نديم قطيش: حسان دياب ليس مصطفى الكاظمي/يوسف الديني: الدولة ضد الميليشيا.. لماذا يستهدف حزب الله المصارف؟

181

الدولة ضد الميليشيا: لماذا يستهدف «حزب الله» المصارف؟
يوسف الديني/الشرق الأوسط/18 أيار/2020

حسان دياب ليس مصطفى الكاظمي
نديم قطيش/الشرق الأوسط/18 أيار/2020
تحمل تسمية مصطفى الكاظمي رئيساً لحكومة العراق ثم نيله الثقة، بذور تصحيح، ولو هشة، لمسار سياسي عراقي سابق، تميز بفائض الهيمنة الإيرانية على القرار السيادي العراقي. شهد هذا المسار محطات تفلُّت سابقة، مثل حكومة حيدر العبادي، كما شهد إطباقاً إيرانياً هائلاً على القرار السياسي، كتجربة نوري المالكي بعد انتخابات 2009.
يحلو للبعض أن يقارن بين رئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب والكاظمي، باعتبارهما لحظتين في سياق واحد يتعلق بتصويب أو تحجيم النفوذ الإيراني في لبنان والعراق، وهي مقارنة لا يمكن أن تكون أكثر خطأ.
يتحدر الكاظمي من أمكنة خارج ديناميات حزب «الدعوة»، وبقية أحزاب الإسلام السياسي الشيعي الكلاسيكية التي أنتجت كل رؤساء الحكومة العراقية، باستثناء الرئيس إياد علاوي.
الكاظمي من شخصيات ما يعرف بالخط الوطني العراقي، ولو لم يكن من أبرزها، المندفعة نحو بناء عراق مستقل غير معادٍ لإيران، وغير خاضع لسلطانها السياسي. وهو نشط سياسياً في كنف أحمد الجلبي، والشخصية الإشكالية بالنسبة للعراقيين كنعان مكية، ومؤسسة الذاكرة التي يثير عراقيون كثر حولها سيولاً من الأسئلة. وفي موقعه كمدير للمخابرات العراقية العامة، نسج خيوطاً صلبة مع واشنطن والبيئة الاستخباراتية الأميركية والغربية عموماً، ما جعله هدفاً دائماً لانتقادات وحملات الميليشيات التابعة لإيران، لا سيما «كتائب حزب الله».
فقد اتهمته الكتائب بالتورط، من موقعه الأمني، في قضية مقتل قاسم سليماني في بغداد، وعادت وجددت هذا الاتهام له حتى بعد تشكيله الحكومة.
أما برنامجه الداخلي المعلن، فيرتكز على مطالب الانتفاضة العراقية، وأبرزها:
1- التحقيق في مقتل 700 متظاهر عراقي وجرح الآلاف، ومحاسبة المسؤولين.
2- العمل على انتخابات برلمانية مبكرة.
3- مكافحة الفساد.
وهي مطالب ثلاثة لو تحققت، تقع في صلب تفكيك بنية الهيمنة الإيرانية في العراق، القائمة على القمع والهيمنة على القرار السياسي من داخل المؤسسات الدستورية والفساد. إلى هذه المطالب الثلاثة ثمة معركة رابعة بالغة الصعوبة بدأ الكاظمي الاحتكاك بها منذ أيامه الأولى، وهي كيفية تغليب نفوذ الدولة على نفوذ «الحشد الشعبي»، وإخضاع الأخير لها بدل أن يكون ذراعاً مستقلة تتفرع عن جسم الدولة العراقية.
كانت لافتة صورة اجتماعه الأول بفصائل «الحشد الشعبي» التي توزعت عن يمينه ويساره، وفق خطوط الانقسام داخل بنية «الحشد»، فجلست المجموعات الموالية للمرجع السيد علي السيستاني إلى يساره، وجلست الفصائل الأخرى، وعلى رأسها «حزب الله العراق» والتي تقلد المرشد الإيراني علي خامنئي، إلى يمينه، كأن الكاظمي هو نقطة الالتقاء الصعبة بين الطرفين.
كل هذه الإشارات الرمزية والسياسية صحيحة؛ لكن من المفيد التعامل بحذر شديد مع ما يمكن للكاظمي تحقيقه. فإيران تدرك كل ما سلف، وهي تعلم بدقائق المفاوضات التي أوصلت إلى تسميته ومنحه الثقة، وتعرف أن فشلها في فض اشتباكات حلفائها ضمن البيت الشيعي الواحد، بعد غياب الناظم السياسي الجنرال سليماني، أفضى إلى الحكومة الراهنة؛ لكنها في الوقت نفسه، تمون على القوى السياسية الأكثر فاعلية في العراق الذي تتصدر حياته السياسية ميليشيات تابعة لإيران وليست أحزاباً سياسية، ما عدا الحالة المرتبكة والشديدة التناقض التي يمثلها السيد مقتدى الصدر.
أما الرئيس حسان دياب في لبنان، فهو يرأس حكومة شكَّلتها بالكامل القوى الحليفة لـ«حزب الله»، ومنحتها الثقة من دون أي مشاركة من الأحزاب المختلفة مع إيران. وقد تبنت الحكومة سردية «حزب الله» وحلفائه عن أسباب الانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي الذي يعانيه لبنان، عبر تحميل مسؤولية الأزمة للحريرية السياسية، ومن دون أي إشارة لمسؤولية «حزب الله» وحلفائه عن ضرب البيئة الحاضنة لاقتصاد قابل للنمو، ومسؤولية حلفاء «حزب الله»؛ لا سيما تيار رئيس الجمهورية، عن مفاقمة الديْن العام بسبب الفشل المتنامي في إدارة وتطوير قطاع الكهرباء المسؤول عن نحو نصف الديْن العام اللبناني.
كما أن الفوارق الموضوعية بين العراق ولبنان لا تسمح بمثل هذه المقارنة. فلا يوجد في لبنان قوة حقيقية توازن الحضور الإيراني فيه، كما هي حال الولايات المتحدة في العراق. فلبنان محتل سياسياً من إيران، وميدانياً عبر ميليشيا «حزب الله»، مع مقدار متذبذب من القدرة الأميركية على إحداث بعض التوازن الذي يمنع الابتلاع الكامل للبلد، وهو أمر لا تريده إيران أصلاً.
كما أن العنصر الشيعي في لبنان عنصر متماسك بالكامل حول الدور الإيراني، مع حالة نخبوية شيعية رافضة للهيمنة الإيرانية، ولكن غير معروفة الحجم، ومعدومة القدرة على التحول إلى قوة سياسية في أي أفق منظور. في المقابل، فالساحة الشيعية العراقية شديدة السيولة والتنوع والتعدد، إن كان داخل منظومة الأحزاب الرئيسية أو في قلب المجتمع المدني العراقي، الذي ظهرت ملامحه في مرحلة المظاهرات عبر نقابتي المحامين والأطباء أو اللجان الحقوقية، بالإضافة لوجوه الوسطين الثقافي والفني.
في العراق وعبر الكاظمي، قدَّمت إيران بلا شك خطوة تراجع، ولكنها خطوة تكتيكية، تمتلك للضغط عليها كثيراً من الأدوات ومصادر النفوذ السياسي والشارعي، إذا ما أحست أنها تواجه تحدياً جدياً في الأساسيات. في لبنان لا يمكن إدراج حسان دياب في خانة مماثلة، فالهيمنة الإيرانية مكتملة النصاب تقريباً، ما يجعل كسرها واجباً بخطوة أكبر من حسان دياب.
وإذا كان لا بد من المقارنة، فإن شخصية كالقاضي الأممي الحالي والسفير الأممي السابق الدكتور نواف سلام هو كاظمي لبنان، بمعنى أنه يحمل إمكانية تصحيح فعلية لمسار الهيمنة الإيرانية، وإن كنت أميل إلى أن فرص نجاح الرجلين محدودة.
فإيران ليست في مزاج تراجعي، وإن قدمت تنازلات موضعية تكتيكية هنا وهناك؛ لأنها تعرف أن حصانتها مرهونة بمتابعة نهج الهيمنة في العراق ولبنان وسوريا، على الرغم مما تواجهه في كل هذه الساحات من تحديات قاسية.
الحل للمسألة الإيرانية يقع في إيران وليس خارجها. من هنا يتمحور الموقف الصحيح لـ«حكومات تأديب إيران» العربية، حول دعم السياسات الدولية عامة، والأميركية خاصة، لمزيد من محاصرة إيران وإنهاكها في الداخل الإيراني قبل الخارج.
أي مكسب إضافي كمثل حكومة في العراق أو لبنان تكون أقل توجهاً إلى إيران، هو مكسب يستوجب الترحيب والدعم من دون فائض الرهان عليه.

الدولة ضد الميليشيا: لماذا يستهدف «حزب الله» المصارف؟
يوسف الديني/الشرق الأوسط/18 أيار/2020
أثبتت الأيام التعقيد الكبير لواقعنا السياسي كلما ابتعدنا عن صخب الربيع العربي إلى واقعية حجم الدمار الذي خلفه في البلدان العربية التي استهدفها، والتي انتقلت في معظمها من حالة «الدولة» إلى أحد مخلفات غياب الدولة وتهشمها: الفوضى، والميليشيات، والإرهاب، والفراغ السياسي الكبير، وترهل الأحزاب السياسية وتراجع اقتصادات النماء إلى حالة تقشف عامة، مع بقاء الملفات العالقة، وأهمها الأزمة السورية التي تحولت إلى نقطة استقطاب للصراع العالمي على المنطقة.
لم يكن تصنيف «حزب الله» كمنظمة إرهابية من قبل ألمانيا والذي جاء متأخراً إلا مجرد الحجر الذي حرّك المياه الراكدة تجاه مسألة أعمق وأكبر تتمثل في قدرة الميليشيات المسلحة في النجاة من انكسارات ما بعد «كورونا». صحيح جداً أن أجواء ومناخات الأزمات تعد الأمثل للميليشيات في استغلال قلق الناس وخوفهم بهدف السيطرة، إلا أن ذلك يتطلب خلعاً لرداء التلبّس بالدولة داخل الدولة وإعلان التحول إلى ميليشيا محضة أشبه بالعصابات الصريحة في أعمال النهب والترويع، وهو ما يتجه إليه الحزب بعد عودة المتظاهرين في لبنان إلى الشوارع رغم أزمة «كورونا» لتبدأ معركة أخرى تتمثل في «اقتصادات» الميليشيا والحرب المالية بين الحزب ومصارف لبنان بعد أن أعلنت الحكومة الموالية لـ«حزب الله» في 30 أبريل (نيسان) أنها ستسعى للحصول على مليارات الدولارات من «صندوق النقد الدولي» كجزء من «خطة إنقاذ» اقتصادية.
هذه الرغبة من الحكومة رافقتها محاولات حثيثة من ميليشيا «حزب الله» لفرض كامل سيطرته على فتات العملة الصعبة في لبنان ونهب ثروات البلاد للحفاظ على منسوب الاقتصاد الموازي الذي يغذي شريان حالة «اللادولة» التي تعتمد عليها الميليشيات في عملها كما هو الحال لـ«حزب الله» والحوثيين في اليمن وغيرهم وبشكل يتداخل مع السلطة أكثر من المنظمات الإرهابية الأخرى التي تشتغل بشكل كامل بأسلوب العصابات والإتاوات والنهب.
كل الإجراءات التي تقوم بها الحكومة لمحاولة إنقاذ العملة في لبنان لم تسهم في وقف هبوطها السريع، حيث بلغت أرقام الصرف الثابت للدولار مستويات غير مسبوقة منذ عقود مما حدا إلى استهداف مكاتب الصرافة واعتقال مجموعة من الصرّافين بعد اكتشاف عمليات تلاعب بحسب ما أعلنته وكالة «رويترز».
الأزمة المالية في لبنان هي جزء من أزمة سياسية أكبر لكرة الفساد الملتهبة التي تسبب فيها ذلك التداخل بين مفهوم الدولة والسلطة وبين تلبّس الميليشيا بالسلطة بينما تعمل على تعزيز مفهوم «الدولة داخل الدولة» واقتصادات شبه مستقلة ومؤسسات خاصة مما شكل مع تراجع الاقتصادات في العالم بسبب «كورونا» إلى لحظة الصدام المتوقعة، وإن حاول الحزب تلافيها من خلال تعيين حلفائه في مناصب مالية مرموقة بهدف تعزيز موقعه المالي داخل لبنان.
تحرّكات ميليشيا «حزب الله» المالية ليست اليوم سوى مقدمة لحرب مالية ضروس؛ حرب وجود تهدف إلى استبدال النظام المالي والمصرفي المتهالك من خلال مؤسساته ونظام الميليشيا بهدف أن تنعكس تلك العملية المستحيلة على تعزيز قوته النقدية والتأثير على السيطرة السياسية لاحقاً لعلاج انكساراته في الشارع وتراجع شعبيته حتى داخل مواطن نفوذه سابقاً أو المجتمعات المتعاطفة مع شعارات المقاومة والتحرير والتي وإن انكشفت لا يزال خطاب «حزب الله» ينوّع في خطابه الجديد، وهجومه على المصارف على طريقة «روبن هود» لم يحظ بالنقد الداخلي الحقيقي وفضح مخططه لتدمير ما تبقى من الدولة اللبنانية المتمثل في المصارف التي لا تؤثر على العملة فحسب، بل تملك أصولاً ضخمة استثمارية، ومهما كان التصنيف الدولي أو العقوبات تجاه الحزب وممارساته الداعمة للتطرف والإرهاب مؤثرة فإن بقاء حيويته المالية وقدرته في الداخل على التلبّس بمفهوم الدولة والسلطة ستظل الأزمة تراوح مكانها في ظل غضب المتظاهرين وثورة الشارع التي هي الأخرى مسألة وجودية بالمثل.
حرب المصارف الأخيرة أثبتت سيطرة الحزب على مفاصل الدولة في لبنان، وأنها لا تقف عند حدودها السياسية، بل تعدت ذلك إلى تحوله إلى قوة اقتصادية ضاربة، لا سيما مع فترة الكساد التي تمر بها الدولة وتفسّخ التحالفات السياسية، وتحولها إلى كتل متنافرة غير قادرة على الوصول إلى حل سياسي، وبحسب التقارير الاقتصادية، يعد الحزب أكبر مشغّل في لبنان بعد الدولة.
ما يحدث في لبنان من قبل ميليشيا «حزب الله» ليس إلا صورة مصغرة لمنطقة الشرق الأوسط في صراع مفهوم الدولة ضد مفاهيم الانشقاق والتطرف والولاءات العابرة للأوطان، وهي نماذج متكررة في جوهرها وإن اختلفت في طرائق عملها سواء في التشكلات الشيعية أو السنية للإسلام السياسي المناهض لفكرة الدولة، هذا الصراع على الاستقرار وإعادة منطق الدولة نابع من أزمة مفاهيم في الفلسفة السياسية يمكن وصفها بأزمة تحديد المجال السياسي وفصله عن باقي سياقاته الفكرية والدينية والاجتماعية… مشكلة لا تزال عالقة منذ بدايات الدولة في التاريخ الإسلامي، والتحول من تجربة الجماعة المؤمنة إلى القومية الدينية، ثم وضعية الخلافة وسقوطها لاحقاً، الذي تم تجاوزه في الواقع، لكنه لم يُتجاوز على مستوى الأفكار السياسية داخل الفكر الإسلامي الشيعي، الذي لا يزال عالقاً في تفاصيل الإمامة وغارقاً لاحقاً في نظرية ولاية الفقيه، التي لا يمكن حدوث أي فصل مزعوم بين الديني والآيديولوجي والسياسي من دون تجاوزها، واعتبارها عائقاً عن الاندماج في النسيج السياسي الوطني.
على مستوى الدول التي يهمها استقرار لبنان وأمنه، وفي مقدمتها المملكة ودول الخليج، فإن الإصرار على تأكيد ضرورة عودة لبنان لمفهوم الدولة ومنطقها، واضح عبر بذل كل الجهود السياسية والدبلوماسية، لتفعيل ذلك وفق العقلانية السياسية ورفع مبدأ عدم التدخل السيادي الذي تحرص عليه دول الاعتدال.
من المهم جداً على دول الاعتدال في المنطقة الضغط على المجتمع الدولي والدول المؤثرة في لبنان لإحداث ثقب أمل في جدار الانسداد السياسي في لبنان، لأن بقاء حالة الانسداد منذ انكسارات الربيع العربي في المنطقة ساهم في خلق واقع متردٍ، إضافة إلى احتجاجات الشارع المبررة التي لا أحد يضمن انتقالها إلى الفوضوية المطلقة، لكن الأكيد أن حالة الانسداد ساهمت للأسف في ولادة طبقة جديدة من تجار الأزمات وحالة اللااستقرار، من الذين ترتفع حناجرهم الآن يضغطون على دول الخليج المستقرة بقيادة السوق السوداء للتضليل الإعلامي التي تقوده «الجزيرة» وأخواتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي بخطاب شعاراتي واستثمار في شيء واحد هو تقويض وهدم منطق الدولة، وتقويض فضيلة الاستقرار لا غير.