الكولونيل شربل بركات/نصرالله والحرب الجديدة

1234

نصرالله والحرب الجديدة
الكولونيل شربل بركات/18 أيار/2020

في خطابه الأخير حاول السيد نصرالله مواجهة الأزمة التي يساهم فيها حزبه والعقوبات المفروضة عليه من جهة، وتحايله على اللبنانيين ليضمن سيطرته وحلفائه المفترضين على اللعبة البرلمانية من جهة أخرى.

فقد كان هذا الحزب فرض رئيس الجمهورية وبعدها، بواسطة قانون الانتخاب الذي فصله على قياسه، فرض أيضا الأكثرية النيابية. ما جعله يسيطر على اللعبة الديمقراطية في البلد. ثم بدأ بمشروع التخلص من العقوبات المفروضة عليه، وذلك من خلال السيطرة على المصارف المرتبطة بالمنظومة المالية العالمية.

يرى المراقبون بوضوح كيف بدأ كل شيء بدفع حزب الله جماعته للتظاهر أمام البنك المركزي. ولكن الشعب كان له بالمرصاد فانطلقت ثورة تشرين التي حاولت الاضاءة على منظومة الفساد كلها واعتبرته جزء منها (كلن يعني كلن).

فقام جماعته بالتصدي لهذ الثورة ومحاولة تنفيسها، ومن ثم اعادة توجيهها باتجاه الهدف الأساسي للحزب وهو المنظومة المالية.

وبعد التفافه على الثورة الشعبية عاد إلى محاربة المنظومة المالية على جبهتين متوازيتين؛ الأولى بتعين حكومة طيّعة تماشي خططه، والثانية بافقار اللبنانيين بقدر المستطاع لدفعهم باتجاه المصارف التي تشكل ضمانتهم وعامل استقرارهم.

كان مشروعه الأساسي سحب كل ما استطاع من العملات الأجنبية من البنوك لصالح أيران والنظام السوري المتأثرين بالعقوبات الدولية، ومن ثم فقدانها من الأسواق لدفع الأزمة إلى التفاقم.

ولكن المنظومة المصرفية استطاعت التحايل عليه بوقف السحوبات الكبيرة لتأمين السيطرة على السوق السوداء ومنعه من اسقاط النظام المالي. وكان رد حزب الله، وبواسطة حكومته الدمية، محاولة النيل من سمعة البنوك وتهديد المسؤولين عن المنظومة المالية بالمحاكمات، وبالتالي تحويل نقمة الشعب عليهم.

وقد استطاع بهذا التكتيك أن يكسب جولة من حربه ضد النظام المالي متحايلا على اليسار الذي شكل جزءا مهما من الثورة مستعملا الكره التاريخي للنظام الليبرالي المتجذر فيه.

ولكنه لم يقدر على اسقاط المنظومة المالية كليا كون المصارف اللبنانية لا تزال تحتفظ بقدر كبير من ودائعها في الخارج، وهي بذلك قادرة على المواجهة. من هنا التوجه نحو المضاربة بالعملات ودفع جماعته لاسقاط الليرة وافلاس الدولة بسحب أكبر كمية من السلع المدعومة من السوق وبيعها لسوريا عبر معابر التهريب. وبذلك يقضي كليا على النظام المالي ويؤمن السيولة الكافية للتحكم بالدولة بعد سقوطه.

حزب الله الذي يغامر على كل هذه الصعد لن يوقفه شيء عن المضي في تنفيذ أوامر طهران التي تسعى إلى القبض على الاقتصاد اللبناني للنفاذ من العقوبات. أو في أقصى الحالات توسيع منظومتها المالية بالانفتاح على لبنان وضمه إلى مجموعة الدول التي تدخل ضمن برامج المعاقبة، حيث يشعر الإيرانيون بأنهم ليسوا مستفردين بهذه العقوبات، وبأن المشكلة ليست مع نظام الملالي وحده، بل هناك تكتل دولي يواجه تكتلا آخر.

ولكن عيون المواطنين اللبنانيين المفتوحة والتوّاقة إلى الحرية لم تدّجن بعد كما غيرها من الخاضعين للهيمنة الإيرانية. ومن هنا العقبات التي تبرز بين الحين والآخر لتعرقل مخططات حزب الله وأسياده.

ويتساءل البعض بأنه إذا تطور الوضع وضاق الخناق على الحزب ومشاريعه فور تحرر اللبنانيين من الحجر بسبب الكورونا وعادت الحياة إلى مجاريها، فهل تقوم ثورة جديدة ترفع قبضته التي أرهقت البلاد؟ أم أنه لا يزال قادرا على المناورة وفرض الأمر الواقع؟ وما هي البدائل الممكنة لتحسين صورته عند اللبنانيين؟

سنة 2005 عندما انتفض اللبنانيون بوجهه يوم قام بمظاهرة رياض الصلح لشكر سوريا، وأنزلوا مليون ونصف مليون مواطن تظاهروا ضده وضد أسياده وطالبوا بالسيادة الكاملة. لم يعد بيده شيء سوى اللجوء إلى “العدو” لمساندته في محنته. فقام بمغامرة 2006 التي خرج منها بالنصر “الالهي” واستعان بأموال قطر، التي زار رئيس وزرائها لبنان يومها عن طريق مطار “بن غوريون”، لأن مطار بيروت كان مغلقا. ومن ثم تدفقت المساعدات لاعادة تعمير لبنان والتي تقاسمها مع الفاسدين، بالطبع، الذين احتجبوا خلف لازمة “التكاتف ضد العدو”.

ولم يقبلوا بحلول الأمم المتحدة لتطبيق القرارات الدولية وتخليص لبنان نهائيا من هذا الحزب وسلاحه. وما كان منه، وفور انتهائه من ضبضبة مصائبه، إلا أن قام بفرض واقع جديد قضى على نتائج اللعبة البرلمانية وثورة الأرز. فأكمل اغتيال قادتها. وأغلق الوسط التجاري مدة سنتين، قام بعدها بعملية أيار “المجيدة” وسيطر على الحكم بواسطة “جماعة القمصان السود”. ثم جاء برئيس كان قدم أوراق اعتماده مسبقا، بعدم مساندة الجيش للحكومة، وترك “قوة السلاح الغير الشرعي” تسيطر على الحكم وبالتالي على البلاد.

اليوم وفي ظل الحراك الشعبي الذي يهدد بثورة الجياع، بسبب لقمة العيش المصادرة من قبل الاعيب الحزب ومشاريعه. هل يقوم الحزب بمناورة جديدة؟ وما هي فرصه الحالية؟

فهو يسيطر على الحكم من رئيس الجمهورية إلى الحكومة، وعلى مجلس النواب. وها هو يفرط المنظومة المالية. ويمنع أيضا كل اشكال الانتاج. حتى لا يعود هناك من يستطيع أن يكفي بيته، عدى عن جماعته الذين لا يزالون يقبضون بالدولار.

وقد سبق ووضع المستشفيات في خانة الافلاس. وأتبعها بالمدارس الخاصة، وهي من مظاهر لبنان المستقل والقادر على الاستمرار في زمن البؤس والشح الذي فرضته السياسة الإيرانية على دول المنطقة وشعوبها.

فهل هو بحاجة إلى المزيد من العروض الفوقية؟ أو هل أنه أمن السيطرة على الأوضاع وبات ينتظر الخضوع التام لمشيئته؟

اذا ما نظرنا إلى الأجواء السياسية والعسكرية المحيطة والتي لا تشير بالاستقرار بعد، يمكن التنبؤ بمستقبل التحركات في لبنان. فحزب الله، كما قالها السيد حسن سابقا، غير معني بالتفكير كونه يتلقى الأوامر من “الولي الفقيه” وبالطبع سلسلة القادة التي تليه. من هنا فإن تصرفاته ليست مبنية على حاجات الأرض ولا تتأثر بآلام اللبنانيين أو أوجاعهم، ولكنها تتبع لمشاريع خارجية مرتبطة بمصالح إيران في المنطقة.

ومن هنا وبعد سيطرته شبه الكاملة على الأرض في لبنان، تحرر حزب الله أكثر لأي عمل عدائي يطلب منه. وفي المقابل تبدو الساحة السورية مفتوحة للتطور في المرحلة المقبلة نحو الحلول الدولية والتي سيسبقها بالطبع تغييرات على الأرض.

أما في اسرائيل التي انشغلت كثيرا بموضوع الانتخابات وتأليف الحكومة، فها هي حكومة الوحدة الوطنية الجديدة تقسم اليمين في السابع عشر من أيار الحالي. ولا تبدو الغيوم تتلبد في الأفق، بالرغم من بعض التصريحات التي قام بها وزير الدفاع السابق والتي تدور حول اخراج إيران كليا من سوريا.

فهل حان الوقت فعلا لخروج إيران من اللعبة السورية؟ وماذا سيكون الثمن؟ وهل من الممكن، وفي ظل الضغوط الحالية والضياع في الرؤية الذي سببه موضوع الكورونا عالميا، التكهن باي سيناريو مستقبلي؟

وماذا عن تأثير الانتخابات الأميركية على الوضع العام؟ وهل تقوم إيران بعملية ما للتقليل من حظوظ الرئيس ترامب بالفوز في ولاية جديدة في تشرين، مهما كانت النتائج، كونها ستعطي لخصومه مجالات كبيرة لانتقاد تصرفات الولايات المتحدة وحلفائها؟

المهم في الموضوع أن حزب الله قد تحرر من اية قيود لبنانية لخوض غمار أي مغامرة أو أوامر تعطى له من قبل اللاعب الأقليمي الإيراني. ولم يعد بحاجة لتقديم أي تفسيرات حول انغماسه في اعمال عسكرية. فالدولة اللبنانية برمتها أصبحت تحت سيطرته، وكل الاحتمالات واردة. يبقى أنه، وبعد سيطرته الكاملة على الأرض والحكم لماذا يهدم كل شيء من خلال مغامرة عسكرية قد يقدم عليها يمكن أن تكلفه كل المنجزات؟

هذا سؤال بديهي إذا كان حزب الله حزبا لبنانيا يسعى لتحسين صورته أمام المواطنين اللبنانيين، ولكن الواقع ليس كذلك. فهو مجموعة مسلحة مؤلفة من مرتزقة لبنانيين لا يهمهم سوى تنفيذ أوامر حكم الملالي في ايران اينما طلبوا وساعة صدرت الأوامر بذلك. لذا ومهما تكلف لبنان من خسائر فهذه لن تأخذ بعين الاعتبار. فليبعد الله عن لبنان وشعبه هذه الكأس الجديدة…