راجح الخوري: كورونا والعودة إلى الكهوف/Rajeh Khoury: Coronavirus and the Return to the ‘Cave’

43

Coronavirus and the Return to the ‘Cave’
Rajeh Khoury/Asharq Al-Awsat/March 21/2020

كورونا والعودة إلى الكهوف
راجح الخوري/الشرق الأوسط»/21 آذار/2020
في أقلّ من شهرين بدا الإنسان وكوكب الأرض أوهى من خيوط العنكبوت، لكنه عنكبوت خفي مجهول لا يُرى بالعين المجردة. إنه جائحة «كورونا» التي يبدو أنها ستغيّر، في المستقبل، كثيراً من قواعد العلاقات، سواء بين الدول والبشر، وبين البشرية والطبيعة!
الأعداد ليست شيئاً مرعباً حتى الآن قياساً بتاريخ طويل من الأوبئة، التي سبق أن قتلت من البشر أكثر مما قتلت الحروب، حتى كتابة هذه السطور. إن عدّاد «منظمة الصحة العالمية» يؤشر إلى 250 ألف إصابة، وإلى أكثر من عشرة آلاف حالة وفاة، وإلى تسعة آلاف نجاة، لكننا في عالم مختلف من حيث تقدُّم العلوم والحضارة؛ لسنا في عام 430 قبل الميلاد، عندما قتل «طاعون أثينا» نحو مائة ألف شخص، ولا في زمن «الطاعون الأسود» عام 1350، عندما قتل ما سُمي «الموت العظيم» ثلث سكان القارة الأوروبية، وانتقل إلى آسيا والشرق الأدنى، ولا في زمن الإنفلونزا الإسبانية (H1N1) بعد الحرب العالمية، التي أصابت 500 مليون شخص، وقتلت ما بين 50 و100 مليون شخص، وهو ضعف عدد القتلى في الحرب العالمية الأولى.
قبل شهرين كانت وكالة «ناسا» تفاخر بأنها اكتشفت ما يشير إلى وجود مياه في المريخ، ما يعني ضمناً الطموح للوصول مستقبلاً إلى المريخ وتخريبه بعدما خرّبنا كوكب الأرض، ونحن قبل خمسين عاماً أرسلنا نيل أرمسترونغ ليهبط على القمر، حيت كان الصينيون يستعدون لرحلة مماثلة، قبل أن تقول الأرض لهم ولنا جميعاً قبل شهرين: مهلاً، التحدي الآن إيجاد علاج لوباء لا يُرى بالعين المجردة يُدعى «كورونا». والغريب أن تكون الكلمة مشتقة من «كورون»، أي التاج!
مجرد وباء صغير أوقف كل شيء؛ وضع كمامة على وجه الكرة الأرضية، أقفل الحدود بين دول العالم، لم يسبق لأي حرب عالمية أن فعلت ذلك، أوقف مطارات العالم، وفق «غوغل»، منع ما يقرب من نصف مليون راكب يومياً من التحرّك، وبعدما وضع خمسين مليوناً في العزل الصحي في يوهان الصينية، ها هو يرسل كل العالم إلى الحجر الصحي تقريباً. كنا نقول مفاخرة إننا بالعلم جعلنا العالم في حجم غرفة صغيرة، لا سيدي، ها هو وباء مجهول صغير يغزو الأرض ويضع كل الناس في العزل، ما الفرق بين العزل في البيت أو في الغرفة، والكهوف التي عاش فيها جدودنا رعباً من الوحوش. إن هذا الوحش الصغير، «كورونا»، يمكن أن يتسلَّل إلى داخل كل منا، وأن يكمن فيه كقنبلة موقوتة يمكنها تعميم الموت؟
صنّف مدير منظمة «الصحة العالمية»، تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، يوم الأربعاء الماضي، فيروس «كورونا» بأنه «عدو للبشرية»، لكنه يمنح أيضاً فرصة غير مسبوقة لكي نحتشد ضد عدوّ مشترك، عدو للبشرية، ولكن ملامح البشرية وبصماتها ليست تلك التي عرفتها الصين وميلانو تحديداً، فلقد رأيت كما رأى الجميع أفلاماً مروعة تماماً لأطباء صينيين وإيطاليين غارقين في دموعهم والأسى، لأنه كان عليهم في لحظات تفوق الاحتمال البشري، أن يلعبوا، وهم الأطباء، دور الجلاد واتخاذ قرارات الموت وحفاري القبور، عندما كان عليهم أن يقرروا مَن يُرسلون من المصابين الميؤوس منهم إلى حتفهم كي تتسع المستشفيات لمن يمكن أن ينجوا. فعلاً… يا للهول! ولكأن هذه القرون الثلاثة من الحضارة تنهار مثل ركام أو رماد، كان المسعفون والأهل المفجوعون أحياناً ينتحبون أمام مداخل المستشفيات التي لم تعد تتسع للمصابين. إذن، يا لهذا الموت القاسي جداً على باب المستشفى. وكان الأطباء في يوهان، كما نقلت الأنباء، يضعون حفّاضات الأطفال تحت ثيابهم العازلة الثقيلة، لأنهم لا يملكون الوقت للذهاب إلى الحمامات!
ماذا نفعل في بلد بائس مثل لبنان مثلاً، الذي يرزح الآن تحت ديون ثقيلة نتيجة النهب السياسي المتوحش، و«كورونا» يتطلب المال للحصول على الإسعافات؟! قرأت أمس أن ليس لدينا أكثر من 300 جهاز تنفُّس صناعي فقط، في مستشفيات تصرخ منذ عامين، والدولة لا تدفع ما عليها من متوجبات، لكن لبنان في احتفال البؤس الذي يلفّ العالم كله يبقى ضحية كغيره من الضحايا، إلى أن تصل إليه نخوة لله يا محسنين!
لم أشهد في حياتي نهراً بشرياً يتدفق على امتداد النظر، كالذي كنتُ أراه في الشارع الخامس من نيويورك في الخامسة مساء عند خروج الموظفين. أمس، حسبته نهراً ضخماً جفّت مياهه تماماً. هل شاهدتم فراغ شوارع بكين وساحات المدن الكبرى في العالم؟! أين ذهب الملايين؟! أين يختبئ المليارات من الذين ضاقت بهم الأرض كما قيل، وبتنا نحتاج إلى كوكب ونصف الكوكب ليتسع لجوعنا غير المحدود؟! ثلاثة قرون من التقدُّم والعلوم والحضارة والابتكارات والمهارات، ولكننا كمن يقف عاجزاً وضعيفاً في بداية طريق جديد. الطبيعة تغيّرت، والبشر يتغيّرون. تعالوا نتذكر الفراغ المدوّي في كل مكان، الملاعب ومدرجاتها وصراخها، السينما، المسارح، المصارف، المطاعم، محطات القطارات. تعالوا نتذكر أنه في المغاور لم يكن هناك سوى الحذر والأنانية. ولكننا اليوم حذرون أنانيون نمتنع عن المصافحة، عن العناق، وتبادل القبلات.
ماذا تفعل أيها «الكورونا» اللعين بنا؟! 850 مليون طالب يخسرون دروسهم، هذا يعني تراجعاً هائلاً في المستوى الثقافي البشري رغم التدريس عبر التلفزيون، يعني إضعاف الألفة والصداقات التي تنشأ بين الطلاب في صفوفهم، ويمكن أن يعني أن الأمهات والآباء صاروا صارمين، نتيجة الضغط في الحَجْر، وباتوا نزقين. ليس من المزاح الحديث عن أن الخوف والحجر زادا من نسبة طلاق الأزواج، فالجميع تقريباً في الضيق وعلى حافّة الانفجار، ففي مدينة داتشو بمقاطعة سيتشوان في الصين، كشف مدير سجلّ الزواج أن 300 طلبوا الطلاق بعد أسبوعين من الحجر المنزلي، وفي فوجيان الصينية يبلغ عدد طلبات الطلاق اليومية 14 طلباً! حتى الآن الوباء وصل إلى 160 بلداً، لكن الجانب الاقتصادي يترنح مثل البشر تماماً. صحيفة «نيويورك تايمز» تقول إن تفشي «كورونا» يضع اقتصاد العالم أمام تحدٍّ حقيقي، والمجلس العالمي للسفر والسياحة (WTTC) يقول إن 50 مليون وظيفة ستتحول إلى البطالة، و«الاسكوا» تقول إن العالم العربي مهدد بخسارة 1.7 مليون وظيفة، وخسارة 42 مليار دولار! الرئيس دونالد ترمب قال إن بلاده تعمل على لقاح تجريبي بدأ العمل به وتجربته على الإنسان في سياتل يوم الثلاثاء الماضي، وكشفت «نيويورك تايمز» عن اجتماع في البيت الأبيض ضمّ الرئيس دونالد ترمب ونائبه مايك بنس والرئيس التنفيذي لشركة «كيورفاك» الألمانية، دانييل مينيشيلا، التي تقول إنه يمكن تطوير لقاح محتمل في غضون أشهر.
لكن المثير هو السباق على الاستثمار في اللقاح، فقد كتبت صحيفة «دي فيلت» الألمانية أن ترمب يحاول أن يضع يده على المختبر الألماني «كيورفاك»، ويحاول اجتذاب علماء ألمان يعملون على مشروع اللقاح، وبينهم دانييل مينيتشيلا، التي يبدو أن ترمب تمكن من أن يجذبها لقاء عروض مغرية… ربما لنظل في عالم يقول: مصائب قوم عند قوم فوائد! وفي أي حال، هناك أكثر من 25 شركة تتسابق لاكتشاف لقاح ينزع الكمامة عن وجه الكرة الأرضية، التي غيّر «كورونا» فيها وفينا أشياء كثيرة جداً.

Coronavirus and the Return to the ‘Cave’
Rajeh Khoury/Asharq Al-Awsat/March 21/2020
In less than two weeks, humankind and the planet began to seem weaker than the cobwebs of an anonymous spider that cannot be seen by the naked eye. It is the Coronavirus epidemic, which seems that it will likely change the rules governing relationships between both states and people and between nature and people! The numbers so far are not frightening when compared to the long history of past epidemics, which have killed far more people than wars at the time of writing. The WHO figures point to two hundred thousand cases, ten thousand deaths and nine thousand recoveries, but we are in a different world within terms of the progress of technology and civilization. We are not in the year 430 BC, when the Plague of Athens killed around one hundred thousand people, nor are we in 1350, when the Black Plague killed a third of Europe’s inhabitants in what was called the “great mortality” and later reached Asia and the far east. Nor are we in the time of the Spanish flu (H1N1) which infected 500 million people and killed between 50 and 100 million people after World War I, twice the number of deaths caused by the war.
Two months ago, NASA was proud of having discovered that there may be water on Mars, implying an ambition to reach Mars in the future and ruin it after we ruined earth. Fifty years ago, we sent Neil Armstrong to land on the moon, and as the Chinese were preparing for a similar trip two months ago, but then earth told them, and the rest of us: hold on, the challenge now is to find a cure for an invisible virus that cannot be seen with the naked eye; the coronavirus. Strangely the name is derived from “korōnè”, meaning crown!
A mere small virus stopped everything and covered earth’s face with a mask. It closed the borders between the world’s countries, something no world war had ever done. It closed the world’s airports, preventing half a million passengers from commuting daily according to Google. After 50 million people were quarantined in the Chinese city of Wuhan, today coronavirus is putting almost the whole world in quarantine. We used to take pride in having turned the world into the size of a small room. No, sir, the small anonymous virus is invading the earth and placing everyone in isolation. What is the difference between isolation in a home, a room, or the caves which our ancestors inhabited, terrified of monsters? This little monster, coronavirus, can infiltrate all of us, and in it lies a time bomb that can make death widespread.
The director of the World Health Organization, Tedros Adhanom Ghebreyesus, labeled the coronavirus an “enemy of humanity” last Wednesday, but also said that it presented us with an unprecedented opportunity to mobilize against a common enemy, and enemy of humanity. However, the features and traces of humanity were not seen in China and Milan. For I saw, like everyone else, utterly horrific scenes of Chinese and Italian doctors drowning in tears and grief because they had to play the role of executioners and make the decisions of gravediggers, deciding whom among the hopeless cases would be sent to their deaths so that the hospitals could receive those have a chance of surviving.
The horror! It is as though the progress of the past three centuries is collapsing as distraught family members wail the outside hospital entrances that had no room for new patients. What a truly harrowing way to die, at the doors of a hospital. The doctors in Wuhan, according to some outlets, wore diapers under their heavy protective clothes because they did not have time to go to the restroom!
What should be done in a country like Lebanon for example, which is now languishing under heavy debts as a result of political looting? For treating coronavirus cases requires money. Yesterday, I read that we do have no more than 300 respirators in our hospitals that have been crying out for two years because the state still has not paid its dues. However, Lebanon is part of the global carnival of misery, and is a victim like other victims, waiting for divine intervention.
I had never seen, like I did on 5th Street in New York at five o’clock in the evening, the time when employees leave, a human stream stretching as far as my eye could see. I considered yesterday a big day during which this stream’s water had totally dried up. Did you see the emptiness of Beijing’s streets and that of the squares of the world’s major cities?! Where did the millions go? Where did the billions whom it was said the earth could barely fit go? It was also said that we needed a planet and a half to satisfy our limitless hunger. The centuries of progress, science, civilization, innovation, and talent, but we are like a weak and incapable person at the start of a new journey.
Nature has changed, and humans are changing. Let us remember the massive voids everywhere, the stadiums and their chants, cinemas, theatres, banks, restaurants and train stations. Let us remember that in caves there was nothing but caution and selfishness. Today, however, our selfishness is manifested in the avoidance of handshakes, hugs, and kisses.
What are you doing to us coronavirus?! 850 million are hindered from studying, meaning that the general level of human knowledge will decline, despite classes being broadcast on the television. It also means that thousands of students’ friendships will be weakened. It could mean children being treated with an austerity stemming from the pressure of being in quarantine by mothers and fathers. It is not a joke that fear and quarantine have increased divorce rates, as everyone is anxious and about to explode. In the city of Danshui in the Chinese province of Sichuan, the director of the marriage registry revealed that 300 couples filed for divorce after two weeks of quarantine, and in Fujian, China, 14 divorce requests are sent per day!
Until now, the pandemic has reached 160 countries, but the economy is wavering just like people are. The New York Times mentioned that around 50 million jobs will be lost. Coronavirus is putting the global economy in front of a real challenge, and the World Travel & Tourism Council (WTTC) and ESCWA are saying that the Arab world may lose 1.7 million jobs and 42 billion US dollars.
President Trump said that his country is working on an experimental vaccine that is being tried on human subjects in Seattle last Tuesday. The New York Times has revealed a meeting in the White House between Trump, his deputy Mike Pence and the CEO of CureVac, where it was mentioned that a vaccine may be developed in a few months.
What is interesting is the race towards investing in a vaccine. German newspaper Die Welt wrote that Trump is trying to put his hand on the German lab CureVac and is trying to attract German scientists to work on the vaccine. Among these is Daniel Menichella, CEO of CureVac, whom Trump appears to have been able to attract through lucrative offers. Perhaps we will remain in a world that says: The misery of one nation is the glory of another! In any case, there are more than 25 companies racing to find a vaccine that removes the mask off the face of the earth where a lot has changed after coronavirus.