الكولونيل شربل بركات/أدهم خنجر أحد رجال العصابات التي هاجمت عين إبل في الخامس من أيار 1920 والذي يحاول البعض أن يجعل منه أحد أبطال الاستقلال الكولونيل شربل بركات/26 أيار/2020

310

أدهم خنجر أحد رجال العصابات التي هاجمت عين إبل في الخامس من أيار 1920 والذي يحاول البعض أن يجعل منه أحد أبطال الاستقلال
الكولونيل شربل بركات/26 أيار/2020

يقال بأن أدهم خنجر هو من قرية المروانية في جنوب لبنان التي تقع على الطريق الرئيسي بين الزهراني والنبطية.
وقد التحق بالقوى التابعة لدمشق يوم عين محمود الفاعور قائدا لقوات ما سمي “بالمملكة العربية” في الجولان وما يتبعها إلى الغرب.
وكان محمود الفاعور، وهو زعيم عرب الفضل الذين ينزلون في بعض قرى الجولان السوري ويمضون فصل الشتاء في سهل الحولا، قد أيد الأمير فيصل عند دخوله دمشق بعد انسحاب قوات العثمانيين منها أمام جيوش الحلفاء بقيادة الجنرال البريطاني اللنبي.
كان بعض الجنوبيين المنظورين، الذين التحقوا بجمعية “الاتحاد والترقي” في ايام سيطرتها على قيادة الجيش العثماني وحظيوا بمراكز في الادارة ما قبل الحرب العالمية الأولى، يحاولون كغيرهم من اللبنانيين والسوريين نقل البندقية، وذلك بالانضمام إلى ما سمي “العربية الفتاة” (وهي جمعية كانت أنشأت في باريس سنة 1909 على غرار “تركيا الفتاة” التي ساهمت في تغيير السلطان عبد الحميد الثاني).
وإذ لم يكن عند الأمير فيصل مشروع جاهز لادارة الدولة اعتمد على بقايا النظام البائد هؤلاء في السياسة والعسكر. ولكنه بالطبع فضّل، حيثما استطاع، الولاء “الطبيعي” للقبائل العربية.
من هنا كانت تسمية محمود الفاعور لانشاء قوة محلية في جنوب سوريا والحاقها بقوات فيصل.
ويقول أحد الباحثين السوريين(عز الدين سطاس) بأن فيصل زوّد الفاعور بوحدة عسكرية مؤلفة من مئة مقاتل يقودها ضابط (قد يكون ذلك بعد أن تسلم يوسف العظمة وزارة الدفاع وحاول السيطرة أكثر على المجموعات المنضوية تحت لواء فيصل).
قام محمود الفاعور بتجميع ما استطاع من العرب (أي البدو) في منطقة الجولان تحت لواء السلطة الجديدة ولكنه لم يستطع الحاق بدو فلسطين لوجود القوات البريطانية الكثيف هناك وسيطرتهم عليها وتفاهمهم مع أغلب القبائل فيها.
ولا هو حاول الاتفاق مع زعماء جبل عامل الاساسيين كونهم لن يرضوا بزعامته عليهم فهم لم يقبلوا مرة بالتبعية لجيرانهم البدو.
من هنا فقد حاول الاتصال ببعض الذين يفتشون عن دور ما في اثناء المتغيرات. وهكذا استطاع الحاق بعض المتحمسين والمخبرين التابعين للقوات العثمانية الذين يصبون إلى غطاء ما بشغل منصب في الادارة الجديدة، بالاضافة إلى عدد ممن يمني النفس بالغنائم وفرض الخوات في ظل عدم الاستقرار.
كان صادق حمزة من قرية دبعال والتي تقع شمال جويا بين الشهابية ومعركة في قضاء صور أحد الملتحقين بقوات الفاعور كما التحق ايضا محمود محمد بزي من بنت جبيل وأدهم خنجر من المروانية وأحمد بوزكلي من حولا وعلي جعفر (الملقب بأبي الجواريش) من يارون وغيرهم. ولم يكن من بين هؤلاء من يمثل زعامة البلاد الشيعية ما يدل على أن عامة السكان لم تكن متحمسة للموضوع.
بعد تفاهم فيصل وكليمنصو في كانون الثاني 1920 على قبول فرنسا بأن يحكم سوريا شرط اشراف المستشارين الفرنسيين على التنفيذ، قام بقايا الحكم العثماني الملتفين حول فيصل بدفع الأمور باتجاه التصادم. فأوعزوا إلى جماعات المسلحين في جبل عامل للبدء بفرض الخوات والتهويل على السكان المسيحيين في القرى الصغيرة كنوع من التهديد بالفوضى.
ومن جهة ثانية اعلنوا قيام المملكة العربية وتنصيب فيصل ملكا عليها كخطوة لضرب اي تفاهم بينه وبين الفرنسيين.
ثم تشكلت حكومة تسلم فيها يوسف العظمة الضابط السابق في الجيش العثماني وزارة الحربية. وما كان منه إلا أن أوعز إلى بعض عملائه للدعوة إلى مؤتمر وادي الحجير تحت اسم الزعيم المحلي كامل بيك الأسعد، وبدون معرفة الأخير، محاولة لوضعه تحت الأمر الواقع واستعمال اسمه لتأمين حضور شعبي. وكان هذا المؤتمر منصة لتهييج الغرائز ودفع الوضع نحو الصدام.
ويدل قيام المفتي عبد الحسين شرف الدين بزيارة دمشق فور انتهاء المؤتمر، بشكل واضح، أن الأمر كان أتى من هناك وبأنه ذهب ليقدم تقريره.
أما التعديات التي قامت بها جماعات المسلحين المنضوين تحت راية محمود الفاعور وبقيادة صادق حمزة وأدهم خنجر وغيرهم فقد شملت كل القرى المنتشرة جنوب الليطاني من طير سمحات ودير سريان ودردغيا والنفاخية إلى دير كيفا والطويري وعلمان القصير، إلى دير ميماس وسردة والعمرا وجديدة مرجعيون وراشيا الفخار في الشرق والتي شارك فيها محمود الفاعور شخصيا، على ما يبدو.
ولم تسلم برعشيت وصفد البطيخ ويارون وقانا وإقرت والبقبوق وغيرها من القرى التي سكنها المسيحيون مع اخوانهم الشيعة منذ أجيال.
ولكنهم لم يستطيعوا المساس بعين إبل ودبل ورميش ما دفعهم إلى التخطيط لجعلها الضربة الكبرى.
من هنا وبعد مؤتمر وادي الحجير، الذي أعطى هؤلاء غطاء معنويا، قامت كل القوى التي تتبع “للأمير محمود الفاعور” قائد قوات جنوب سوريا، والذي يتبع أوامر وزير الحربية في حكومة فيصل ومن ضمنها بعض قبائل البدو في الغرب، بالهجوم على عين إبل في الخامس من أيار 1920 وفي الوقت الذي كان الزعيم كامل بيك الأسعد مجتمعا مع الكولونيل نيجر في النبطية للتفاهم حول موضوع الأمن في المنطقة.
من هنا نستطيع تفهم غضب الكولونيل نيجر على الأسعد والذي اعتبره خيانة وتلاعب، ونفهم أيضا موقف كامل بيك في قوله “إن عين إبل خسرت صحيح ابناءها ولكن الشيعة خسروا شرفهم”.
فقد كانت هذه العصابات تعمل في نفس الوقت على تشويه صورته شخصيا وزج جبل عامل في قضية لم يتبناها سكانه من قبل.
أما بعد الهجوم على عين إبل وتركها عرضة للنهب مدة ثلاثة أسابيع حتى تشكيل فرقة فرنسية استقدم بعض عديدها بحرا من بيروت وقيادتها من قبل الكولونيل نيجر، فقد هربت جماعات المسلحين وأخضعت كافة مناطق الجنوب اللبناني.
يقول البعض بأن مجزرة عين إبل كانت مقدمة لمعركة “ميسلون” التي انهت حكم فيصل القصير.
قد يكون صحيحا بمعنى أن الفرنسيين لم يعودوا يثقوا بكلام فيصل وقدرته على التحكم بمصير المنطقة.
فهو بدل أن يحمي السكان، قامت عناصر تحت “قيادته” بعمليات تهجير وابادة. ولم يسعى إلى وضع حد لهذه الأمور، ولا فتح تحقيقا بما جرى.
ولكن بالرغم من كل هذه بقيت جماعة يوسف العظمة وعملائه هي من يدير الأمور، وبدل العمل على تغيير النظرة تجاه حكم فيصل، بالتحضير لمواجهة الفرنسيين، وكأنهم يعملون كجماعة من المخابرات العثمانية (تشكيلات محسوسة) داخل خطوط “العدو”.
ولو أن الاتراك لم يكونوا جاهزين لاستغلال هذه التحركات، لأن أتاتورك كان منشغلا باعادة السيطرة على الجيش ومن ثم استعادة تركيا التي نعرفها اليوم بما اسماه حرب التحرير.
وقد قام يوسف العظمة بزيارة لشمال سوريا حيث اتصل بجماعات اتاتورك تحت غطاء تطويع المزيد من العناصر للدفاع عن دمشق.
بعد مجزرة عين إبل هرب أدهم خنجر ليلتجئ في الجولان السوري حيث لم تتابع القوات الفرنسية تنظيف المنطقة هناك.
وبعد معركة ميسلون رضخت كل القوى التي كانت تنادي بفيصل للأمر الواقع.
وحاول الفرنسيون بعد أن استتب الأمن في المنطقة محاورة السكان المحليين واعطائهم بعض المسؤوليات فأعلنوا عن عفو عام عن المقاتلين ومنهم محمود الفاعور وجماعته.
وفي سنة 1921 قام بعض الضباط باجراء حوار مع محمود الفاعور حول تسليمه بعض المسؤوليات في منطقة الجولان. وصلت المباحثات حتى إلى قيام الجنرال غورو بزيارة له في قصره في “واسط” بالجولان. وبدأت التحضيرات لاستقبال الجنرال غورو. ولكن كان هناك، على ما يبدو، من بين قبائل الجولان من لم يعجبه تسلم الفاعور للمسؤولية، ومنهم احمد مريود، فقرر افشال الموضوع وأرسل صديقه أدهم خنجر فكمن لسيارة الجنرال غورو في حزيران من السنة نفسها واطلق النار عليه واصابه في يده الاصطناعية وفر هاربا.
فقامت القوات الفرنسية بعملية تمشيط في المنطقة والقاء القبض على بعض المشتبه باشتراكهم في العملية، وفر احمد مريود إلى الأردن حيث التجأ إلى بعض القبائل هناك. وخاف أدهم خنجر من أن يلقي الأنكليز القبض عليه فالتجأ إلى سلطان باشا الأطرش للاحتماء في منطقة السويدا حيث تم القيض عليه فيما بعد وحكم بالاعدام.
المهم بالموضوع بأن أدهم خنجر لا يشرّف الطائفة الشيعية في لبنان، كما يحاول البعض تصويره، لا بعملياته في التفريق بين المواطنين ومهاجمة القرى المسيحية وفرض الخوات، وخاصة وصمة العار التي حملها ورفاقه في مجزرة عين إبل، ولا بتنفيذه محاولة قتل الجنرال غورو الذي كان يزور رئيسه المفترض “الامير محمود الفاعور” وهو شيخ قبائل الفضل التي يحتمي عندهم.
وأن تلك العملية لم تكن من الشجاعة بشيء ولا تمت للوطنية بصلة لأنها لا تقدم ولا تؤخر في السياق العام للأحداث.
ومرور الجنرال كان معروفا مسبقا ولم يكن صدفة ولا نتج عن حماس أو وطنية إنما عن مواضيع شخصية بين ابناء الجولان ونزاعهم على السلطة.
وكانت هذه العملية وزيولها أثرت سلبا لا بل أخرت كثيرا في تنظيم الحياة الطبيعية للمواطنين.
والكلام على هكذا أعمال بأنها بطولة ومقاومة منع السوريين وبعض اللبنانيين من التعاون على الالتحاق بالدولة الفتية والعمل مع بقية ابناء الوطن لتقدم البلاد ونشر الاستقرار والعمل على ازدهارها وتنظيم الادارة فيها لكي تصبح شيئا فشيئا بلادا مستقلة بشكل كامل وبدون اراقة الدماء المجانية.
تصوير صادق حمزة وأدهم خنجر بأنهما من أبطال لبنان بينما كانا من مجموعة أذت العلاقات القائمة منذ 400 سنة على الأقل بين مواطني هذه المنطقة والذين تعاونوا على الخير في كل ايامها، وبالرغم من المآسي، وتحملوا سوية ظلم الأتراك العثمانيين.
بينما كانت العمليات التي قام بها هؤلاء المسمين مقاومين لا تخدم إلا العثمانيين ومحاولة اعادتهم كما حدث بعد مجازر 1860 بين الدروز والموارنة والتي أدت إلى شرخ كبير بين دعامتي الاستقلال الوطني وأعادة سيطرة العثمانيين تحت شكل القائم مقاميتين الذي أعطى السلطنة مجالا أوسع للتدخل وإثارة الفتن أو ما يجري اليوم مع اردوغان من جهة وخامنئي من جهة ثانية.
ولن تقوم قائمة لهذه البلاد طالما بقي فيها من يعمل على قتل جاره وتهجيره خدمة لمصالح امبراطوريات تريد أن تتسلط بالارهاب والدم والتمييز بين المواطنين باللعب على اختلاف الدين والمعتقد.

الصور في أسفل من اليمين: الجنرال غورو/محمود الفاعور/أدهم خنجر وصادق حمزة/أحمد مريود/أدهم جنجر/الأمير فيصل ابن الشريف حسن