جنى الدهيبي/سناء الشيخ.. فلتُكسر اليد التي ضربتها

160

سناء الشيخ.. فلتُكسر اليد التي ضربتها
جنى الدهيبي/المدن/19 كانون الثاني/2020

في يوم الغضب الكبير الذي عاشته بيروت ليلة السبت، وشهدت في أثنائها تصعيداً قمعياً بالغاً ومواجهات بين المتظاهرين والقوى الأمنية، التي وقفت درعًا حاميًا للسلطة ومجلس نوابها.. تحولت صورة الشابة سناء الشيخ وما أصابها إلى تجسيد فعلي ومشهدي لما هي عليه الثورة وما هي عليه السلطة. هذه الشابة الثائرة، بشعرها الطويل وجسدها النحيل، تحولت إلى رمز للبطولة الثورية وللثوار الذين واجهوا بأجسادهم الحيّة آلة السلطة العنيفة والقمعية. انتشرت صور سناء كالنار في الهشيم. “البطلة” الجديدة كانت تختزل كل ما حدث ولا تلغي البطولات التي أبداها كل من كان في وسط بيروت ليلتها.

مجرد قفزة!
ليلة السبت ولدت أيقونة جديدة لثورة 17 تشرين.
وكعادة “الأبطال” الذين لا يتقصدون هكذا دور، لم تكن تلك المرة الأولى التي تأتي فيها سناء من مدينتها طرابلس إلى وسط بيروت، للمشاركة بثورتها منذ ما بعد 17 تشرين الأول 2019. جاءت يوم السبت ووجدت نفسها في المواجهة. جاءت سناء كي تكون فردًا مشاركًا في التظاهرة الكبيرة التي جابت شوارع بيروت، قبل أن تستقر أمام مجلس النواب، بغية اقتحامه.

في تلك اللحظة، وجدت أن الأسلاك الحديدية والشائكة التي نصّبتها القوى الأمنية وشرطة المجلس لا يمكن أن تكون عائقاً.. لا يمكن أن تكون فاصلًا “عنيفًا” بين مجلس النواب في ساحة النجمة والمتظاهرين.

في خطوةٍ لم يتجرأ عليها إلا القلّة، بادرت سناء وتسلقت على هذه الأسلاك الحديدية رغم ارتفاعها. كانت تظن أن الأمر مجرد قفزة وتسير بعدها إلى المجلس، لو لم تنهال عليها عناصر من القوى الأمنية بالضرب المبرح بالعصي.
أصيبت سناء تسع مرات، في يديها وظهرها وكل أنحاء جسدها.

العودة إلى الساحة
سناء البالغة 29 عامًا، ليست شابةً عادية. وهذه القوّة التي أظهرتها أمام المجلس، متأصلة في شخصيتها. شابة رياضية تلعب كرة القدم، وحائزة على شهادة دولية من الاتحاد الأسيوي “الفيفا”، وهي حكم بالاتحاد اللبناني، ومدرِّبة منذ نحو 15 عامًا، وحائزة على إجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية، ولديها أكاديمية رياضية في طرابلس باسم “سناء ستار”.

في صباح يوم الأحد، ورغم أنّ سناء بالكاد تقوى على الكلام نتيجة وضعها الصحي وسعالها وتضررها من الغاز المسيل للدموع، كانت تحضّر نفسها على عجلٍ كي تتوجه مجددًا من طرابلس نحو بيروت، للمشاركة في “أحد الغضب” الكبير.

من المعركة إلى المستشفى
تروي سناء لـ”المدن” تفاصيل ما حدث معها، وسط كلّ هذا العنف الذي عاشته بيروت. تقول: “أحرص دائما على المشاركة في كلّ الحركات الاحتجاجية داخل العاصمة، وتحديدًا بعد انتفاضة 17 تشرين. بالأمس (السبت)، استفزني جدًا مشهد الحديد الشائك في وجهنا، وهو كان تأكيدًا وترسيخًا للعنف ضدنا”. فجأةً، قررت سناء التسلق على الحديد، وإذ بها تصطدم بأربع عناصر من القوى الأمنية يقومون بضربها بالعصي. تضيف: “في هذه اللحظة صرخ لي رفاقي حتّى أنزل، وأنا لم أكن خائفة بالمطلق، فوقفوا مذهولين بي”. نزلت سناء، ثمّ عادت نحو الأسلاك الشائك وسألت القوى الأمنية غاضبةً: “مين ضربني؟”. أجابها أحدهم “أنا”، وسخر منها قائلًا: “شو مبسوطاااع”. ذهبت ثمّ عادت، فرشّها أحدهم بالسبراي الأحمر على وجهها، وأخذها رفاقها إلى الصليب الأحمر. لم تيأس سناء ولم تهدأ رغم ألمها، توجهت مرة أخرى نحو القوى الأمنية وقالت لمن ضربها: “أنت منك زلمة طلاع واجهني برا الأسلاك”، فوجّهوا عليها خرطومًا من المياه، ناهيك عن الكلام الذكوري والشتائم التي نعتوها بها، وفق روايتها. ومع تقدّم ساعات الليل، اختبأت سناء خلف إحدى حاويات النفايات أمام بيت الكتائب، لتتفاجأ بأحد العناصر يطلق عليها ضربًا مطاطيًا بظهرها من الخلف، ما أدى إلى نقلها إلى مستشفى أوتيل ديو.

سناء التي تدعو كلّ فتاة وامرأة للنزول إلى الشارع من دون خوف أو تردد، “لأنّ معركتنا الوطنية واحدة”. وتؤكد أن العنف المبرح الذي تعرضت له ضاعف حماستها على الاستمرار في المواجهة والثورة: “إلى حين سقوط هذه السلطة كاملةً”. تتابع: “نحن لم نطالب بعد إلا بأدنى حقوق الإنسان للعيش بكرامة، صحيًا ومعيشيًا، في هذه الدولة التي تستمر بإذلالنا وتجويعنا. والعنف الثوري أصبح اللغة الوحيدة التي يمكن لنا أن نتعاطى بها مع سلطة وقحة. وإذا استمرينا ونزل الشعب اللبناني كاملًا إلى الشارع، فلن نتأخر في إسقاط المنظومة السياسية برمتها”.

الحريري و”المرتزقة”
تأسف سناء أن تلجأ جهات وفئات إلى وصف أهالي الشمال بالمخربين والمندسين. أمّا عن الرئيس سعد الحريري الذي اعتبر ما شهدته العاصمة ناتج عن أعمال تخريبية قامت بها مجموعة أسماها بـ”المرتزقة”، تردّ سناء: “هؤلاء المرتزقة، هم أنفسهم الذين كان يجول عليهم الرئيس الحريري وغيره لكسب أصواتهم في الانتخابات، وهؤلاء هم أنفسهم من تلقوا وعدًا بنيل 99 ألف وظيفة، وهؤلاء هم أنفسهم نزلوا إلى بيروت في باصات من دون أن يملكوا ألف ليرة لبنانية في جيبتهم، وإن لم يغضبوا فإنهم حتمًا سيموتون من الفقر والجوع”.

تختم بالقول: “اليوم في أحد الغضب، سأكون مع كلّ رفاقي الثوّار ومن كلّ مناطق لبنان، أكثر عزمًا وإرادة للاستمرار في الثورة ضد هذه السلطة وكلّ أركانها”.