الكولونيل شربل بركات/انطانس صقر أو أبو صقر من رجالات عين ابل الذين استبسلوا في الدفاع عنها في الخامس من أيار 1920

300

انطانس صقر أو أبو صقر من رجالات عين ابل الذين استبسلوا في الدفاع عنها في الخامس من أيار 1920

الكولونيل شربل بركات/14 أيار/2020

أبو صقر كما كان معروفا في عين إبل هو من الرعيل الذي دافع عن البلدة يوم الخامس من ايار 1920 وكان يومها ابن 20 سنة. فقد ولد سنة 1900 وهو ابن حنا بن يوسف بن الياس بن يوسف بن بطرس صقر الذي كان قدم إلى عين إبل من بلاد جبيل في بداية القرن الثامن عشر.

كان انطانس قد تعلم في مدرسة عين إبل ومن ثم تابع تعليمه في مدرسة تعنايل للآباء اليسوعيين. وفي بداية الحرب العالمية الأولى أضطر كباقي رفاقه للعودة إلى البلدة بسبب مضايقة الأتراك واغلاقهم للمدرسة. وكان والده مطلوبا للخدمة الاجبارية ما اضطره إلى التخفي كلما قدم العسكر التركي للقبض على الفرار وسوقهم إلى الخدمة. وكان شقيقه قيصر الذي يكبره بسنتين تقريبا قد بلغ سن الخدمة ايضا في 1916 ما دفعه إلى الهرب مع والده ايضا لتجنب الامساك به من قبل الاتراك.

بعد اندحار الجيش التركي وقبوله بوقف النار سنة 1918 كان الشقيقان قد اصبحا من عداد شبيبة القرية المنظورين. وقد تطوعا كما الرفاق للدفاع عن البلدة عندما بدأت المناوشات وتدربا على حمل السلاح وشاركا في رد هجمة صادق حمزة يوم جاء لفرض الخوة على عين إبل كغيرها من القرى التي لم تقبل أن تنضوي تحت لواء العصابات.

في اثناء الهجوم على البلدة كان انطانس في إحدى جهاتها يدافع مع الشبيبة. وقد أصيب برصاصة في منطقة ضهر العاصي ونقل إلى علية بيت شباط الذي كان يعتبر أحد المراكز المهمة وذلك لتقبل العلاج. ولكنه غاب عن الوعي بسبب نزفه المتواصل (وقد سجل هذه التفاصيل لاحقا في مذكراته) وفيما بعد وعند حلول الظلام واخلاء العلية كان قد وضع في القبو مع رجل ضرير وامراة لم يستطيعا الهرب. وقد اعتنيا به بينما كانت أصوات الغزاة المتلهين بالسرقة والحرق تعلوا في الخارج. افاق مطانس واستفهم ممن معه عن الوضع وكان جرحه مربوطا فتحسسه وسال عن سلاحه. فقالت له المرأة بأنها وضعته بجانبها للدفاع إذا ما وصل أحدهم إليهم. فقرر أنه علهم محاولة الهرب كونه سيصل من يفتح عليهم الباب عاجلا أم آجلا وهم لا بد مقتولين فلما لا يخاطرون. فقال الضرير بأنه شبع من الحياة وسوف ينتظر الموت كما يقدر له الله. وأصرت المرأة على البقاء معه. ولكنهما نصحاه بمحاولة الهرب إذا كان هذا ما يريده. فقام واتكأ على سلاحه وخرج من القبو وتوجه باتجاه الغرب. وعندما وصل إلى مسافة مقبولة صوّب ناره إلى أحدهم، وكان يحمل بعض الأغراض من الطابق العلوي، فسقط وما معه بين النار المشتعلة في الدار صارخا صراخا شديدا، ما جعل رفاقه ينادون على بعضهم من شدة الهلع “اهربوا… أهربوا رجعت النصارى”. وهكذا استطاع اكمال طريقه باتجاه البخينق ومن ثم دار صوب الجنوب ليصل إلى فلسطين ويلحق بالمهجرين من ابناء البلدة.

بقي انطانس بعد أن وجد شقيقه قيصر وبقية اخوتهم الصغار بعناية المضيفين مدة إلى أن التأم جرحه. وكان قد مر عليهم أكثر من اسبوعين بدون أن يعرفوا مصير والدتهم. فقرر وشقيقه العودة إلى القرية في بداية شهر حزيران. ووصلا إلى “حامل بو” في منطقة “الضهور” حيث لاحظا مركزا لمسلحين عليه العلم الفرنسي باتجاه “درب السوق”. فتقدما وعرّفا عن نفسيهما وسألا العناصر عن امكانية التوجه إلى البلدة. فقيل لهما بأنها لا تزال فارغة ولكن النهب توقف منذ وصولهم أي منذ بضعة ايام. وسمحا لهما ان يتفقداها للتفتيش عن مصير والدتهما. وعندما دخلا بين البيوت المهدمة كانت روائح الجثث المتحللة والتي لم تدفن بعد وهي مبعثرة في كافة الجوانب لا تزال تملأ الأجواء. وبعد نزولهما صوب الكنيسة وجدا بقايا جثة

والدتهما أمام النزل. فبكياها وقاما بجمع ما استطاعوا ودفنها في المقبرة. ولم يتمكنا من البقاء طويلا بين بقايا البيوت والتي تنبعث منها تلك الروائح النتنة. وعادا باتجاه رميش فلم يجدا من يزودهما بماء للشرب فالقرية كانت لا تزال خالية من الأهالي.

كان هذا ما كتبه أبو صقر في مذكراته لاحقا وقد اعتاد فيما بعد على تدوين يومياته بشكل مستمر فكان يسجل كل أحداث النهار مما يسمعه على الراديو أو يقرأه في الصحف إلى أخبار القرية والأمور التي يقوم بها شخصيا في أعماله وعلاقاته الاجتماعية وكان يذكر ايضا حالة الطقس. وكنت أحب أن أزوره في ايامه الأخيرة في عين إبل فيقص علي بعض الأحداث ويقرأ لي ما كان دونه في هذه المفكرة التي كان بدأها في العشرينات وبقي يخطها إلى سنة 1975 ما يشكل ذاكرة مهمة لعين إبل.

تزوج انطانس من مريم عطالله دياب التي كانت فقدت والدها وشقيقها أيضا في أحداث 1920 ومارس مهنة التعليم وبعد عدة سنوات بدأت عائلته تكبر ما دفعه إلى قبول تعيينه معلما عند اليسوعيين في مدرسة القريّة في جبل الدروز. فانتقل إليها وسكن هناك وكان الزعيم الدرزي سلطان باشا الأطرش الذي قاد ثورة 1925 ضد الفرنسيين يسكن نفس البلدة. وقد تعرّف على أبو صقر فأصبحا من أعز الأصدقاء وبقي أبو صقر في القريّة من 1927 إلى 1957 وكانت عائلته انتقلت إلى دمشق لحاجة الكبار من الأولاد لمتابعة دراساتهم وبقي هو في القريّة إلى أن بلغ سن التقاعد حيث عاد ليستقر في البيت الذي بناه له والده في عين إبل بلدته التي أحبها من الأموال التي كان يرسلها له لهذه الغاية. وكان يمضي والعائلة الصيف فيه كل سنة.

لم تقف المآسي في حياة ابو صقر وزوجته عند فقدان الأهل في حادثة سنة العشرين. ولكنه وبالرغم من وضعه الاجتماعي ووظيفته التي حسده عليها الكثيرون خسر نصف أولاده من جراء الأمراض وعدم وجود العناية الطبية اللازمة. فقد توفي جورج الذي كان ولد في 1927 وهو بعمر سنتين ثم وبعد ثلاثة اشهر فقط فقد أبو صقر بكر ابنائه صقر وهو بعمر السبع سنوات وكان صقر ولد في 1922 وتوفي في تشرين الثاني من سنة 1929 ثم فقد ابنته الصغرى عايدة سنة 1945 ولم تبلغ الست سنوات. ولم يكتف الموت بكل تلك التقادم ولكنه عاد في 1953 ليقطف ولده الخامس الشاب نقولا وهو في سن 29. من هنا نفهم اشارات الحزن البادية على وجه هذا الرجل الذي تحمّل الكثير خلال صراعه مع الحياة ولم يسقط تحت ضرباتها المتتالية ولكنه بقي، وبعد تقاعده، يجلس على الفيرندا مطالعا جريدته ومدونا مفكراته اليومية ومستقبلا بعض الضيوف والاصدقاء. وكان يحب أن يمضي الكثير من وقته معتنيا بالزهور في حديقته أمام تلك الفيرندا التي كان استقدم أعمدتها المنحوتة من جزين على ضهر الجمال ليكمل تجميل بيته الذي كان من البيوت القليلة المسقوفة بالباطون يومها. ولكنه وكبيوت كل المزارعين المنغرسين في الأرض يحوي أمكنة لحفظ المؤن والحطب وبقربه بنى ابو صقر غرفة خاصة لحماره الذي ينقله للحقل كل صباح مع عدة العمل حيث كان يمضي الكثير من الوقت متابعا حقوله معتنيا بالأشجار مستعملا الوسائل الحديثة لتحسين انتاجه ومبتعدا عن ضجيج العالم والمشاكل الصغرى فيه.

وقد سافر ابنه رزقالله إلى الخليج وكان يزور عين إبل ايام الصيف حيث لا تزال حية تلك الصور التي تجمعنا بابنه نقولا. أما جوريف فقد بقي في دمشق حيث التحق بالكلية الحربية ومن ثم خدم كضابك في الجيش السوري حتى سنة 1966 حيث احيل على التقاعد وعاد إلى عين إبل وتعرفنا على أولاده وخاصة ابنه عصام. وقد لحق الصغير فيليكس (عصام)، كرفاقه العينبليين، رزقه إلى الكويت حيث بقي يزور البلدة والأهل في كل صيف.

وفي الذكرة المئة لأحداث عين إبل كان لا بد لنا من الاضاءة على بعض من ساهم في الدفاع عن البلدة ومنهم أبو صقر الذي قاوم وجرح وتقبّل الخسارة ولم ينطوي على ذاته ولا صرعه الحزن أو فقدان الأحبة بل عاود الانطلاق في كل مرة مجددا العزم على الاستمرار في تحمل أعباء الحياة ومشاكلها راسما طرقا جديدة وآمالا تعيد الاندفاع وتسهم في التقدم لقرية صمدت في بلاد البشارة هذه بالرغم من القلة والصعاب وستستمر رافعة مشعل التعاون والعمل ليعم الخير والبحبوحة بسواعد بنيها وأساساتها الصلبة المرتكزة على جهد الآباء وتفاني الأجداد.