علي الأمين:عندما ينقل حزب الله بندقية المقاومة إلى كتف السلطة

85

عندما ينقل «حزب الله» بندقية المقاومة إلى «كتف» السلطة!

علي الأمين/جنوبية/29 تشرين الثاني/2019

يمكن تقبل فكرة أن هناك من يريد استهداف سلاح “حزب الله” من خلال استغلال الانتفاضة اللبنانية التي انفجرت في وجه السلطة بكامل مكوناتها، ويمكن أن الإقتناع أن ثمة مطالب إسرائيلية وأميركية وربما دولية جدية، تركز على الصواريخ الاستراتيجية التي يقال أنّها موجودة لدى “حزب الله” في لبنان، وقد خرج أكثر من مسؤول إسرائيلي واميركي ومن بينهم رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وتحدث في هذه القضية من على منبر الأمم المتحدة قبل عامين. وفيما نفى الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله وجود معامل صواريخ استراتيجية في لبنان، أكد و يؤكد دوما على وجود اعداد هائلة لدى الحزب من الصواريخ في لبنان. الإنتفاضة تُقلق “حزب الله” ربما لم يكن “حزب الله” ليصاب بهذا القلق المشروع من الانتفاضة واستغلالها، لو لم يكن مشاركا في السلطة، أو لم يكن على رأسها وفي صلبها، فالمنتفضون نزلوا الى الشارع وكانت مطالبهم الواضحة والموضوعية تتصل بالسلطة، بسياستها المالية والنقدية والاقتصادية، بالفساد الذي تمدد واستفحل في مؤسسات الدولة واداراتها، بالنهب المنظم لثروات الدولة والشعب منذ سنين طويلة، وخرجوا الى الشارع بسبب ارتفاع نسب البطالة، ولانحسار فرص الحياة الكريمة بحدودها الدنيا، وأيضا لانعدام الخيارات حتى للهجرة التي لم تعد متاحة كما كان الحال في السابق، لأسباب سياسية واقتصادية تتصل بمعظمها بسياسات الدول تجاه الهجرة كما هو الحال في أوروبا ودول الخليج وغيرها.

هذه الابعاد المطلبية المتصلة بالعيش، لا يجب ان تغيّب عن الأعين ضوء الشمس، الذي شعّ من هذه الجموع التي خرجت الى الشارع في كل المناطق ومن كل المذاهب والأديان، والتي قالت بلسان واحد جملة وطنية لبنانية مفيدة، لم تقلها على امتداد تاريخ لبنان، أي نحن مواطنون لبنانيون ولسنا رعايا طوائف ولا زعماء، مواطنيتنا هي هوية وجودنا اللبناني، لا الحزب ولا الطائفة ولا المنطقة. هذه الصرخة التي تردد صداها في ارجاء الوطن وفي كل العالم، كانت أيضا جملة سياسية مفيدة، أن هذا النظام الذي يدير مصالح اللبنانيين، قد فشل، وأوصل البلاد الى الهاوية، وجعل نادي السلطة في واد والشعب في واد آخر، وبات عاجزاً عن تلبية متطلبات الشعب ومؤسسات الدولة وتحول الى عبء بدل أن يكون مصدر حلول وتحديث وتطوير للحياة السياسية وللإدارة العامة.

 “حزب الله” أصيب بالقلق  من الانتفاضة واستغلالها كونه مشاركا في السلطة

الثورة تُغير قواعد اللعبة هي بهذا المعنى تحمل ابعادا ثورية، أي انتقلت من الاستسلام لقواعد اللعبة الطائفية والزبائنية التي تدار بها مصالح الدولة، الى المطالبة بتغييرها من خلال الإصرار على مطلب جامع يتصل بتشكيل حكومة مستقلين أكفّاء من خارج النادي السياسي الذي تمثله السلطة نفسها منذ سنوات طويلة، تغيير قواعد اللعبة، لا يقتصر بنظر الانتفاضة على طبيعة الحكومة والتحضير لانتخابات نيابية مبكرة، بل يتجاوزها الى مسألة محورية في التغيير تتمثل في إقرار قانون يرسخ قانونيا وتنفيذيا استقلالية السلطة القضائية التي ازدادت رضوخا للسلطة السياسية وفقدت دورها كسلطة مستقلة. في موازاة كل ذلك كان اللبنانيون على وجه العموم، محاصرون بسيل من الإجراءات والسلوكيات التي تنتجها السلطة، بقوانين ومراسيم وقرارات تكشف حجم ايغال أطرافها في الفساد، من الكهرباء، الى استيراد الفيول وشركات استيراد البنزين والديزل والغاز، الى الجمارك ومرفأ بيروت، الى التهرب الضريبي، الى ملف النفايات وروائحه النتنة التي طالت الجميع، الى ملف الريجي، الى والى والى .. والملفات شتى وتكاد لا تنتهي، لكنها تكشف أن الفساد بات اكثر من استثناء، بل تحول الى قاعدة السلطة وقوتها.

 الإنتفاضة ضد سلطة الفساد والقهر الاجتماعي والاقتصادي هو فعل مقاومة

ماهية وظيفة السلاح المشكلة أن الناس خرجت لتطالب بحقوقها، متسلحة بتجارب وخبرات سنوات طويلة مع هذه السلطة، بات من الصعب بعدها الوثوق بوعودها، ولم يخرج اللبنانيين الى الشارع ترف سياسي، ولا سلاح “حزب الله” الا اذا كانت وظيفة هذا السلاح حماية هذه السلطة الموغلة في التخريب وفي الفساد، بهذا المعنى فان السؤال الذي على “حزب الله” ان يجيب عليه وليس اللبنانيين من عليهم أن يجيبوا، هو هل هذا السلاح من وظائفه المتعددة محليا وإقليميا حماية السلطة الفاسدة والمفسدة؟ واذا كان الجواب لا، فهل يمكن تحديد وظيفته بوضوح؟ هل هو سلاح من أجل حماية لبنان، أي ان وضعيته كسلاح الجيش والقوى الأمنية وليس سلاحا بيد فئة منهم ضد فئة أخرى؟

أما تسميته سلاح “حزب الله” بسلاح المقاومة، فهذا ما يفرض عليه أن يكون فعلا سلاحا باسم المقاومة اللبنانية، وليس سلاحا بأمرة هذه الدولة أو تلك، مهما كانت العلاقة ممتازة بهذه الدولة أو تلك، فالمقاومة ضد الاحتلال هي من الشعب ومن روحه، هو من يقوم باطلاقها ومن يدفع أكلافها البشرية والمادية، ويتحمل أعباء خيار التحرر من الاحتلال وتعود اليه بالدرجة الأولى ليثمر انتصاره بها في تعزيز الحرية والعدالة وفي ترسيخ الدولة العادلة شعبا وأرضاً، وذات السيادة التي قام بالمقاومة من اجلها، والمقاومة ان لم تكن كذلك فهي شيىء آخر أي شيىء الاّ المقاومة.

على الحزب شرح وظائف هذا السلاح المتعددة محليا وإقليميا

الإنتفاضة فعل مقاومة من هنا فان ما يقوم به المنتفضون ضد سلطة الفساد والقهر الاجتماعي والاقتصادي، هو فعل مقاومة، ومحاولة لاعادة الاعتبار لهذا المفهوم الذي جرى تشويهه وابتذاله من قبل الكثيرين الذين حوّلوه الى سيف مسلط على رقاب الفرد والمجتمع، فهذا المفهوم لا يمكن أن يحافظ على معناه، اذا ما كان حاميا للفساد ومدافعا عنه، ولا يمكن ان يبقى على رونقه ودلالاته الشريفة، اذا ما كان مشروطا بالقمع، ونفي الحرية داخل المجتمع، اذا لم تكن شروط الحرية فيه تتفوق وتتقدم على شروط الحرية في قوانين الدولة لا أن تكون دونها وعنصر الاستبداد فيها، فالمقاومة بمعناها الشامل والعميق، تكون دافعاً نحو مزيد من كسر القيود المكبلة للحرية وللعدالة في الدساتير والقوانين، ودافعا لاحترام حقوق الانسان والمواطن وترسيخها. فالمقاومة فعل تجدد الحياة، وارتقاء بالإنسان من العبودية والانهزامية الى فضاء الحرية والابداع، اذ لا يمكن للمقاومة أن تكون متآلفة مع الجهل، ومحفزة للمذهبية والفئوية والطائفية، ولا تكون بالمطلق مقاومة عندما تطير بأجنحة الفساد… وسائل المقاومة كغايتها في الحرية والعدل، لا يمكن ان تنتمي وسائلها وتتآلف مع الظلم والفساد والعبودية.