شارل الياس شرتوني/بولس عبد الساتر والصوت النبوي في الكنيسة: أين الإنسان في كل هذا؟

55

بولس عبد الساتر والصوت النبوي في الكنيسة: أين الإنسان في كل هذا؟
شارل الياس شرتوني/10 شباط/2020

“الا يحرك ضمائركم نحيب الأم على ولدها الذي انتحر أمام ناظريها، لعجزه عن تأمين الأساسي لعائلته، او ليست هذه الميتة القاسية كافية حتى تخرجوا الفاسد من بينكم وتحاسبوه وتستردوا منه ما نهب لانه ملك للشعب… “

“اجروا الحكم والبر وانقذوا المسلوب من يد الظالم، ولا تتحاملوا على النزيل واليتيم والأرملة، ولا تعنفوهم، ولا تسفكوا الدم الزكي …، وان لم تسمعوا هذا الكلام فبنفسي، يقول الرب، أقسمت ان يكون هذا البيت خرابا ” ارميا، 03/ 22-03

تشكل العظة التي القاها المطران بولس عبد الساتر في عيد مار مارون منعطفًا مهمًا في الخطاب الكنسي الرسمي نظرا لخروجها عن التحفظات التي تمليها المواقع الأسقفية، واندراجها في سياق الخطابة النبوية التي توصف أسفار الأنبياء في العهد الكتابي الأول (ارميا، اشعيا، باروك، حزقيال، دانيال، حبقوق، يؤيل، هوشع، ميخا، نحوم، عاموس…).

الخطاب النبوي اسكاتولوجي يتكلم من علو اعتبارات نهيوية لا تقف عند حدود وإملاءات الحسابات السياسية والاعتبارات الشخصية، ليسقط عليها كلاما ومواقف تأتي من بعد اخر يؤسس لمواقف تحمل صفة الإطلاق القاطع عندما يصار الى تناول مسائل الكرامة البشرية، وحقوق الإنسان، وحرمة الحياة في كل الكائنات وفي الطبيعة.

لقد تأسست مع الأسفار النبوية الأحكام الأخلاقية التي لا تساوم في مجالات الحقوق الأساسية، والتي تحيل العمل السياسي الى نسبيته وتعيد ربطه بالغايات المتسامية التي ينبغي ان تحكم مساراته.

ان الأصداء العميقة التي تركتها هذه العظة والردود التقديرية التي اثارتها لم تكن من باب الصدفة، بل كانت التعبير الاصدق عما نعانيه كمواطنين في كرامتنا البشرية المستباحة، وحقوقنا الممتهنة، وحيثيات حياتنا اليومية من اذلال، وافتئات وتمييز يطال ابسط مقومات الحياة الإنسانية اللائقة من قبل أوباش ونهابين قيض لهم ان يتحكموا بمصائرنا، وان يتصرفوا بمقدرات العمل العام خدمة لأنفسهم دون أي وازع من ضمير، وفي ظل تجويف المؤسسات الديموقراطية وتحويلها من آليات المشاركة والمحاسبة والفاعلية في التدبير الى مواطىء لسياسات النفوذ، وموارد لترفيد المصالح الشخصية، والإثراء غير المشروع، وتكوين الشبكات الزبائنية، وتحويل دائرة الحقوق الأساسية الى مرتكزات لولاءات مسخرة ضربت أسس دولة القانون، وحولت المؤسسات الدولاتية الى أدوات للنهب والتعنيف والتمييز الفئوي.

خطاب المطران عبد الساتر ليس خطابًا سياسيًا او في مجالات الإدارة والسياسات العامة، خطابه لاهوتي- خدمي يعني أولًا وآخرًا كرامة الإنسان المطلقة التي يتم على اساسها محاسبة كل اداء سياسي أو مهني: أين هي كرامة الإنسان، واين هو الإنسان من كل هذا العصف الجامح لإرادات القوى المتنازعة، والأطماع المتفلتة، والعنف البدائي الآخذ في كل اتجاه.

ان الاغتباط والتأييد الاجماعي الذي استحثته هذه الكلمة الفاعلة  (Performative Utterance) ليست بالأمر الحادث، لانها تعبير عن احوال القهر والآمال المندثرة وافتئات الحقوق التي عايناها وعانينا منها على عقود، وليست بخطاب تقني يغيب الإنسان الحقيقي لحساب معادلات مالية واقتصادية ومحددات اجتماعية اختزالية، هذا عمل البشارة الإنجيلية التي اختصرها يسوع: “ابن الإنسان لم يأت ليخدم بل ليخدم ويفتدي بحياته الكثيرين” (متى20/ 28/ مرقص/45/10).

هذا خطاب يظهر أسس الخدمة الكنسية كما ترجمها القديس مارون الناسك الذي “عاش في قلب الله مصليا حتى يدرك إرادة الله في حياته، وصمت حتى يتكلم يسوع من خلاله، كلام حق، وكانت افعاله كلها افعال حق  .

الكلام الفاعل (Speech Acts) هو التوصيف البلاغي للخطاب الانجيلي والكتابي على وجه الإجمال الذي هو دعوة للعمل والتحول بفعل الروح (Metanoia) “السلطة خدمة … ومبادرات تبث الأمل، وخطابات تجمع، وأفعالا تبني … الا يستحق عشرات الألوف الذين انتخبوكم ان تصلحوا الخلل في الاداء السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وان تعملوا مع الثوار ذوي الإرادات الطيبة على ايجاد ما يؤمن لكل مواطن عيشة كريمة [وينقذ وطننا] من الانهيار الاقتصادي والخراب الاجتماعي …، بدلا من [تحقيق] مكاسب سياسية هشة وغيرها ؟ والا فالاستقالة اشرف”.

المسائل المالية والاقتصادية والاجتماعية وتصريفاتها السياسية على بالغ أهميتها وخطورة مضاعفاتها ليست الا نتيجة لانهيار المباني المعنوية كما ظهرها أفلاطون في “الجمهورية”، وانفراط العقود على تعدد مواطنها، وإحالة بلاد ومجتمع برمته الى علاقات النفوذ، و”الأنانية والتسلط والمكابرة على الله والعباد”، والعنف البدائي بكل مندرجاته الأيديولوجية والجسدية والعلائقية.

تكمن أهمية هذا الخطاب في قدرته على رأب الانفصامات الكيانية والمعنوية التي تحولنا الى معادلات تجريدية في السياسة والاقتصاد والاجتماع، وتحيلنا الى عزلتنا وضعفنا أمام عنف الآليات المالية الطاحنة، والمخاوف التي تحكم مجتمع المال والنفوذ والتحلل الأخلاقي.

ان الإجماع الذي احدثه هذا الخطاب قد تجاوز في اثره حدود الطوائف المسيحية لان لغته تمس إنسانية كل لبناني ومعاناته، ومستوى التطلب الأخلاقي الذي يعتمل في كنف مجتمعنا المدني على تنوع مكوناته، وهذا هو منبع الأمل والرافعة الحقيقية للتغيير، “لقد تحول الجبل حيث تنسك مارون الى فردوس ارضي يلتقي فيه الإنسان الله ويعيش انسانيته بالكامل، ويسكن الذئب مع الخروف … ويرعى العجل والشبل معًا …… ويلعب الرضيع على وكر الأفعى، ويضع فمه في مكمن الثعبان، لان الأرض تمتلىء من معرفة الرب كما تملاء المياه البحر” (اشعيا06 /09-11 )…،. السؤال الذي يستحثه هذا الموقف النبوي وتردداته المعنوية الجامعة، هو مدى الشرخ الذي يفصل المجتمع اللبناني عن هذه الاوليغارشيات الفاسدة ومؤدياته في ظل تكاثفات نزاعية جارفة ومفتوحة على تداعيات انهيارات إقليمية بالغة الخطورة، واهمية الموقف الكنسي والانتظارات والآمال التي أحياها في زمن تسكع الرجاء والخيبات التي تلازم الحراكات المدنية.