المطران الياس عودة: نأسف لأن مدبري شعبنا لا يأبهون إلا لخلاص أنفسهم وتدفئة كراسيهم

89

متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الارثوذكس المطران الياس عودة: نأسف لأن مدبري شعبنا لا يأبهون إلا لخلاص أنفسهم وتدفئة كراسيهم
وطنية – الأربعاء 25 كانون الأول 2019

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الارثوذكس المطران الياس عودة خدمة قداس الميلاد في كاتدرائية القديس جاورجيوس. بعد قراءة الإنجيل المقدس ألقى عظة قال فيها: “المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة. إخوتي الأحبة، في هذه الذكرى المباركة، ذكرى ميلاد ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، أتضرع إليه معكم كي يحل السلام في أرضنا، ويجعلنا مؤهلين للمجد الإلهي، ولكي ينعم لبناننا الحبيب، والعالم أجمع بالمسرة، لأن الفرح النازل من السماء هو الفرح الحقيقي الذي لا ينتزع منا”.

اضاف: “نقرأ في سفر الرؤيا، السفر الأخير في الكتاب المقدس: “قال الجالس على العرش: ها أنا أصنع كل شيء جديدا” (21: 5).

وإن كنا نؤمن بالرب، نؤمن بأن كلامه صادق، وهذا ما نقرأه أيضا في الرؤيا: “إن هذه الأقوال صادقة وأمينة” (21: 5).

يخبرنا الرسول يوحنا، الذي ينسب إليه سفر الرؤيا، ما سمعه، فيقول: “سمعت صوتا عظيما من السماء قائلا: هوذا مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم، وهم يكونون له شعبا، والله نفسه يكون معهم إلها لهم. وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم، والموت لا يكون فيما بعد، ولا يكون حزنا ولا صراخا ولا وجعا في ما بعد، لأن الأمور الأولى قد مضت” (21: 4-3).

أما خاتمة سفر الرؤيا فهي نداء من قلب موجوع يصرخ: “تعال أيها الرب يسوع” (22: 20)”.

وتابع: “منذ قليل رتلنا: “قد ولد من أجلنا صبي جديد، وهو إلهنا قبل الدهور”. لماذا الرب يسوع هو صبي جديد؟ وما هي الجدة التي حملها إلى الأرض بولادته؟ لقد حمل إلينا الرب يسوع حرية أبناء الله، وهذا مفهوم جديد عرفته البشرية التي كانت خاضعة للحرف والناموس، بشكل عبودي.

سمعنا في رسالة اليوم: “بما أنكم أبناء، أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخا: يا أبا الآب. فلست بعد عبدا، بل أنت ابن، وإذا كنت ابنا فأنت وارث لله بيسوع المسيح” (غلاطية 4: 6-7).

إذا، الجديد الذي أتانا به المسيح، بميلاده، هو البنوة، رافضا مبدأ العبودية، ومرسيا مبدأ الحرية التامة الحقيقية”.

واشار الى ان “مفهوم الجدة ليس غريبا عن الكتاب المقدس، لأن العهدين القديم والجديد يذخران بالحديث عنه، إلا أن التجديد حصل عندما لم يفهم الشعب كلام الله النظري الذي أرسله إليهم عبر أنبيائه ومختاريه، فأحدث صدمة كبيرة بنزوله من عليائه وتجسده، لا في قصر ولا على فراش من حرير، بل في مذود حقير. الجديد كان إقران القول بالفعل، الأمر الذي لم يكن الشعب معتادا على تطبيقه، إذ كان يسمع كلام الرب في الهيكل، ثم يخرج دون محاولة تطبيقه. ألا نقوم اليوم بالمثل؟!

وتابع: “قال النبي حزقيال: “وأعطيهم قلبا واحدا، وأجعل في داخلكم روحا جديدا، وأنزع قلب الحجر من لحمهم، وأعطيهم قلب لحم، لكي يسلكوا في فرائضي ويحفظوا أحكامي ويعملوا بها، ويكونوا لي شعبا، فأنا أكون لهم إلها” (11: 19-20).

قول النبي واضح. الشعب الذي ينسب نفسه إلى الله ويدعي الإيمان بالله لا يمكنه أن يمتلك قلبا حجريا. الشعب الذي يحفظ ناموس الرب يطبقه. كيف؟ بأن يكون كل شخص من هذا الشعب واحدا مع أخيه الإنسان، وأن يكون قلبا واحدا مع جميع أترابه.

البشرية التي خلقها الله، أعطاها الرسول بولس صورة الجسد الواحد لهذا الخالق الواحد القدوس قائلا: “أنتم جسد المسيح، وأعضاؤه أفرادا” (1كورنثوس 12: 27)، وأعضاء هذا الجسد يهتم بعضهم ببعض، ولا يحتقر بعضهم بعضا، مهما بدا هذا العضو مهما والآخر “بلا كرامة” (1 كورنثوس 12: 23).

علينا إذا ألا نهمل بعضنا بعضا “لكي لا يكون انشقاق في الجسد، بل تهتم الأعضاء اهتماما واحدا بعضها ببعض. فإن كان عضو واحد يتألم، فجميع الأعضاء تتألم معه، وإن كان عضو واحد يكرم، فجميع الأعضاء تفرح معه” (1كورنثوس 12: 25-26).

ولكي نحول قلوبنا الحجرية إلى قلوب لينة يدعونا النبي حزقيال قائلا: “إطرحوا عنكم كل معاصيكم، التي عصيتم بها، واعملوا لأنفسكم قلبا جديدا وروحا جديدة” (18: 31)”.

اضاف عودة: “الجدة، يا أحبتي، لا تصلح أن تجتمع بالعتاقة، لأن قيمتها لن تظهر، وستبدو بلا فائدة إن طعمنا بها القديم. لذلك، متى أردنا التجديد، فإننا لا نترك أثرا لأي قديم كي لا يفسد القديم الجديد، فنقول: ليتنا لم نجدد. ألا تذكرون قول الرب: “ليس أحد يجعل رقعة من قطعة جديدة على ثوب عتيق، لأن الملء يأخذ من الثوب، فيصير الخرق أردأ. ولا يجعلون خمرا جديدة في زقاق عتيقة، لئلا تنشق الزقاق، فالخمر تنصب والزقاق تتلف. بل يجعلون خمرا جديدة في زقاق جديدة فتحفظ جميعا” (متى 9 : 16-17)”.

وقال: “ما الجديد الذي حمله ميلاد ربنا أيضا؟ لقد قال الرب يسوع: “وصية جديدة أنا أعطيكم: أن تحبوا بعضكم بعضا. كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضا بعضكم بعضا” (يوحنا 13: 34).

هذا الكلام على المحبة يسبقه فورا فعل محبة عظيم. لقد غسل الرب أرجل تلاميذه قبل أن يعلمهم كيف يحبون بعضهم بعضا. علمهم أن القيادة الحقيقية هي في التواضع المنبثق من المحبة وفي التضحية التي لا حدود لها. فأنا لا أستطيع أن أطلب من أحد شيئا إن لم أقم به أولا. هل هذه حال البشر؟ هل هي حال قادة الشعب؟ لقد تجسد المسيح ليعلمنا كيفية استعادة الألوهة التي فقدناها بالمعصية، وقد كانت الأنانية والكبرياء سببها الأول.

أحبنا الله حبا لا حد له، وأوصانا القيام بالمثل: “لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية.

لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص به العالم” (يوحنا 3: 16-17).

وقد ذكر الرب إلهنا تلاميذه بهذا الأمر قبل صلبه قائلا: “ليس لأحد حب أعظم من هذا: أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه” (يوحنا 15: 13).

أما بولس الرسول فيذكرنا بعظمة هذا الأمر قائلا: “لأن المسيح، إذ كنا بعد ضعفاء، مات في الوقت المعين لأجل الفجار. فإنه بالجهد يموت أحد لأجل بار. ربما لأجل الصالح يجسر أحد أيضا أن يموت. ولكن الله بين محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا” (رومية 5: 6-8)”.

اضاف: “أحبائي، لا يمكننا الكلام على الميلاد من دون الحديث عن الموت. في أيقونة الميلاد نرى المسيح ملفوفا بأقمطة، رمزا للأكفان التي سيلف بها عند موته، كما نشاهده موضوعا في مغارة مظلمة ترمز إلى القبر. أما المجوس، الذين قرأنا في إنجيل اليوم عن زيارتهم، فمن الهدايا التي قدموها للطفل الإلهي المولود، مر يرمز إلى حنوط الدفن.

إن لم تمت حبة الحنطة لا تنمو سنبلة مثمرة، وإن لم تتألم المرأة لا تلد طفلها. هكذا وطننا، لن يولد من جديد دون المرور بمخاض عسير وآلام صعبة. لكننا نأسف لأن رعاة هذا البلد لا يتمثلون بآدم الجديد، الملك المولود في التواضع والصمت. نجدهم يفضلون التمثل بآدم الأول، الذي أسقطته كبرياؤه في موت الخطيئة، فجر العالم كله معه.

رأينا مسيحنا قد غسل أرجل تلاميذه ومات من أجلهم موت العار على الصليب، لكي يرفعهم من آلامهم، لكن مدبري شعبنا لا يأبهون إلا لخلاص أنفسهم، وبدلا من نشر الدفء في قلوب المواطنين، وإعطائهم أدنى حقوقهم، نجدهم يهتمون فقط بتدفئة كراسيهم، عروشهم، التي يخافون فقدانها.

وبدلا من بث الطمأنينة يبثون الخوف والهلع من انهيارات إقتصادية وإجتماعية ومالية.

بدلا من تحملهم مسؤولياتهم، يؤلبون الشعب على الكنيسة ليطالبوها بما هو واجب الدولة.

هنا لا بد من الإشارة إلى أن الكنيسة لا أحد يعلمها ما يجب أن تفعل سوى ربها يسوع المسيح، وهي تقوم بما طلبه الرب وتعمل بحسب وصيته القائلة: “أما أنت فمتى صنعت صدقة فلا تعرف شمالك ما تفعل يميك” (متى 6: 3)”.

القلوب اللحمية أصبحت عملة نادرة في بلادنا، وجميعنا نقف مشدوهين أمام مشاهد الصنمية المستشرية. فالقلوب أقسى من الصخر، وإستعباد المواطنين من أجل الوصول إلى مبتغى الزعماء لا حد له. وإن لم يذعن المواطن يهدد بمصدر رزقه أو لقمة عيشه أو مستقبل أبنائه.

أما مفهوم الوحدة في الجسد اللبناني الواحد فغريب عن عاداتنا. كل عضو من هذا الجسد يظن أنه الأفضل، وأن الجسد لا يحيا من دونه، بينما يمكنه العيش من دون الأعضاء الأخرى. مبدأ “الأنا” متجذر في كياننا، ومن أجل المصلحة الخاصة يضحى بالوطن.

نبذوا المحبة، أساس الوحدة، نبذوا الله الواحد، ونصبوا أنفسهم آلهة مكانه. فهل من أحد سيتمثل بالمسيح الذي صلب لأنه أحب؟ هل من يضحي بنفسه من أجل الخير العام؟

نعود ونعلي صرخة القلب الموجوع قائلين: “تعال أيها الرب يسوع”، تعال وأنقذنا، لأنه ليس لنا في الأحزان معين سواك. آمين”.