمعاينة أشد أشكال البؤس والانهيار والدمار، على كل المستويات السياسية والعمرانية والاقتصادية والاجتماعية. أليس ما يدعو للسخرية أنه مع اتساع رقعة انتشار ما تسمى المقاومة، تنامت بشكل طردي قدرة إسرائيل على انتهاك السيادة. فلم تواجه سوريا هذا المقدار من الاستباحة الإسرائيلية، جواً وبحراً وضماً للجولان إلا مع الدخول الأوسع لـ«حزب الله» وبقية الميليشيات الإيرانية إلى سوريا تحت مسمى حماية المقاومة ومحاربة إسرائيل. وبالتوازي بات لبنان منصة جوية آمنة لإسرائيل، في عز حديث «حزب الله» عن انتصاراته الإلهية، في حين أنه وفي عز إمساك الحزب بالسلطات السياسية كافة في البلد، لا يجد الحزب مهرباً من موجبات الخضوع لصندوق النقد الدولي، وشروط المجتمع الدولي الإمبرياليين، بغية إنقاذ الحد الأدنى من قدرة اللبنانيين على العيش!

أما العراق فيقدم مثالاً فاقعاً على الفشل السياسي، لتقديم حاكمية نموذجية وناجحة باسم المشروع الإيراني، علماً بأن البلد محكوم على نحو شبه تام من أكثريته الشيعية، المتفاهمة مع الأكراد على حدود الحكم الذاتي الكردي، ومتطاولة إلى حد الإلغاء على المكون السني العربي. فالحياة السياسية في العراق تكاد تكون هي الحياة السياسية في الوسط الشيعي وبين المكونات الشيعية حصراً. فإذا كانت هذه الحال في النموذج الأهم والأنقى للشيعية السياسية، صار من البديهي أن يكون حالها أسوأ في لبنان أو سوريا أو اليمن.

حدث ولا حرج عن الانهيار المتنامي لمشروعية الثورة ونظامها داخل إيران نفسها، وهو ما بات يعبر عنه الإيرانيون بأشكال مبتكرة، كان آخرها مظاهر الانتفاضة الإيرانية أواخر العام الفائت. فقد شهدت الشوارع تمرداً على تقاليد حرق العلمين الأميركي والإسرائيلي، وتقصدت الشبيبة الإيرانية ألا تدوس عليهما، وأن تردد هتافات واضحة تفيد بأن أميركا ليست هي العدو؛ بل إن العدو في الداخل.

في عام 2009 خسر النظام الطبقة الوسطى التي شكلت عصب الحركة الخضراء، وكان مركزها شمال طهران. في عام 2019 خسر النظام الطبقة العاملة التي شكلت عصب المظاهرات الأخيرة، وكان مركزها مدينة مشهد وغيرها من المدن الأقل شأناً اقتصادياً من ضواحي شمال طهران.
تصريحات أحمد قبلان المتسرعة تفهم في هذا السياق الأعم لأزمة المشروع الإيراني.

هي تتمة عصبية لتوتر المشروع الإيراني الناجم عن نتائج «كورونا»، والآثار القاتلة للعقوبات الأميركية، وفشل المؤسسة السياسية والعسكرية الإيرانية المحرج الذي تزداد الإشارات إليه، من إسقاط الطائرة الأوكرانية، إلى قصف سفينة إيرانية لسفينة أخرى عن طريق الخطأ خلال مناورة بحرية، دعك عن الاغتيال المهين لقاسم سليماني، والرد الانتقامي التافه على قتله.

وبإزاء كل ذلك، لا تملك إيران مشروعاً سياسياً ولا تصوراً اقتصادياً. هي ليست الاتحاد السوفياتي بعقيدته المناهضة للرأسمالية، ولا الصين التي تحاول إدخال مقترحها الهجين الرأسمالي- الشيوعي، إلى مفردات العلاقات الدولية، ولا حتى الإسلام السياسي السني بنسخته التركية الإردوغانية، ولو المتعثرة. إيران ديكتاتورية عارية يحكمها «الحرس الثوري» منتحلاً عمامة علي خامنئي، ودولة بلطجة في الإقليم للتغطية على انهيارات الداخل، بعد وصول الثورة إلى الحضيض. وحين تتقلص قدرتها على البلطجة، يضمر مشروعها إلى حدود تجعل منها مادة للكوميديا السوداء.

إذا كانت هذه حال إيران نفسها، فحبذا لو توقفنا عن أخذ «أفكار»: «حزب الله» السياسية والاقتصادية على محمل الجد، دعك عن أطروحات المفكر السياسي أحمد قبلان!