المخرج يوسف ي. الخوري في ذكرى رحيل قدس الأب العام شربل القسيس: في زمن الأقزام يُفتقد العمالقة

129

في زمن الأقزام يُفتقد العمالقة. دخلَك يا شربل القديس حْمِينا من شربل القسيس؛ عبارة لطالما سَرَت في أوساط أحزاب الحركة الوطنيّة والمنظمات الفلسطينيّة أبّان حرب الـ 1975 للتشهير بقدس الأب العام شربل القسيس الذي كان راديكاليًّا في دفاعه عن لبنان والتزامه الوقوف ورهبانه إلى جانب شعبهم في وجه الفلسطينيين وحلفائهم من الخارجين عن الكيان اللبناني الصيغة. في مثل هذا اليوم منذ تسعة عشر عامًا، وقفت وحيدًا أمام دير سيّدة المعونات أبكيه وهو محمولًا على أكتاف الرهبان وهم ينقلونه إلى مثواه الأخير، ولم أكن أبكيه لأنّه غاب عنّا، بل لأنّه رحل ولم أكن بعد قد تشبّعت من تعاليمه وخبرته. ما اشدّ افتقادي إيّاه في زمن الثورة، هو رجل الدين الذي علّمني كيف أكون علمانيًّا، كيف أقبل الآخر وكيف أعيش معه. هو الذي علّمني كيف أنبذ الطائفيّة السلبيّة وكيف أعشق الأرزة وكيف أجعل في حياتي "لبنان أولًا"، وذلك قبل عشرين سنة من إدراك الآخرين أن "لبنان أولًا"! لست وحدي من يفتقده في هذه الأيّام، فمواقفه في الآونة الأخيرة تعود على كل لسان وتوحي لكل عقل، هو دكتاتور كما يحلو للبعض وصفه، لكنّه دكتاتور من اجل الديمقراطيّة، كما أنّه مقاتل شرس من أجل السلام وثائر في سبيل الحريّة والإنسان. سيشهد لبنان واللبنانيون عاجلًا أم آجلًا على مآثر هذا الراهب العملاق، فقد اكتشفت مؤخّرًا أن أكثر من مؤرّخ وباحث ومؤسسة يعملون على استعادة مسيرته في كتب وأعمال وثائقيّة، وقد شرّفتني مجلة المسيرة بالطلب مني أن أكتب عنه في عددها المخصّص له في شهر شباط الحالي، لذا سأترك التوسّع بالحديث عن الآباتي القسيس لنشره في المجلة المذكورة، أما الآن فسأكتفي بنشر مقتطف قصير من فيديو لحديث خاص بيني وبينه حول تدخّل الرهبان في الحرب عام 1975، وأستأذنك يا شربل القديس بالعودة إلى زمن شربل القسيس، فنحن نفتقد العمالقة في زمن الأقزام. في اليوم العشرين بعد المئة لانبعاث الفينيق.

Posted by Yussuf ElKhoury on Friday, February 14, 2020

في زمن الأقزام يُفتقد العمالقة.
المخرج يوسف ي. الخوري/14 شباط/2020

دخلَك يا شربل القديس حْمِينا من شربل القسيس؛ عبارة لطالما سرت في أوساط أحزاب الحركة الوطنيّة والمنظمات الفلسطينيّة أبّان حرب الـ 1975 للتشهير ب الذي كان راديكاليًّا في دفاعه عن لبنان والتزامه الوقوف ورهبانه إلى جانب شعبهم في وجه الفلسطينيين وحلفائهم من الخارجين عن الكيان اللبناني الصيغة.

في مثل هذا اليوم منذ تسعة عشر عامًا، وقفت وحيدًا أمام دير سيّدة المعونات أبكيه وهو محمولًا على أكتاف الرهبان وهم ينقلونه إلى مثواه الأخير، ولم أكن أبكيه لأنّه غاب عنّا، بل لأنّه رحل ولم أكن بعد قد شبعت من تعاليمه وخبرته.

ما اشدّ افتقادي إيّاه في زمن الثورة، هو رجل الدين الذي علّمني كيف أكون علمانيًّا، كيف أقبل الأخر وكيف أعيش معه. هو الذي علّمني كيف أنبذ الطائفيّة السلبيّة وكيف أعشق الأرزة وكيف أجعل في حياتي “لبنان أولًا”، وذلك قبل عشرين سنة من إدراك الآخرين أن “لبنان أولًا”!

لست وحدي من يفتقده في هذه الأيّام، فمواقفه في الآونة الأخيرة تعود على كل لسان وتوحي لكل عقل، هو دكتاتور كما يحلو للبعض وصفه، لكنّه دكتاتور من اجل الديمقراطيّة، كما أنّه مقاتل شرس من أجل السلام وثائر في سبيل الحريّة والإنسان.

سيشهد لبنان واللبنانيين عاجلًا أم آجلًا على مآثر هذا الراهب العملاق، فقد اكتشفت مؤخّرًا أن أكثر من مؤرخ وباحث ومؤسسة يعملون على استعادة مسيرته في كتب وأعمال وثائقيّة، وقد شرفني شخصيًّا طلب مجلة المسيرة إليّ أن أكتب عنه في عددها المخصص له في شهر شباط الحالي، لذا سأترك التوسّع بالحديث عن الآباتي القسيس لنشره في المجلة المذكورة، أما الآن فسأكتفي بنشر مقتطف قصير من فيديو لحديث خاص بيني وبينه عن تدخّل الرهبان في الحرب عام 1975، ونستأذنك يا شربل القديس بالعودة إلى زمن شربل القسيس، فنحن نفتقد العمالقة في زمن الأقزام.
في اليوم العشرين بعد المئة لانبعاث الفينيق.

*ملاحظة: الصورة المرفقة تجمع الشيخ بشير الجميل والدكتور الياس سعادة والأباتي شربل قسيس