وليد شقير/الأميركيون لم يقولوا إنهم ضد دخول حزب الله الحكومة والمجتمع الدولي يفتقد شريكاً يسمح له بدعم لبنان في غياب حكومة غير مستفِزة

56

الأميركيون لم يقولوا إنهم ضد دخول “حزب الله” الحكومة والمجتمع الدولي يفتقد شريكاً يسمح له بدعم لبنان في غياب حكومة غير مستفِزة
وليد شقير/انديبندت عربية/02 كانون الأول/2019

بات واضحاً أن النجدة الدولية للبنان على الصعيدين المالي والاقتصادي لن تصل، إلاّ إذا تألّفت حكومة جديدة، وبسرعة. هذا ما يردّده معظم المسؤولين في عواصم الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، سواء في عواصمها أو عبر دبلوماسييها في بيروت، وهذا ما تشدّد عليه باريس التي تتولّى الاتصالات من أجل تأمين عقد اجتماع لـ”مجموعة الدعم الدولية للبنان”، بغية البحث في سبل مساندته للخروج من الأزمة المالية التي وقع فيها.

ومع أنّ باريس لم تقل إنها لن تبادر إلى الدعوة لعقد الاجتماع إذا لم تتشكل الحكومة، فإن الدبلوماسيين الغربيين الذين يتابعون الشأن اللبناني يتساءلون إذا كان مفيداً عقد مثل هذا الاجتماع قبل أن تتألف الحكومة، لأن الانطباع العام الذي تتركه أسئلة العواصم الكبرى، يتمثّل في الخشية من عدم تمكنها من تحديد كيفية مساعدة لبنان، إذا لم يكن هناك في البلد شريك للمجتمع الدولي للبحث معه في سبل إنقاذه من الانهيار. ويقول مصدر دبلوماسي رفيع لـ “اندبندنت عربية” إنه مقابل أن تساعد الدول القادرة لبنان في إدارة أزمته، فإن الشريك المحلي الذي عليها التعاون معه في هذا الشأن غير موجود بغياب حكومة.

بيان مجلس الأمن
ويبرز الاهتمام بالوضع اللبناني من خلال حركة الدبلوماسيين الأجانب في اتجاه المسؤولين كافة، ومن خلال إجماع الدول الأعضاء في مجلس الأمن أيضاً على البيان الصحافي الذي صدر عنه في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، لمناسبة مناقشة أعضائه تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حول تطبيق قرار المجلس رقم 1701، والذي تناول أعضاؤه الأزمة اللبنانية منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية في 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وانعكاساتها على مستقبل الوضع في البلاد. فالبيان رأى أن لبنان يمر بوضع حرج وأن أعضاء المجلس شدّدوا على تشكيل حكومة جديدة في وقت قريب، في إطار الدستور، بإمكانها التجاوب مع تطلعات الشعب وإعادة الاستقرار. كما لم يخلُ البيان الدولي من التأكيد على قيام حوار وطني والإبقاء على سلمية التظاهرات عبر تجنب العنف واحترام حق التجمع والاحتجاجات، فضلاً عن امتداحه دور الجيش اللبناني وسائر المؤسسات الأمنية في حماية هذا الحق.

لا إدارة للأزمة المالية الاقتصادية
إلاّ أنّ ما يثير قلق الدبلوماسيين المهتمين بالأزمة اللبنانية هو أنهم لا يرون إدارة فعلية للأزمة الاقتصادية المالية، علماً أنه سبق لهم أن طالبوا لبنان بتنفيذ التزاماته في ما يتعلّق بالإصلاحات المطلوبة في سياق معالجتها. والمشكلة، وفق مصدر دبلوماسي واسع الاطلاع على عمق هذه الأزمة، هي أن الدول المعنية تفتقد إلى مَن يدير تلك الأزمة، على الرغم من أن بعض كبار المسؤولين يعتقدون في حديثهم مع الدبلوماسيين الذين يلتقونهم بأنهم يديرون الأزمة، في وقت يتطلب الأمر تأليف حكومة جديدة، ويشدد الخبراء الاقتصاديون على ذلك أيضاً. فالمسؤولون في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يرون أن لبنان في قلب الأزمة التي لا يجدون مَن يديرها، إذ يصعب على حكومة تصريف الأعمال أن تقوم بذلك. لكن المصدر عينه يشير إلى أن الإلحاح الدولي على قيام حكومة لا يقترن مع الانخراط في النقاش حول صيغتها ولا مَن يكون عضواً فيها أو لا يكون، أو إذا كان يجب أن يبقى “حزب الله” داخلها أو خارجها، حتى في لقاءات الغرف المغلقة. بل يكتفون بالحديث عن مواصفاتها أي أن تلبي تطلعات الحراك الشعبي وموثوقة في ما يخص إعادة الاستقرار، وأن تتحلى بدعم أكثرية واسعة في البرلمان، حتى تتمكن من الحصول على الدعم.

ويغلب الاعتقاد لدى المصدر الدبلوماسي بأن الجانب الأميركي ليس ضد وجود “حزب الله” في الحكومة، على الرغم من أنه قد يكون مسروراً إذا بقي خارجها. كذلك، لم يطرح أي من الدول الأعضاء في مجلس الأمن ذلك، إذ من المعروف أن أحداً في الانتفاضة الشعبية لم يتطرّق إلى مسألة سلاح الحزب، فهو ليس على الأجندة، إلاّ أنّ هذا لا يحول دون حذر بعض الدول من سعي عددٍ من الأحزاب والقادة إلى الاستفادة من الأزمة وتفاقمها. وإذ يراقب المجتمع الدولي النقاش الدائر حول ما إذا كانت الأطراف تستعجل تأليف الحكومة، فإن استطلاع مواقف الفرقاء يفضي إلى نتيجة بأن بعض القوى السياسية يهدف إلى قيام حكومة سريعاً، والبعض يقول إن “حزب الله” مع هذا التوجه. كما أن هناك اهتماماً بمعرفة أي نوع من الحكومات يفضّل الفرقاء، وجرى نقاش عمّا إذا كان قيام حكومة من أكثرية تقتصر على أكثرية قوى 8 آذار، أو تحظى بدعم أكثرية أوسع من ذلك. لكن، إذا كانت ستستند فقط إلى أكثرية 8 آذار، فمن الصعب تأمين الدعم على الصعيدَيْن الاقتصادي والمالي للبنان. ونية المجتمع الدولي هي تقديم المساعدة لحكومة تمثيلها واسع وتضم أكثرية ذات قاعدة عريضة، تدل على اقتناع بالحاجة الملحة إلى التغيير، إذ لم تعد هناك إمكانية لأن يستمر الوضع BUSINESS AS USUAL ، كما كان عليه قبل 17 أكتوبر.

عدم “تجميل” وجوه مرفوضة
وفي وقت يبدو أن القوى الدولية غير مهتمة بالتدخل في تفاصيل الحكومة البديلة، فإن التوجه العام لدى الدول المتابعة للشأن اللبناني هو أن هذا يعود إلى اللبنانيين، لكنه لم يمنع تقديم النصيحة القائلة بعدم استفزاز الحراك الشعبي بوجوه مرفوضة منه أو عبر تجميل من كانوا في الحكومة المستقيلة وهم غير مقبولين. لكن المفتاح لمحاولة معالجة الأزمة يبقى في تسريع تأليف حكومة، تستمع إلى مطالب المواطنين وتضع برنامجاً، بدلاً من غياب أي إدارة للأزمة كما هو حاصل الآن، في وقت يمكن تفادي الانهيار خلال الأشهر المقبلة بإجراءات قد تكون موجعة. فالمشكلة حالياً هي أن هناك قيادة ذاتية للطائرة، بينما إيجاد قيادة فعلية لها قد لا يجنّبها الهبوط الآمن، لكنّ هبوطاً في ظل قيادة، أفضل من عدم وجودها، لأن لبنان قد يقدم على ثورة جياع واضطراب اجتماعي إذا لم تُعالَج الأزمة قريباً.