نادر فوز: لبنان على عتبة الدولة البوليسية وهوس بقمع جبل لبنان/أيمن شروف: محاولات مكثفة لشيطنة طرابلس مجدداً

105

محاولات مكثفة لشيطنة طرابلس مجدداً
أيمن شروف/المدن/لأربعاء 11 كانون الأول/2019

لبنان على عتبة الدولة البوليسية.. وهوس بقمع جبل لبنان
نادر فوز/المدن/لأربعاء 11 كانون الأول/2019
في عزّ الثورة، من الطبيعي أن تلجأ السلطة إلى تحريك أذرعها الأمنية، للجم أي حركة شعبية جدية في أي منطقة كانت. ما حصل منذ أسبوع إلى اليوم يدلّ على أنّ السلطة تسلك هذا المسار. في الناعمة وسعدنايل في الأيام الأخيرة، لاحقت العناصر الأمنية الناشطين إلى منازلهم. تعاملت مع القسم الأكبر منهم بطريقة وحشية، وغير أخلاقية، شابها الضرب والسُباب. ثم أعيد إطلاق سراحهم من دون معرفة أسباب توقيفهم حتى. ليل الثلاثاء، جاء الدور على منطقة جونيه. في مناطق مختلفة، بين يسوع الملك وغزير، تعامل الجيش اللبناني مع الناشطين بقوة واعتقل أربعة شبان، هم إيلي هيكل، جاد بو نصرالدين، كارلوس زغيب وجيلبير عسيلي. وبعد التحقيق معهم أحيل الأربعة إلى مخفر قوى الأمن في صربا. وما يكرّس بوليسية الدولة في حادثة جونيه، أنّ النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضية غادة عون (والمعروفة بميولها السياسية) قررت استمرار توقيف المعتقلين الأربعة حتى صباح الأربعاء. فكانت انتفاضة شعبية جديدة في جونيه، هبّت فيها الناس وقطعت الطرقات لإطلاق سراح أبنائهم ورفاقهم الثوار.
القضاء في خدمة السلطة
قرار عون هدفه ليّ ذراع كل منتفض، وكل من يجرؤ على التعبير بسلمية عن معارضته للسلطة وحكّامها. لا يمكن فهم قرارها إلا على هذا النحو. فالموقوفون، من بين آلاف شاركوا في قطع الطرقات خلال أسابيع الثورة. لم يعتدوا على أملاك عامة ولا خاصة، ولم يعاملوا القوى الأمنية بالشدّة، بل العكس حصل. وفي اللغة المحكية يحاول القضاء “تربية” المتظاهرين خدمة للسلطة. فالحائط المسدود الذي وصلت إليه أحزاب الحكم، عريض وسميك. توافقاتها وتسوياتها لم تعد تجدي نفعاً لخرقه. كما أنّ حلولها معدومة للخروج من أزمة اقتصادية ومالية واجتماعية، باتت تحثّ الناس أكثر على الخروج إلى الشارع. نجحت هذه السلطة في إلهاء الناس بأولوياتها اليومية من تأمين لقمة العيش وسحب الدولار من مسارب المصارف والخوف من أزمة المحروقات. لكن هذه كلها علاجات مؤقتة، ستنتهي صلاحيتها بغضون أيام. فجيش البطالة يكبر، وكذلك أصحاب الأمعاء الخاوية، في فصل شتاء بدأ يشتدّ حاملاً معه البرد ومتطلبات مكافحته.
تفاصيل النمط البوليسي
قبل أيام لاحقت الأجهزة الأمنية، وتحديداً الجيش، الناشطين في شوارع الناعمة. دخلت بيوتهم واعتقلت بعضهم. أما في سعدنايل، فكان المشهد أكثر وحشية. عند الخامسة فجراً من يوم الأربعاء 4 كانون الجاري، عمل الجيش بواسطة جرافات وآليات على فتح الطريق العام. وعند السابعة صباحاً، كانت جموع البلدة بدأت بالتجمهر من أجل إعادة قطعتها. أتمّوا المهمة في نقاط عدة وسط علميات كرّ وفر من الجيش. كانت العناصر تفتح الطريق عند نقطة، فتٌقطع عند أخرى. لتنسحب بعدها وحدات الجيش من الطريق العام، وتدخل في زواريب البلدة وتتغلل داخلها. ثم انقضّت على المتجمهرين ولاحقتهم في الطرقات الفرعية والداخلية. ضربت واعتقلت كل من تواجد في الشارع، حتى النساء. وكانت الغلة اعتقال 16 ناشطاً. منهم قصرّ كانوا ذاهبين إلى المدرسة، إضافة إلى ثلاثة سوريين كانوا متوجّهين إلى أعمالهم. كان الضرب مبرحاً، وكذلك سيل الشتائم. وحسب أحد الشبان الذين أوقفوا، تعامل أحد العناصر مع الموقوفين ببذاءة فائقة وصلت حد الطلب من بعضهم “قول عون ربّك”. طبعاً هذه الحادثة تحديداً متروكة لقيادة الجيش وضباطها. وعلى الطريق من سعدنايل إلى ثكنة رياق، كان الضرب شغّالاً، وتوقف عند الدخول إلى الثكنة. أُجري مع المعتقلين تحقيق بدائي، حول هوياتهم وأسمائهم وما هدف وجودهم في الشارع عند وقوع الحادثة. ثم أعيد الإفراج عنهم عند الثالثة من بعد الظهر، بعد قطع أهالي البلدة الطريق بالكامل والتفاوض لإطلاق سراح أبنائهم. لم يعرف المعتقلون أسباب توقيفهم، لكنّ الأكيد أنّ ضغط الشارع وقطع الطرقات كانت سبب حريّتهم بدل إحالتهم إلى ثكنات أخرى أو إلى مخافر قوى الأمن.
الساحة المسيحية وخصوصياتها
وفي كسروان، لم يأت توقيف الناشطين الأربعة أمس من فراغ. سبق ذلك تعامل الجيش مع قطع للطرقات بشدّة وفتحها بالقوة. وسبقه أيضاً مشهد أمني مريب ليل الأحد – الإثنين استباقاً لأي حركة ميدانية معارضة للاستشارات النيابية التي عادت وتأجلت. فحسب أكثر من ناشط من كسروان، انتشرت حواجز الجيش في المنطقة بشكل مدروس. إذ ضيّقت الحركة على الناس على نحو واضح. وعلى تلك الحواجز كانت العناصر تدقّق بالأسماء وتحاول مطابقتها مع أسماء مطلوب توقيفها. أما البيان عن الجيش فيقول إنه تدابير أمنية اتخذت تلك الليلة وأوقف خلالها 24 لبنانياً و93 من جنسيات مختلفة “لتورّطهم في جرائم متعددة، منها الإتجار بالمخدرات وتهريب وحيازة أسلحة وممنوعات، والتجوّل داخل الأراضي اللبنانينة من دون إقامات شرعية”..
الحسابات السياسية
اللافت في الحركة الأمنية قبل قطع الطرقات وأثناءها وبعدها في جبل لبنان، أنّ القوى الأمنية تتعامل مع منطقة جبل لبنان بالشدّة. ضرب واعتقال وملاحقات لا يمكن تفسريها إلا من باب لجم المناطق المسيحية، ومنعها من مؤازرة الثوار في باقي المناطق. حساسية هذه المنطقة تحديداً تكمن في أنّ حركتها قوضّت العهد في الأسابيع الأولى للثورة، وبعثت برسالة واضحة إلى رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحرّ الحاكم. وبالتالي تعقيد الأمور على المنتفضين في هذه المناطق أمر طبيعي، يهدف أولاً إلى حصر تراجع شعبية التيار الوطني الحرّ، ومنع محاصرته سياسياً. وثانياً ضرب حركة معارضيه السياسيين، مستقلّين كانوا أو محازبين. وثالثاً، إخماد الثورة في هذه المناطق، من أجل تصوير الحركة الشعبية وكأنها من لون طائفي واحد (طرابلس، البقاع الأوسط، ساحل الشوف). وهي محاولة ستفشل طبعاً، وأبرز دلائلها حركة الناس في جونيه الثلاثاء. وإذا كان بالإمكان تخويف الناس عبر الضرب والاعتقال، فإنّ الانتشار الأمني وإقامة الحواجز يحمل رسائل سياسية للمعنيين. للقوات اللبنانية تحديداً. فوفق نظرة قيادة التيار وأنصاره، ليس من محرّك للشارع في المناطق المسيحية سوى القوات اللبنانية. لا يريدون سماع حقيقة أنّ الجمهور نزل في كل لبنان ومن كل الطوائف ضد الفساد ونهب المال العام. وكأنّ التيار، وأعوانه في السلطة والمؤسسات، يشنّون حرب إلغاء جديدة. أو بالأحرى يستكملون حربهم السابقة التي خرجوا منها مهزومين. قراءتهم للأمور محدودة ولا ترى إلا عدواً واحداً. أو بالأحرى يتعاملون مع كل الأمور وفق منظور العدو الواحد، في حين أنّهم يواجهون شعباً كاملاً.

محاولات مكثفة لشيطنة طرابلس مجدداً
أيمن شروف/المدن/لأربعاء 11 كانون الأول/2019
زيارة طرابلس زمن الثورة، أشبه بإعادة اكتشاف المدينة من جديد. بالأحرى، هو اكتشاف الحقيقة التي طمسها السياسيون بألعابهم الخبيثة. اكتشاف معدن الناس وصلابتهم. زيارة المدينة هي إعادة تعريفها وإخراجها من الشيطنة التي سيقت إليها غصباً، نزولاً عند مصالح سياسيين محليين وغير محليين، حوّل تلك المساحة الجميلة إلى أرض تبادل رسائل أمنية – مذهبية -سياسية. هذا تحديداً ما سقط في 17 تشرين. وهذا ما يعمل الطرابلسيون على منع تسلّله مجدداً تحت أي ذريعة كانت.
الأجهزة وأزلامها
المدينة الخارجة إلى الحياة بعد 17 تشرين لا تُشبه كل ما كان يحاولون إلصاقه بها، وما هم اليوم على استعداد ليقوموا به مجدداً، من أجل إعادة تطويعها. مدنيّتها وتعددها وانفتاحها وقبولها لكل ما هو مُختلف، كلها لم تكن موجودة في أذهان اللبنانيين عند الحديث عن عاصمة الشمال. طرابلس بالنسبة لعديد من اللبنانيين هي مرادف للتطرف الديني. هكذا عملت الأحزاب ومعها الأجهزة على تكريس هذه الصورة، التي استغلوا فيها فقر الناس وعوزهم من أجل مصالحهم الشخصية، وهكذا يحاولون اليوم العودة إليها من الباب ذاته. تقف المدينة اليوم كما الثورة أمام التحدي الأبرز: الصمود بوجه السلطة وأجهزتها. هذه السلطة التي هالها ما يحصل في منطقة كانوا يعتبرونها حديقتهم الخلفية، وإذ بها تتحول إلى مكسرهم. هؤلاء، يُجندون الآن كل شيء من أجل استعادة المدينة وإعادتها إلى مستنقع الخضوع. كيف؟ بالأجهزة أولاً، بأزلام هذه الأجهزة ثانياً، وبالمحازبين الذين لم يُدركوا بعد أن ما يحصل اليوم هو أكبر بكثير من حزب أو تيار، وهم أقلية أمام ناس الثورة. محاولات بدأت تتضح شيئاً فشيئاً مع مرور الوقت ومع استمرار الدفع بالمدينة لتكون منطقة معزولة عن كل ما حولها، توازياً مع ألعاب خبيثة تُمارس فيها وتحريض حزبي لجماعاتهم الذين يقتاتون على مثل هذه الأعمال. جميل مشهد المدينة المنتفضة. لكن هذا الواقع يجب ألا يُسقط من الحسبان كيفية استغلاله من قبل الحاقدين على المنتفضين. هؤلاء يوزعون الأدوار بعناية. إذ أنهم بدأوا حملة خبيثة الهدف منها إظهار المدينة وكأنها الوحيدة المنتفضة، وأن كل المناطق الباقية تقف متفرجة. وهذا هدفه واضح: تعميم نقمة الطرابلسيين على باقي المدن، من أجل الانتقال إلى المرحلة الثانية، وهي إقناع الناس أن بقاءهم في الشارع وحيدين سيكون له ثمن غال، وبالتالي فرض تسلل الخيبة ومعها الخوف إلى نفوس الطرابلسيين، تمهيداً لإعادتهم إلى بيت الطاعة الطائفي المذهبي، مع وعود متكررة بمساعدات لم تأت ولن تأتي طبعاً.
دور ربيع الزين
إضافة إلى هذه المحاولة التي بدأت تتضح معالمها، يعود دور المدعو ربيع الزين المريب. يخرج إلى الناس ليدعوهم لحرق أنفسهم تعبيراً عن اعتراضهم على السلطة، يدعو الناس للانتحار، وليزكي حقد الناس على جلاديها، لكي يُعطي للأجهزة التي على ما يبدو هو أكثر المرتبطين بها، فرصة التسلل أكثر إلى الساحة. وتوازياً مع هذا الأمر، يستغلّ قدراته المالية من أجل تكوين مجموعات تأتمر به، مستفيداً من حاجتهم إلى المال، كما كانت تفعل السلطة السياسية تماماً. ويطلب منهم قطع الطرق وإقفال كل مداخل المدينة. أي بما معناه إقفال الطرق على الطرابلسيين أنفسهم، وهذا ما ظهر جلياً يوم الاثنين 9 كانون الأول.
قرر ربيع الزين أن يكون الحاكم بأمره هناك. لكنه ليس وحيداً ولا يعمل من تلقاء نفسه. هو محاط بمن يُعبدون له طريق عزل المدينة، تمهيداً للاستفراد بها. وهو، يلتقي مع كل التيارات السياسية التي تريد الهدف نفسه: تركيع الثورة وعاصمتها. هذا التنظيم في العزل، محط شك كبير، خصوصاً في ظل واقع عدم قدرة أي مدينة أخرى في لبنان على القيام بهذا الأمر. قدرة كانت بالأمس مدعاة دهشة، صارت اليوم محل شك. وأيضاً، ومع ارتفاع شجرة الميلاد في المدينة، هناك من بدأ بمحاولة استغلال هذا الأمر، من أجل تجييش الطائفيين ليقوموا بعمل عدواني، يُكرّس أيضاً ما تريده السلطة، ويُسهم في إعادتها إلى مربع ما قبل ثورة 17 تشرين، إلى حزام البؤس والحرمان. طرابلس عاصمة الثورة أمام تحدٍ كبير ومفصلي في الأيام المقبلة، نأمل أن تتخطاه. الثورة أمام امتحان احتضان طرابلس والوقوف إلى جانبها، وعليها أن تنجح، لا مفر.