الأب سيمون عساف:عيد مار مارون/ابينا القديس مارون شفيع الكنيسة المارونية العظيم

33

عيد مار مارون
الأب سيمون عساف/09 شباط/2020

ابينا القديس مارون شفيع الكنيسة المارونية العظيم
الأب سيمون عساف/09 شباط/2020
أن تتنسَّك في العراء وتجابه الفصول بعزمٍ من الصَوَّانِ اصلب، وان تخلع عن ارادتك قميص الطين منسلخا عن الذات الصغرى والخروج منها الى الكلية الكبرى في مطارح لا سمير ولا انيس، الا الحضور اللامرئي للإله المَجيد المُجيد، فتلك عظمة لا قرين لها ولا نظير بل رواية تكاد تكون أسطورة.
نعم ليس بالهيِّن العيش في العراء وفي وحشة الوحدة طيَّ كتمانٍ وابُتعادٍ عن الناس، ولا بالسهل التخلي عن الذات للاتحاد بالكائن الأسمى.
لكنَّه الإيمانُ الراسخ الأصيل العالق بالحقائق السرمدية الثابتة، الذي يشيل من مغامس الحمأ المسنون.
مِن على مشارف البال تسافر الذاكرةُ في بحر الزمن الى عصر ابِ “بيت مارون” المُشعشع بثريَّات المقادس العريقة.
في مطلع القرن الرابع في القورشية وهجُ مار مارون سطع، واحشاء الثلاثماية سنة الأولى تُطل بعد مخاض بالمسيحية المشرئبة بازدهاء من دهاليز امبرطوية تعبُد الصنم. مسيحية بدم شهيدها ومخلصها تعمَّدت، وبدم الرسل والشهداء الذين آمنوا واعتنقوا تعاليم السيّد واقتدَوا به، عمَّدوا الأمبرطورية تلك التي بالأمس كانت تتحكَّم بهم فاصبحت بسؤدد عرشها تتحكّم عندهم.
حوَّلوها بعد ان كانت مضطهِّدَة بفضل جهادهم الى مسيحية حاميةً لهم تدافع عنهم وتدرأ البلايا وتدفع الويلات.
كانوا الميامين المُجَلِّين، اذ وشَموا جسدَها بفضائل الإيمان والرجاء والمحبة وبختم الختَنِ الإلهي.
هذا المناخ كان، مهيئا لورثة مشرق هو مهد الاعتراف بالإله الواحد، والآرامية-السريانية كانت لغته من المحيط الى الخليج. واول ما تَسمّى اتباع المسيح مسيحيين في انطاكيه الكرسي الرسولي الثالث بعد كرسي اورشليم وكرسي الإسكندرية (اعمال فصل )11.
في هذه الأجواء الروحية العابق بخورُ تقادمها من الأرض الى السماء. آثر القديس مارون حياة العزلة متأثِّرا بقوافل العابدين قبله يوم كان التصومع زخما يغلي في عروق جماعات مهتدية بحماس الى نور الحق. اختزل مشيئتَه، مُعبِّدا درب سمائه بقناعة قانعة، بادلا مِن على راس “جبل نابو”، معبدَ تمثال آلِهَةٍ خرافية مزخرفة الى معبدٍ لإلهٍ حَيٍّ لا يموت، لا يُشغل بالَه الا الوصولُ متابعا الصعودَ الى الهدف. هي الهِبَةُ القصوى للمُستعطي من العاطي والرضى الأعلى والنعمة المُثلى.
صوت المنادي دعا، فمشى “مارون” لا يبالي بالحواجز والعراقيل، هازئا بالتجاريب ما صعُبت. واثقا ان وراء الأرض مدينتَه، اورشليمَ السماوية، مدينةَ القديسين حيث ترسو سفُنُ النهايات.
رآها بالبصيرة والخيال والشوق والحنين، تتباهى ببهائها البرّاق ، تتألَّق بسندسها اللازورديّ وبجوّها السمنجونيّ الأزرق تتلألأ.
باعتراف المعاصرين والمؤرخين ارتقى مُجترحا المعجزات العظام عبر انصرافه بالجوارح الى العبادة وصرفه الوقت صلاة واستئناسا بالدائم الصمد.
ولأن سيرتَه ملائكية بنى الرهبان والمؤمنون ديرا تكريما لاسمه بعد رحيله من الدنيا سنة 410، وتَخِذوا اسلوبَ سلوكه النسكي ناهجين على غراره درب حياة الزاهدين. وتيمُّنا باسمه حملوا لقب موارنة وهم سريان انطاكيوا الهوية والتراث والتاريخ والانتماء. لحقوا باسقفهم (تودوريطس القورشي) الراجع من مجمع خلقيدونيه في القسطنطينية والموافق على طبيعتي المسيح الكاملتين: اله وانسان. ولأنهم خرجوا عن الرافضين قرارات المجمع الخلقيدوني سنة 451 ابتدأت طريق جلجلتهم الكأداء. اصطحبوا كُنية مار مارون التي خلعها عليهم اخصام عقيدتهم سُخْرا بهم. فاعتبروها وسامَ فخر واعتزاز. حملوا الذل والعار، القهر والفقر من ابناء قومهم وقوميتهم يقينا منهم بشخصية مُقْنِعَةٍ قوامُها: المسيح إله وانسان حسب قول بشير الأمم بولس الرسول:” لم يعتبر مساواته لله اختلاسا، اخذ صورة عبد وشابهنا بكل شيءٍ ما عدا الخطيئة” (فيليبي 2/7).
والأمر المهين ان اصحاب الطبيعة الواحدة رافضي طبيعتي المسيح، عادوا مؤخرا واعترفوا “بعد خراب البصرة” انْ كان الخلافُ لفظي.
وخيار الموارنة كان عهدذاك ان يهربوا من اضطهاد اخوة لهم، فيمَّموا شطر جبالٍ وعرة المسلك عاصية على الغزاة والفاتحين. فكان لبنان ملاذهم ومعقلهم والعرين. قبلوا فضَّلوا شظف العيش وقساوة الطبيعة وشدة الضيق والخشونة على الليِّنات كرمى لحرية عقيدتهم وعقيدة حريتهم مدافعين بشجاعة ولا اعند، على الخنوع وقبول البدَع والهرطقة. ومنذذاك راحوا يكوِّنون كيانا وطنيا ليكون ملجأ اقليَّات مظلومة. عباقرةٌ عمالقة فكر وقداسة وشعر وفن وفلسفة وادب فاغنَوا المعرفة واذهلوا الشعوب بادمغة بوابغهم.
تحاشيا للتطويل نستفسر، اين الموارنة اليوم من آباء واجداد واين السليل من الرعيل؟
علامات استفهام أرجح الظن تبقى من دون جواب. بعد مسار في زمن يختزن ملاحم شهادة واستشهاد وصبر طويل على الظلم والجَور والطغيان، وانكفاء في ارض لا بديل عنها، وجوههم والجبل وخلفهم امتداد البحر، واحراج وصخور ومغاور وحيوانات لا غير. عجيب كيف عاشوا لا مصانع لا معامل لا ماء لا كهرباء لا مخازن لا افران لا غلال. كيف امَّنوا لقمة القوت واين سكنوا في جبالِ جرداء اوكرة للوحوش والضباع؟ واسئلة لا تنتهي. كانوا بالفعل فرسانا وابطالا! وتصفعُنا خسائر الورثة على ساحة الهُنيهة آسفين.
مسارهم كان مسار قديسين. مرت عليه مذابح ونكبات وحلّت بهم كوارث واحتلالات وصمدوا. عاندوا الطامعين والمعتدين وجابهوا بشراسة حتى افترسوا المآسي وافترشوا الأديم مقاومين كل العناصر والضواري والكواسر في سبيل البقاء احرارا.
هل يجوز ان يكونوا في حاضرهم على ما هم عليه من هزائم وإفلاس؟
روحانيتهم جافة سياساتهم فاشلة علومهم فقيدةُ مستوى.
يدعوهم القديس مارون بمثله الصالح ان يعودوا الى جذورهم ويصلحوا احوالهم ويعملوا للآخرة تمهيدا للنزول في مساكن السعداء وان يكتنزوا هناك كنوزا لا تبلى فلا سارقٌ يسرق ولا يُفسِدُ سوس وان يبنوا اخيرا بيوتا مضمونة في السماء مطمئنة مستمرة مستديمة تكتنفها السكينة والغبطة والسلام انظلاقا من وطن أرز الرب المقدس .
بسيرته الانجيلية، يهمس لهم ان يضعوا رصيدهم في مصرف الابرار والاكتفاء بالنعم فييملؤا المصابيح زيتا، وتكون اوساطُهم مشدودوة وسُرهم موقدة لكسب الحياة السرمدية التي ينتظرون فيها قدوم السيد للحساب يوم العرض. ان مُثُولَهم امامه فارغين، اصفار اليدين أخلاء الوفاض بخفي حُنين، دينونة مخزية مخجلة فيرسفون مقيَّدين بسجن العقاب الملتهب.
لم يشأ ان يغنّي مواويلا عالمية ويتمتع بنعيم وهميٍّ هنا، ولا ان يأكل خيراته في حياته ولعازر بلاياه لذلك ضرب كشحا مطلقا عن دنياه.
ليقف قدام ذاته هناك ويفخر بنفسه ويعتز باعمال برٍّ عملها ومعه الزاد والإكليل على الرأس مُشعا كالمنارة بين المنائر حسب الرؤيا
هكذا ينال الخلاص ويسعد في حياة ابدية ممجدة. ودعوته لنا طرح العالم الأرضي وابتذال الزائل وما فيه والسعي لنيل العالم السماوي الخالد.
ماذا يجيب وعي ضمير كل منا على هذه الاسئلة؟
هل نحن صُرَحاء مع نفوسنا؟ مقتنعون بما نحن عليه؟ سعاة الى خلاصنا؟ وهل نصلي كما صلى واستأنس وناجي الله مار مارون؟
هنا الحياة فانية زائلة، اما هناك فباقية خالدة. هكذا تدل حقائق الوجود والمنطق والمسلَّمات. وهذا اليقين كان لديه معيوشا ومتروكا لنا كي نسلك طريقه في سبيل مدينتنا وراء الارض لنعانق روحه القدُّوس ومعه نكون. لذلك نحن قطيعه الروحي يظللنا بجناحيه من دياره ويبارك دُورَنا واديرتنا وديارَنا آملين لا كسب واحدة بل الاثنين معا.

عيد مار مارون
الأب سيمون عساف/09 شباط/2020
يا مار مارون الشفيع المحترم دولابنا بالقِلب فتلاتو بَرَم
لبنان مستنظرصلاتك تنقذو من قبل ما نيران فقرو تنضرم
يا مبتكر نهج التنسُّك بالعَرَاء فوق الجبل عيشِهْ زهيدِهْ اخترتها
فقرك غَنَالك سيرتَك ترْكِةْ ثَرَاء نفسك كريمِهْ بالعباده سترتها
كان الصنم هونيك معبود الوثن تعمَّد”جبل نابو” تكرَّس للصلا
لوما حضورك جدَّدو توبو رَثَن ومصدر بقي للجاهليّهْ وللبلا
لْحافك سماك ارتاح! ارضك فرشتك تيابك فضيلِهْ بالحراره وبالصقيع
وحدو المسيح الحيّ شاغل ورشتك وشمعات ليلك لِلْصِلَهْ نجوم الرقيع
وتطوي المراحل ما حدا يعكِّر سماك بحضن السكينِهْ تحدّثو وتخاطبو
ياما سهم ابليس بالوحشِهْ رماك ترسك قداسِهْ بإِبتهالك عاطبو
تنشد خلاص الناس ليلك والنهار تطلب من الخالق مراحم يستجيب
بيناتكم جسر التواصل ما انهار ومتل الكأنَّك رايح البركِهْ تجيب
تمشي المسيرَهْ تسامرو وتحكي معو حاضر معك طول الطريق مْرافقك
بالريح يهمس وشوشات وتسمعو وحتى العناق يتم يِشعَل خافقك
ياما عجايب تجترح مع معجزات نفس وجسد تشفي الكتار اليقصدوك
كل الملايك بعد كل المنجزات كوكب سماوي بْكَون فاني بيرصدوك
بالقورشيّهْ كنت ملجا للجميع بركة صلاتك للبشارَهْ وللهُدى
الأجيال بتناديلك تكون السميع لبِّي نِداها ما لِها غيرك حدا
بيستشفعك لبنان والشعب البريء نَهْبو الحرامِيِّهْ السوافل خزنتو
بدّنا مُداخلتك انت وحدك جريء ترْجع تبحبح بالخزينِهْ وزنتو
الإفلاس خيَّب كل آمال العباد دخلك علينا طل بدنا دعمتك
تخمين غيرك مين إلنا سندباد بقلب السما تحَّنن علينا بنعمتك
ردّ البلا والضيق عنا والفتن والجوع واليأس وجَراثيم المرض
لبنان شعبو بمجدك العالي انفتن عينو بظروفو القاهرهَْ وأُقضي الغرض
شربل نعمة الله انت رفقا كمان صونو الجماعَهْ وساعدونا واحفظو
عِزِّة مجد لبنان هيكل للأمان كلمه اذا قدَّام الله بتلفظو
عيدك لنا اسطع مناره بالظلام ساعد بنيك وكل مؤمن طالبك
خلّي السفينه تعود عا مينا السلام وبشّر لصوص الهيكل وللأرز قول
يخزي وجه جزار مجرم صالبك