نديم قطيش/سليم الحصّ التايواني

52

سليم الحصّ “التايواني”
نديم قطيش/موقع أساس ميديا/21 نيسان/2020

اختار رئيس الحكومة حسان دياب اللحظة التي ستختصر المعنى العميق لحكومته، باكراً، حين قرّر زيارة الرئيس الأسبق سليم الحص، قبل التوجّه الي اللبنانيين بكلمة متلفزة عن واقعهم الاقتصادي ورؤيته للحل.
المقارنة السريعة تستدعي تجربة الرئيس الحصّ عام 1998، إبان صعود بشار الأسد في سوريا متسلّماً “الملف اللبناني” ووصول قائد الجيش الأسبق إميل لحود إلى سدّة الرئاسة اللبنانية. وخلاصة هذه التجربة، التي لعب فيها اللواء جميل السيد دوراً، يشبه الكثير من ملامح دوره مع حسان دياب، تتمحور حول الصراع بين الرئيس الشهيد الحريري ودمشق. صراع كان الحريري مندفعاً نحوه بطموحاته اللبنانية الخاصّة، كما بطموحات الراحل عبد الحليم خدام وتصوّراته حول صرف الرصيد السنّي للحريري في لعبة الداخل السوري. ولا أعرف إن كان سيأتي يوم لتُروى فصول هذه المغامرة المجنونة التي انتهت، لهذه الأسباب ولأسباب أخرى، باغتيال الحريري في 14 شباط 2005.
استدعاء لحظة 1998 من الرصيد الطويل للرئيس الحصّ، ومماثلتها مع لحظة حسان دياب الراهنة، أمر مفهومٌ في سياق وجود الرئيس سعد الحريري خارج الحكم، وترنّح الحريرية برمّتها، مشروعاً وزعامة.
بيد أنّ زيارة عائشة بكار، تتجاوز التشبيهات السريعة مع الفصل الأحدث في تجربة الحصّ، لما تحمله من رمزية أغنى في السياق العريض لسيرة الزعامة السنية في لبنان وأزماتها.
كما الحصّ في ختام حرب السنتنين (1975-1976)، وُلد دياب من رحم أزمة هائلة، وفي الولادتين، جاء الرجلان من خارج نادي الزعامات السنية التقليدية، بأولية إعمارية في حالة الحصّ، وعلاجية اقتصادية في حالة دياب، وبلا أيّ ملمح سياسي للرجلين على الرغم من عمق وخطورة الأزمات السياسية التي ولدا في خضمها.
فالسياسة تُركت في زمن الحصّ لقوات الردع العربية السورية، بعدما دخلت لبنان في ختام حرب السنتين، ولقادة الميليشيات من طرفي الحرب آنذاك، الحركة الوطنية ومنظمة التحرير من جهة، وميليشيات الجبهة اللبنانية من جهة ثانية. ومن علامات تجربة الحصّ – سركيس المنزوعة السياسة، أنّ أوّل مرسوم اشتراعي للحكومة كان فرض الرقابة المسبقة على الصحف اللبنانية بعد احتلال قوات الردع السورية لمقرّات عدد من الصحف الرئيسية وتدمير بعض مكاتبها ومحتوياتها.
وها هي السياسة في زمن دياب متروكة للسقف الذي يحدّده حزب الله، مهما حاول الحزب الإيراني أن ينتحل صفة قلّة الحيلة وضعف الوصاية على خيارات اتُّخذت وستُّتخذ.
التجربتان بهذا المعنى لحظتان متشابهتان في سيرة أزمة الزعامة السياسية السنية في حقباتها المختلفة، وهما تعبيران عن محاولة غير السنّة إيجاد بدائل للزعامات التقليدية، التي ما احتلها أحد بكفاءة وفعالية من خارج النادي التقليدي سوى رفيق الحريري. فالزعامة السنية بقيت في منابتها تقليدية، تقوم على عصب الأعيان، كآل المرعبي في عكار أو كرامي في طرابلس أو سلام في بيروت، في حين لم تنتج الأحزاب السنية زعيماً، ما عدا معروف سعد في صيدا. إذ بقيت أحزاب السنة في الهوامش تنتج زعماء أحياء مؤقتين.
شكلّ الحصّ أولى حكومات الرئيس الشهابي الياس سركيس، لأنّه كان من غير الممكن التفكير في صائب سلام “الأنتي شهابي” حتى النخاع ولو بعد اصطفاف مؤقت إلى جانب “الجنرال”، والمعارض الشرس لاتفاق القاهرة 1969 الذي كان من بين مهمات العهد الجديد تنفيذه. وتبيّن سريعاً أنّ تشكيل حكومة تضم أطراف النزاع جميعاً برئاسة تقي الدين الصلح، فكرة حالمة لا مكان لها في ذلك الزمن.
وفي لحظة الدخول السوري إلى لبنان كان من البديهي استبعاد رشيد كرامي، الفلسطيني الهوى، فيما قوات الردع تعلن احتلال لبنان بالتعاون والتنسيق مع اليمين المسيحي!!!
والأهم: كانت الحاجة ملحّة لشبيه سنّي للرئيس الماروني، النظيف والتكنوقراطي ولكن منزوع العصب السياسي. فكان سليم الحصّ.
ولد الرئيس دياب في لحظة أزمة على مستوى الزعامة السنّية، بدأت قبل استقالة الرئيس سعد الحريري، وتفاقمت بعدها. وهي أكثر تعقيداً من لحظة ولادة الرئيس الحصّ، بلا شكّ. فالفراغ الزعاماتي السني تحاول ملأه منظومة الرؤساء السابقين للحكومة، الذين انضم إليهم الحريري مؤخراً بعد أن كان يتمنّع عن استقبالهم وهو في السراي. وربما في مواجهتهم، ينتحل دياب صفة الانتساب الى “نبع سليم الحصّ”، لخلق مشهدية تعددية مزيّفة على الساحة السنية بعد الفشل في استيلاد جسم موازي بعد الانتخابات هو “اللقاء التشاوري” السنّي.
كلها محاولات لإعادة تشكيل الجسم السياسي للطائفة السنية، وتعقيمها من أيّ ميول سياسية أو مشاريع سياسية خاصّة في لحظة متفجرة بالأسئلة السياسية، وإن كان الملمح الاقتصادي المالي هو الطاغي على السطح!
يجلس الرئيس دياب في السراي في لحظة أخطر بكثير، وبعدة أقل بكثير، وبرصيد من الكفاءة يُشكّك فيه العارفون بتجربته في الجامعة الأميركية
بهذا المعنى، حسّان دياب التكنوقراطي خرّيج الجامعة الأميركية، هو كاريكاتور سليم الحصّ التكنوقراطي خرّيج الجامعة الأميركية. ففي رصيد الأخير، إلى جانب سمعة النزاهة والاستقامة الأكيدة، معرفة اقتصادية متمكّنة، ولو كانت معرفة قديمة بمعايير أزمات اليوم. في رصيده فكرة لجنة الرقابة على المصارف كإجراء احترازي وعلاجي بعد أزمة انهيار بنك إنترا. وفي رصيده أيضاً إنشاء مجلس الإنماء والإعمار لمعالجة ذيول حرب السنتين، وإن كان الإعمار سيتأخر ليلتصق بتجربة رفيق الحريري، وهذا ربما في خلفية “غيرة” الحصّ الدائمة من الرئيس الشهيد!
تجدر الإشارة إلى أن الحصّ هو من نحت مصطلح “التركة الحريرية” حين تسلّم رئاسة الحكومة عام 1998، للإشارة الى نتائج سياسات الحريري، وهي العبارة التي لا ينفك يكرّرها الرئيس دياب، متناغماً مع التيار العوني ودعاية حزب الله.
يجلس الرئيس دياب في السراي في لحظة أخطر بكثير، وبعدّة أقل بكثير، وبرصيد من الكفاءة يُشكّك فيه العارفون بتجربته في الجامعة الأميركية. حكومة تحمل كلّ سيئات تجربة الرئيس الحصّ من دون أيٍّ من حسناتها، وفي لحظة تبدو خلالها الساحة السنية خالية من الرصيد القيادي، تعيش على ما بقي من تركة الزعامة الحريرية، وسط الكثير من الغضب والقلق علي المستقبل.
حين كتب الدكتور رضوان السيد في هذا الموقع مساجلاً حول موقع السنّة في المعادلة الوطنية، اعترضت على ما كتب تويترياً. ولعلّي أعرّج هنا على هذا الاعتراض. بدت مقالة “مولانا” غاضبة، وتمتلك كلّ مسوّغات الغضب. لكنّ اقتراحاته للمعالجة والتي تتلخّص في بناء حالة صراعية سنيّة في مواجهة حزب الله وفي مواجهة ما يراه ضعفاً عند القيادة السنية، هو الوجه الآخر لأزمة السنّة. فهذه عدّة معركة خسرها الخطّ السيادي في محطات كثيرة، أبرزها اثنتان. يوم ذهب أهل السيادة الي اتفاق الدوحة، ويوم قبلوا بالاستشارات النيابية تحت ضغط السلاح والإتيان بالرئيس نجيب ميقاتي.
لا أختلف مع مولانا كثيراً في توصيف ضعف الزعامة الحريرية، وإن كنت أختلف معه في استنتاجه المستعجل أنّ الحل هو بمواجهة صدامية مع حزب الله، لا يمتلك من يدعوهم اليها، الحدّ الأدنى من الأدوات اللازمة للمواجهة والصدام.
بانتظار مشروع مبتكر خارج ثنائية الضعف والصدام سيملأ الساحة حسّانات…