نوال نصر: أهلاً بكم في جمهورية الناقورة/20 عاماً على 25 أيار… خافوا من البحر الهادئ

144
UN peacekeepers (UNIFIL) patrol the border with Israel, in the village of Khiam, Lebanon August 26, 2019. REUTERS/Ali Hashisho

أهلاً بكم في جمهورية الناقورة/20 عاماً على 25 أيار… خافوا من البحر الهادئ!
نوال نصر/نداء الوطن/23 أيار/2020

هناك، عند الشريط الجنوبي الأزرق، على مرمى حجر من بلادٍ عدوة، يتعايش لبنانيون وقوات سلام. وتسرح، على مدار النهار، دوريات بثياب عسكرية مرقطة ويبرز عنفوان جنوبي وكثير كثير من الأخبار والتكهنات والتوجسات. هناك، في الذكرى العشرين لتحريرٍ مُذيل بألف سؤالٍ وسؤال، جلنا بحثاً عن قطبٍ وأحوال وآفاق، وعمّن يمسكون، من الميلين، بمقصٍ قادر أن يقطع في أي لحظة شريط الخط الأزرق وكل الخطوط الحمر وإحداث فجوات في الواقع والمصير.
لم يكن سهلا، ولا في أي يوم، على الجنوبيين، أهالي الشريط الحدودي، أن يطمئنوا الى الحاضر وأن ينظروا بعينين طموحتين الى الآتي. فلنذهب الى هناك. الى الناقورة. الى جوار البحر الواسع النظيف الهادئ. الى حيث يتمدد مقرّ قوات حفظ السلام لاستكشاف “جمهورية اليونيفيل” في جمهورية لبنان في شريط شبه منسي إجتماعياً وحاضر جداً في لغة الإنتصارات!
محال كثيرة في الناقورة أقفلت وإعلان “محال للإيجار” يكاد يزيد عن الواجهات المفتوحة. أصحاب المحال قبالة مقرّ قوات الطوارئ “عم بيكشّوا برغش” فالعناصر بالكاد تخرج من المقرّ بسبب إجراءات كورونا. ومحل المجوهرات “مودا أند أرت”، الذي يعرض قطعا تجذب الطليان والصينيين والإيرلنديين والفرنسيين والأرمن، يفتح أبوابه ويغلقها على أمل أن يكون “بكرا أحلى”. الجمود في كل مكان. عنصران من قوات الطوارئ من الكتيبة الهندية قصدا محلاً يبيع من كل شيء أشياء. سألاه عن “سماعة أذن” وراحا يفاصلان في السعر. تبدلت كثيراً طبيعة قوات حفظ السلام “راح الغني وأتى الطفران”. يعلق صاحب المحل.
على الخط الأزرق
الست إيفا وزوجها سمير من بلدة عبرا، هاجرا في الحرب الى الناقورة، فتحا “سناك” فيها، وهما شاهدان على أحداث وتفاصيل كثيرة وعلى 25 أيار عام 2000. حين يبدأ سمير في سردِ الأحداث يضيع بين التواريخ والمحطات والتجارب والسنين لكن كل “السرديات” تنتهي بعلامة استفهام كبيرة حول: ماذا ينتظر ناس هذه البقعة الجغرافية بعد حين؟ يصرخ سمير الى زوجته ليسألها: “إيفا متى دخل الجيش اللبناني الى الناقورة في 2000 او في 2006؟” تجيبه بسخرية: “ولوّ يا رجال!”. إبنته ماريانا (28 عاما) درست في بريطانيا سياحة وإدارة فنادق وعادت الى حيث ولدت، الى الناقورة، العام 2017 وهي اليوم بلا عمل. تساعد والديها أحيانا في “السناك” لكن الناقورة باتت هي أيضا مدينة أشباح وتقول: كان تركيزنا قبل سنتين على الفرنسيين. كانوا كرماء. لكن عددهم تناقص فأصبح أقل من 1500 بعدما كان 3600 عنصر. الإيطاليون “يشارعون” على القرش وعددهم أيضا يتناقص. النروجيون رائعون. النمسويون خواجات. الإيرلنديون يدفعون مع حبة مسك. أما العناصر الآتية من الهند وغانا فتكتفي بتناول سندويش فليفلة حرة. “فلّ” الكرماء وبقي البخلاء.
إنعكاس أشعة الشمس على مياه البحر في الناقورة رائع. والشبان يروحون ويجيئون على دراجات نارية تحت عين الشمس. وقوات الطوارئ تنظم دوريات متتالية. هي تقوم يوميا بأكثر من 480 دورية في كل المنطقة والجيش اللبناني يشارك في 8 بالمئة منها فقط لا غير. يُخبرنا أحد الناشطين في المنطقة.
صور شهداء “حزب الله” كثيرة. صور السيد حسن (نصرالله) كثيرة. وأعلام “حزب الله” ترتفع على أعمدة الإنارة على طول امتداد قرى الشريط الحدودي. لكن ماذا عن وجود الحزب، باللحم والدم، في تلك القرى؟ وماذا عن التجاوزات التي يكثر الكلام عنها؟ من يتصدى لها على طول الشريط؟
نحو فلسطين
حاضر ولا يُرى
السكان، أو ما تبقى من سكان، في المنطقة ينقسمون بين من يبتسمون كثيرا حين نُذكرهم بانتصار 25 أيار وبين من يحاولون ان يستذكروا ذلك اليوم بأمل. الثابت أن حراك “حزب الله” على طول الشريط غير واضح للعيان لكن هذا لا يعني أنه غير موجود، فهو في كل التفاصيل، في البراري والحقول وتحت الأرض وفوق الأرض. وكل ما نراه بالعين المجردة مجرد صورة عامة للنشر. وقوات الطوارئ تلتقط ما تراه “فوق الأرض”. وجودها ضروري طبعاً كي يبقى لناس الشريط إمكانية البقاء. ثمة 650 لبنانياً، غالبيتهم من الجنوبيين، يعملون مباشرة مع قوات حفظ السلام ويتقاضون أجوراً تمكنهم من الصمود، ما يجعل اليونيفيل ثاني أكبر رب عمل في الجنوب بعد الدولة اللبنانية. أما المستفيدون فهم كل السكان. هؤلاء، المواطنون، انتبهوا أخيراً الى كلامٍ كثير يسري في محيطهم عن إمكانية تقليص وجود قوات الطوارئ. صحّ؟ غلط؟ هذا ما يخشونه في ظلّ إستمرار غياب الدولة الفعلي.
هموم الشريط الحدودي الإقتصادية كما هموم كل أهالي البلد مع فارق أن الدولة مطمئنة الى “تلزيمهم” الى أفرقاء الأمر الواقع أكثر من غيرهم. نعود لنسأل عن وجود عناصر “حزب الله” فوق؟ يجيب المزارع وائل: قد يكونون الآن هنا، بيننا، يستمعون إلينا لكن الأكيد أنهم يحاولون عدم الظهور بسلاحهم. وهؤلاء قادرون، في خلال لحظات، أن يكونوا على الحدود. هم أكثر من يعرف طبيعة الأرض.
نعبر أمام السرية 523 التابعة للجيش اللبناني. نمرّ أمام آرمة تحدد الاتجاهات: على اليسار الناقورة، علما الشعب، الضهيرة، يارين، البستان ومروحين. ونحو الأمام فلسطين. نتجه يسارا.
البحر الهادئ
الأمن الإجتماعي
مقرّ اليونيفيل أشبه بدولة صغيرة. ونشاطُها، في مساعدة الناس على الصمود، يُشكّل بديلا عن نشاط الدولة الأصيلة التي كلما دقّ الكوز في الجرّة تدير ظهرها وتمشي. يتذكر أحد سكان الشريط العام 2006، حين كان عديد قوات الطوارئ أربعة آلاف جندي وأصبح بعد القرار 1701 نحو 10500 جندي، خمسة الى سبعة من المئة منهم نساء. النساء يضفن حياة في كل مكان فكيف في مقرّ للسلام. هؤلاء، قوات الطوارئ، يساعدون الناس في الزراعة وفي الصناعات الزراعية والألبان والأجبان إلى مربيات ومنتجات غذائية تعود عليهم بالأرباح وتساعدهم على التجذر في الأرض. باسمة زين ابنة العباسية، شاركت في دورات نظمتها اليونيفيل وأصبحت اليوم رئيسة تعاونية زراعية سمتها “جود الأرض” ومنتجات تعاونيتها كادت تدخل قبل الأزمة الى أفريقيا. قوات اليونيفيل تساعد الأهالي كثيراً إقتصادياً وإجتماعياً وأمنياً وبيئياً. ثمة محطة تكرير للمجارير في مقرّ اليونيفيل، يصار الى استخدام المياه المكررة في الزراعة وما تبقى منها ينزل نظيفا في البحر. الأسماك كثيرة هناك والصيادون، الذين يلتزمون بالخط الأزرق البحري، يلامس عددهم الثلاثين والبارحة، في الحرّ الشديد، بدا الصيد وافراً جداً من صنفي اللقز والطريخون. نحاول ان نغوص أكثر في التفاصيل لكن رئيس بلدية الناقورة لديه “مشوار” وهو يفضل عدم الكلام. نتركه ونتابع.
العمر يسير بسرعة فوق ووحدها الدولة بطيئة، لذا يتكل الأهالي كثيراً على قوات الطوارئ الدولية. حتى “حزب الله” سعيد بوجود قوات الطوارئ لأنها تخفف عنه الضغط الشعبي وحين يقرر أن يتحرك… يتحرك! اليونيفيل تدعم التعليم الرسمي في قرى الشريط الحدودي والمستشفيات الحكومية في بنت جبيل ومرجعيون وصور وميس الجبل وتبنين وفي كل مناطق عملها.
الطبيعة تأبى الفراغ. وفي كلِ مرة تدير الدولة ظهرها وتمشي تُصبح الحاجة ماسة الى من يقوم مقامها. لهذا يُحكى فوق عن جنوبيي الشريط الحدودي الذين وجدوا أنفسهم دائما مضطرين الى البحث المضني عن سبل حياة وهم أيدوا كل الثورات والتيارات والجماعات التي مرّت من هناك واليوم يتمسكون بقوات حفظ السلام كي يبقوا، عبرها، أحياء.
هنا، يتكرر السؤال: أين الدولة؟ ألم يحن الأوان كي تعود؟ لكن سرعان ما نتذكر أن ابن بيروت وكسروان والبقاع والشمال والمتنين والشوف يسأل نفس السؤال: أين الدولة؟
“حزب الله” إستفاد مرات من حماقة الدولة. وهذا طبعا ليس سراً. حاجات الأهالي فوق جعلت اليونيفيل تقرر العام 2007، عبر ريتشارد مورشنسكي وأصله بولوني تأسيس قسم الشؤون المدنية في الجنوب الذي يتشكل اليوم من 21 شخصاً. ومنذ ذاك الحين قسّم اليونيفيل الجنوب الى قسمين: القسم الشرقي من شبعا الى عيترون. والقسم الغربي من عيترون حتى الناقورة. وفي كل قطاع ثكنة لقيادة القطاع ومكتب الشؤون المدنية وهناك مكتب ثالث لتلك الشؤون ما بين القطاعين ومكتب رابع في الناقورة. ومهمة تلك المكاتب أن تكون صورة اليونيفيل أمام المجتمع المحلي وصورة المجتمع المحلي أمام اليونيفيل. وهي التي ساهمت بجرِّ الدولة الى الجنوب وبجرِّ مسؤولين لا يعرفون أبعد من صيدا وبعض صور. وأول رئيس للجمهورية منذ استقلال لبنان زار الشريط كان ميشال سليمان في العام 2009. قبله لم يأت أحد. موازنة الشؤون المحلية في اليونيفيل هي 500 ألف دولار توزعها على 161 قرية وبلدة وفق قواعد أن لا تزيد قيمة المشروع المنوي اعداده عن 25 ألف دولار، وأن ينفذ في خلال ثلاثة أشهر، وأن يستفيد منه أكبر عدد من السكان. وشتان ما بين قواعد اليونيفيل وقواعد الدولة!
الدولة البطيئة
الدولة اللبنانية البطيئة ذهبت الى الشريط متأخرة كثيراً وبات الظهور الشرعي المسلح هناك عبرها. أما “حزب الله” فبدّل قواعد اللعبة المعلنة وألغى كل وجوده العلني المنظور لكنه استمرّ الآمر الناهي في كواليس اللعبة. نجول في كل قرى الشريط فلا نلمح له إلا الصوّر والشعارات. ننظر الى البحر فنجد أن الصيادين ما زالوا يبحثون عن رزقهم في عمق ستة أميال كحد أقصى. علا، زوجة أحد الصيادين تضحك كثيراً حين نسألها عن التحرير. هي شيعية لكنها متأكدة أن ما حصل كان معداً سلفاً. فهي كانت مع خالتها التي تحتاج الى علاج كيميائي في مستشفى “رمبام” في بلاد العدو. وقبل أن يعودا ودعهما الطبيب الفلسطيني قائلا: لن نراكما لاحقا. يتدخل رجل غاضب يسمعها بالقول: الوجود الإسرائيلي قائم على الإعتداء و”حزب الله” هو وحده القادر على إحداث توازن الرعب في المنطقة.
الذكريات حاضرة
مرة جديدة نسأل: أين الدولة البطيئة؟
بلدة القليعة الجميلة ترحب بنا. مرجعيون ترحب بنا. نعبر بلدة الحنيّة. إسم جميل لمنطقة لم يُقدّر لها ان تشعر، ولا يوم، بحنان دولة فشلت في جعلها تطمئن الى حاضر ومستقبل. “هات البنادق حان وقت تسبيحها”. شعارٌ معلّق من قاطع الى قاطع يجعلنا نتأكد أن القرى تستمرّ تحت مشيئة حاملي البنادق.
ثمة أوتيلات وموتيلات فتحت في الأرجاء. نقصد منزل نائب رئيس بلدية ياطر سابقا بو علي سويدان وهو يصرّ أن يعود في كلامه، حين نسأله عما استمرّ حاضراً في ذاكرته من 25 أيار العام 2000، الى إيهود باراك الذي قال “سننسحب بعد سنة من جنوب لبنان”. بو علي أمضى 45 عاما في عمل المقاومة قبل “حزب الله” و1968 و1978 و1982… كان أحد قياديي الجبهة الشعبية وكان قرار كل المقاومين في كل التنظيمات يومها، قبيل تلزيم المقاومة الى جهة واحدة، دحر إسرائيل.
وماذا عن هامش تحرك المقاومة اليوم برأي بو علي؟
يجيب: وضع المقاومة الإسلامية اليوم جيّد، ووجودها غير منفلش، ولن أعطي تفاصيل أكثر. أبو رشيد (إبراهيم كوراني) وهو مسؤول في حركة أمل يُكرر مقولة الإمام موسى الصدر “إسرائيل شرّ مطلق”. لكن ماذا بعد؟ يجيب: واجبنا أن نبقى مستنفرين وتحليلي أن لا حرب قريبة مع إسرائيل لكن الحذر واجب والجهوزية يفترض أن تكون دائمة. لذا نحن موجودون دائما، في جهوزية عالية، على الخط الأزرق لكن من دون أن يكون لنا مراكز معلومة. ويستطرد: مشكلتنا اليوم أنه يوم دخلت اليونيفيل الجنوب عام 1978 كانت إسرائيل تحسب لها ألف حساب لأن أي تجاوز من قبلها كان يصطدم مع القوات الفرنسية والنروجية أما اليوم فلا يهمها إذا قتلت نيبالي أم هندي. يقاطعه بو علي بالقول: في كل مكان يوجد فيه ظلم يفترض أن تكون مقاومة وتاريخ المقاومة بدأ منذ العام 1920. حوارٌ واسع دار بين الرجلين قد يكون لكليهما حق في بعضه لكن، ألا يحق لنا أن نطرح السؤال، ألم يحن وجود دولة تحمي شعبها في كل مكان؟
السؤال عن الدولة بعد عشرين عاماَ على “التحرير” في قرى الشريط كمن يبحث عن إبرة في كومة قش. والجواب الدائم: الطبيعة تأبى الفراغ.
نعود لنسرح بالقرب من بحر الناقورة. هنا، سقط صياد الأسبوع الماضي عن صخرة البياضة ومات. ننظر الى الصخرة البيضاء والصخور المرجانية والبحر الذي يبدو هادئا فندرك صحة القول: خافوا من البحر الهادئ.
السلام
اليونيفيل بالأرقام والجنسيات
تشارك 45 دولة في اليونيفيل من خلال 10 آلاف و180 جندياً لحفظ السلام موزعين على الشكل التالي:
أرمينيا (22 جندياً)، أوروغواي (جنديان)، تركيا (93 جندياً) هولندا (جندي واحد) المجر (4)، قبرص (إثنان)، كرواتيا (واحد)، غواتيمالا (إثنان)، نيبال (870)، تنزانيا (157)، كولومبيا (واحد)، اليونان (139)، مالطا (9)، سيريلانكا (145)، اسبانيا (632)، ماليزيا (828)، غانا (864)، الصين (419)، كمبوديا (184)، ألمانيا (129)، كوريا (283)، سلوفينيا (6)، بروناي (30)، جمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة (3)، كينيا (3)، سيراليون (3)، البرازيل (199)، فيجي (واحد)، كازاخستان (123)، صربيا (178)، قطر (ولا واحد)، إيطاليا (1044)، فرنسا (637)، بيلاروس (5)، بنغلاديش (117)، فنلندا (189)، ايرلندا (352)، بولندا (222)، النمسا (181)، استونيا (واحد)، أندونيسيا (1254)، بيرو (واحد)، الهند (780)، نيجيريا (واحد)، السلفادور (52).