د. وليد فارس/انديبندت عربية: الحرب العالمية ضد وباء كورونا

33

الحرب العالمية ضد وباء كورونا
د. وليد فارس/انديبندت عربية/31 آذار/2020

على المجتمع الدولي إيجاد بدائل للمنظومة الاقتصادية السابقة ليتمكن من مساعدة الأضعف والأكثر تعرضاً.
منذ اجتياح وباء كورونا للصين وإيطاليا، وبعد انتقاله إلى معظم دول أوروبا وأميركا الشمالية وآسيا، يحاول المتخصصون في علم الأوبئة إيجاد الأجوبة المطلوبة من أجل تمكين مختلف الحكومات في العالم من مكافحة هذا الخطر الكبير، الذي يجتاح الكرة الأرضية وينزل الموت والرعب ويدمر الاقتصادات.
وبعكس الإيبولا والأوبئة التي استهدفت مناطق في العالم على مدى أكثر من قرن، فإن كورونا لا حدود له. إذ إنه مرتبط بضحاياه وهم البشر بأنفسهم، وما يتفق عليه الجميع أن الناس، لا سيما المسافرين والمواطنين العاديين الذين يتصرفون بشكل طبيعي في المجتمعات، هم من تحولوا إلى مراكب بيولوجية تنقل هذا الداء من فرد إلى آخر، وتدفع بهذه الموجة لتجتاح مدناً وأقاليم وتهدد الدول برمتها.
ومما تعلمناه في هذه الفترة القصيرة، منذ بدء الوباء في مقاطعة ووهان الصينية حتى وصول الموجة إلى عمق أوروبا وكوريا الجنوبية وإلى قلب نيويورك ولوس أنجلوس وسياتل، هو أن الإجراءات الإستراتيجية هي السلاح الأول، الذي تمتلكه هذه الدول في مواجهة الداء، وملخص ما تعلمته الدول هو الآتي:
أولاً، ضرورة فك الارتباط بين حاملي كورونا ومن لم يصلهم بعد. وقد سُمي في الولايات المتحدة social distancing، أي ببساطة أن يعكف المواطنون في جميع الدول عن التلاقي في أي حلقة اجتماعية، من المدرسة إلى دور العبادة والتجمعات المختلفة، وأن تفرط كل هذه الحلقات حتى مرحلة معينة. هذا السلاح كفيل بوضع حد لتقدم الاجتياح، ومن دون استخدامه بشكل حاسم سيستمر كورونا. وبالتالي، بعد إعلان البيت الأبيض وفريق العمل الخاص ضرورة استخدام هذا السلاح شهدت أميركا ودول العالم تطبيقاً لفك الارتباط الاجتماعي، ولكن هذه الآلية وإن تمكن الناس من تنفيذها لأيام وأسابيع، وربما أكثر من شهر أو اثنين، فإن الاستمرار اللامتناهي في تطبيقها سيفكك القدرات الاقتصادية لجميع الدول ومن بعدها سيقود إلى انحلال اجتماعي.
الإستراتيجية الثانية هي الحد من ضحايا انتشار كورونا، وذلك عبر تمكين المستشفيات من استقبال أكبر عدد من المرضى ومساعدتهم طبياً على اجتياز الخطر بمساعدة القدرات الآلية في تلك المؤسسات. إلا أن الأزمات التي شهدناها في إيطاليا وإسبانيا وبريطانيا وفرنسا ودول أخرى وبعض المدن الأميركية هو عدم توفر أجهزة التنفس، وهي تعد من أهم الوسائل لإنقاذ المرضى وإعادتهم إلى الاستقرار الصحي. وبالتالي، فإن الإستراتيجية الثانية لا يمكن أن تنجح إلا مع تصنيع هائل لمئات الآلاف من أجهزة التنفس الاصطناعي، وهذا أمر باشرت به أميركا ولكن بقدرات عظيمة، مما يذكرنا بتحويل الصناعة المدنية إلى صناعة عسكرية خلال الحرب العالمية الثانية، حيث كانت أميركا يومها غير جاهزة لخوض حرب كونية ضد اليابان وألمانيا النازية. وما تقوم به إدارة الرئيس دونالد ترمب الآن هو حيوي وحاسم، إذ إنها ستعتمد على تصنيع أعداد كبيرة من هذه الأجهزة لتواجه تحدي أعداد المرضى المتزايدة في المستشفيات، لتتمكن بعد ذلك من مساعدة الدول الأخرى التي هي بحاجة إلى هذه الآلات، مثل إيطاليا وبريطانيا ودول أخرى.
الإستراتيجية الثالثة تتمحور حول إيجاد الدواء لشفاء المرضى. وهنا، تتسابق الدول بما فيها أميركا وفرنسا والصين وكوريا الجنوبية وإسرائيل. فمراكز الأبحاث الطبية في هذه الدول باتت على مسافة قريبة من إنتاج الدواء المضاد لكورونا، وقد يتم الإعلان عنه بعد بضعة أسابيع، وربما استعماله في الحالات الخطرة. وبالمناسبة، لا مفر من إيجاد هذا الدواء ليتم إنقاذ البشر من الفيروس، والسلطات الأميركية أكدت أنه سيكون متوفراً.
الإستراتيجية الرابعة تتركز حول إيجاد اللقاح المطلوب، الذي بإمكانه إنقاذ الشعوب من الوقوع مجدداً ضحية كورونا بأوجهه المختلفة. وتتسابق هنا المختبرات العالمية لإيجاد اللقاح المطلوب، وقد أعلنت الولايات المتحدة أنها ستتمكن من تصنيع اللقاح بسرعة فائقة، على الرغم من أن بعض مسؤوليها، أعلنوا أن هكذا لقاح لن يكون جاهزاً قبل عام 2021، غير أن ضغط الرئيس ترمب على هذه المراكز البحثية قد يدفعها مع الميزانية الكبيرة المرسلة إليها إلى إنتاجه منتصف الخريف المقبل.
هذه الإستراتيجيات المختلفة تشكل المحاور القتالية المباشرة ضد كورونا، إلا أن ما هو أساس في تنفيذ هذه الإستراتيجيات هو تموضع دولي جديد يمكّن كل الدول من أن تنظم نفسها للمجابهة الداخلية، ويمكن المجتمع الدولي بشكل عام من إيجاد تضامن لمواجهة انتشار الوباء.
والخطر الكبير الذي يكمن وراء هذه المجابهة هو قدرة الاقتصادات الوطنية والاقتصاد العالمي على الاستمرار. إذ إن بوادر الأزمات المالية التي نراها في أميركا ودول أخرى، تشير إلى أن عامل الوقت أساسي، وعليه فإن على المجتمع الدولي تنفيذ الإجراءات قبل الدخول في مرحلة كساد اقتصادي، قد تقود إلى فوضى لم نرها منذ أكثر من قرن.
الدول وبغض النظر عن أحجامها تقوم بتنظيم نفسها اقتصادياً واتخاذ القرارات المصيرية في الأوليات المالية والاقتصادية، وتقوم بمهامها الطبية والإنسانية. والمجتمع الدولي الذي بات متداخلاً وشاملاً ويتأثر بالتعديلات الاقتصادية، عليه إيجاد بدائل للمنظومة الاقتصادية السابقة ليتمكن من مساعدة الأضعف والأكثر تعرضاً. إذ إن انهيار دول بأكملها بسبب انتشار كورونا قد يؤدي إلى انهيار يشبه حجر الدومينو ويضرب جميع الدول. ومن هنا نرى مبادرات دولية سريعة تهدف إلى إصلاح المؤسسات القائمة، بما فيها الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية والمؤسسات المالية الدولية، قبل أن يتمكن الخطر الاقتصادي من مداهمتها. وفي هذا الإطار كان لقمة مجموعة العشرين صدى مهم جداً، بعدما دعت السعودية إلى اجتماع طارئ عبر الفضاء الافتراضي وحضره كبار قادة العالم وشكل مع القرارات الكبرى المتخذة دفعاً جديداً لرفع معنويات الناس في الدول وإعطائهم بارقة أمل بأن هناك مرجعيات تتابع الأزمة. إذ قررت هذه القمة ضخ 5 تريليونات دولار سيخصص جزء منها للإصلاحات المطلوبة للمؤسسات العالمية على رأسها منظمة الصحة، وجزء آخر لمساعدة الدول الصغيرة لمواجهة موجة كورونا، بعدما انتقلت إلى أفريقيا وجنوب آسيا وأميركا.
لقد تحركت مجموعة العشرين من خلال المبادرة السعودية بدعم كبير من الدول الكبرى على رأسها أميركا والصين وروسيا واليابان والبرازيل بشكل حوّل هذه المجموعة إلى مجلس أمن اقتصادي وإنساني، بأهمية مجلس الأمن في الأمم المتحدة نفسها، وخلق مرجعية طوارئ ينظر إليها الرأي العام الدولي بأنها حامية للناس في أرجاء المعمورة.
الجدير بالذكر أن الرئيس ترمب على الرغم من انتقاداته السابقة للمؤسسات الدولية، أعلن للشعب الأميركي أن مجموعة العشرين تستحق التقدير لمبادرتها هذه. وتشارك أميركا في عملية الضخ المالي، حيث وقّع الكونغرس على مشروع قانون لصرف تريليوني دولار في الداخل، بينما قامت ألمانيا بدفع تريليون دولار لدعم الإجراءات المتخذة داخل حدود البلاد، وتقوم الدول الأخرى بمبادرات مماثلة.
بين الإجراءات داخل أميركا والإجراءات التي تتخذها الدول الحليفة والمبادرة التي أطلقتها دول العشرين هناك بارقة أمل، ولكن النفق لا يزال طويلاً، إنما هناك في نهايته شعاع نور قد يعيد الأمل إلى المجتمع الدولي.