محمد قواص/النداء اليائس: شيعة شيعة شيعة

119

النداء اليائس: “شيعة شيعة شيعة”!
محمد قواص/العرب/29 تشرين الثاني/2019

“شيعة شيعة شيعة” شعار ظاهرهُ استفزازٌ للطوائف والمذاهب الأخرى وباطنُه استجداء للشيعة أنفسهم لئلا لا يغادروا شيعيتهم السياسية بصفتها الهوية الوحيدة اللائقة لهم.

النفخ في الفتنة
يصرخ مناصرو حزب الله وحركة أمل في تجمعاتهم ولرفد أعمالهم المناهضة للحراك الشعبي المعارض في لبنان “شيعة شيعة شيعة”. في تلك الهوية الصادحة توقٌ يائس إلى استدراج هويات أخرى للنزال.

ربما في البال هويةٌ سنّية تعيد النفخ في فتنة راجت في العراق مستلهمة تلك الشيعية السياسية التي ما برحت تلوّح وتبشر بها “الثورة” في إيران منذ مؤسسها الراحل روح الله الخميني.

ربما في البال أيضا توقٌ مستحيل لاستدراج فتنة إسلامية مسيحية على خطوط تماس مندثرة جرى التهليل لها طوال مواسم الحرب الأهلية في لبنان.

بيد أن محاولة “استرجاع” الشيعة اللبنانيين واستعادتهم إلى شيعيتهم من خلال الردح “شيعة شيعة شيعة”، تكشف الهلع من تنامي نزوع لدى عامة الطائفة للانتماء إلى هوية لبنانية تتأكد متانتها منذ اندلاع انتفاضة هذه الأيام في 17 أكتوبر الماضي.

يسلّط شعار “شيعة شيعة شيعة” الضوء على ثقافة سياسية جرى تعليمها وتعميمها، تقسّم العالم والمجتمعات بشكل عمودي بين شيعة وغير شيعة.

يعلن شيعة لبنان وشيعة العراق أنهم لم يعودوا شيعة طهران. الأمر يهدم أربعة عقود من البناء الفسيفسائي لهوية الشيعة في المنطقة

باتت الشيعية السياسية تحت ظلال الولي الفقيه في طهران عقيدة أممية عابرة للحدود متجاوزة للجغرافيا. صار التشيّع قضية لا تفوقها أي قضية. جرى أن سمعت هذا الكلام من العراق بعد أيام على سقوط بغداد وتهاوي نظام الرئيس الراحل صدام حسين. وجرى أن ورشة يومية نشطت في لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، عملت على تأطير الشيعة في البلد، دون غيرهم، داخل الأجسام المتناسلة محليا من عقيدة تنتفخ في إيران.

رُفعت جدران بين شيعة لبنان واللاشيعة في لبنان. كان الشيعة في لبنان جزءا من تيارات سياسية وعقائدية، يمينية ويسارية، قومية وأممية، تشغل الطائفة كما تشغل الطوائف الأخرى.

أباد الاجتياح الإسرائيلي موارد تلك التيارات فشتتها وأقصاها وهزمها كنتيجة آلية لهزيمة منظمة التحرير الفلسطينية. وجرى أن تم سوْق الشيعية السياسية الصاعدة لتكون نقيضا مشرّفا ضد الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب.

على هذه القاعدة تنامت شرعية حركة أمل بزعامة نبيه بري، وعلى نفس القاعدة تعملق حزب الله محتكرا المقاومة، بعد أن حرمها من لبنانيتها وتعدديتها الوطنية العابرة للطوائف مقصيا بالدم والترهيب “جبهة المقاومة اللبنانية” (جمول)، ثم تعملق أكثر محتكرا شيعيته وحدها لهذه المقاومة، بعد أن أقصى بالدم والنار حركة أمل داخل أتون ما أطلق عليه “حرب الأخوة” في الثمانينات.

كان واضحا أن “المقاومة” باتت، ويجب أن تكون، ذراع نظامي طهران ودمشق، ثم نظام طهران دون منازع أولا وأخيرا.

على هذا بات عنوان الشيعة في لبنان في طهران لا في بيروت. وعلى هذا فإن ضعف الشيعة في لبنان أو قوتهم يُستمد مما يتقرر في إيران وفق خرائط شاملة لكل الشيعة في كل المنطقة. لم يعد شيعة البلد، كما شيعة العراق أو الخليج أو أفغانستان…إلخ، إلا تفصيلا داخل خارطة الشيعة التي يتولى الولي الفقيه التحكم بمسارها ومصيرها في العالم.

كانت عقيدة النازية بزعامة أدولف هتلر تعتبر أن لا جغرافيا للأمة الألمانية، فالأمة موجودة في أي مكان يتواجد بها الألمان. جرى التسويق لذلك بمهارة للتبشير بامتداد جيوش الفوهرر نحو بولونيا أو النمسا أو هنغاريا… إلخ. لم يصل هتلر إلى حد التبشير بالعنصر الجرماني، ذلك أن عقائده تأسست على تفوق الجنس الآري الذي لا يمكن تعميمه على الأجناس الوضيعة الأخرى. بيد أن أمر الثورة الإيرانية ذهب أبعد من ذلك.

لا يعتمد النظام في إيران على مشروع إمبراطوري مصدّر للقيم الإنسانية الكبرى (فرنسا وشرعية حقوق الإنسان مثالا). لم يدّعِ الخميني أو خليفته ذلك. جرى تخصيب الشيعية عند الشيعة كما خصبت إيران لاحقا اليورانيوم لتطوير برنامجها النووي. ولأن صناعة الولي الفقيه تستخدم الشيعة كمواد أولية، جرى تصنيع الشيعة في بلدان لا تعرف الشيعية وليست من تقاليدها ومذاهبها. جرى إطلاق حملات تشيّع في مصر كما في المغرب وتونس والجزائر والسودان مثلا، قبل أن تضع سلطات تلك البلدان حدا للصناعة الإيرانية الخبيثة.

يعلن شيعة لبنان وشيعة العراق أنهم لم يعودوا شيعة طهران. الأمر يهدم أربعة عقود من البناء الفسيفسائي لهوية الشيعة في المنطقة. حدث قبل عقود أن شكك الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك بولاء الشيعة لبلدانهم. وحدث أيضا أن تحدث العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني عن هلال شيعي في المنطقة تقوده طهران. وحدث أن بنت المنظومة الغربية برمتها علاقاتها مع جمهورية الولي الفقيه بصفتها العنوان الوحيد للشيعة في كل المنطقة، في باكستان وأفغانستان كما في البحرين والكويت ولبنان. وحدث أن عراقية الشيعة في العراق ولبنانيتهم المتصاعدة في لبنان تهز أركان نظام يهزُّ أركانه الشيعة في إيران نفسها.

باتت الشيعية السياسية تحت ظلال الولي الفقيه في طهران عقيدة أممية عابرة للحدود متجاوزة للجغرافيا. صار التشيّع قضية لا تفوقها أي قضية

يكتشف حزب الله أنه لا يستطيع أن يجابه بـ”شيعته” ثورة تخترق المنظومة الطائفية في لبنان. يهاجم حراكهم في صور وبعلبك ومدن شيعية أخرى. يفقد الحزب أدواته التقليدية التي على أساسها كبر فوق طائفته، شأنه في ذلك شأن أحزاب سياسية أخرى لطالما كبرت فوق طوائفها. يسعى الحزب يائسا لإنعاش مذهبية تحتضر. وفيما قد لا يصدّق اللبنانيون ظواهر اللبننة المضادة للطائفية فيصلّون من أجل انتصار الأولى واندحار الثانية، لا يريد حزب الله أن يتيح للشيعة الإيمان بهذا الاحتمال فيعمل على حمل الحطب إلى نار أي فتنة يسهل إشعالها.

“شيعة شيعة شيعة” شعار ظاهرهُ استفزازٌ للطوائف والمذاهب الأخرى وباطنُه استجداء للشيعة أنفسهم لكي لا يغادروا شيعيتهم السياسية بصفتها الهوية الوحيدة اللائقة لهم.

يذهب الصادحون إلى تمني “7 أيار” جديد. تأتي الدعوة من المناصرين بصفتها استدعاء لسلاح القوة والخوف، يُراد منها أيضا إظهار تعفف حزب الله عن الذهاب إلى علاجات تقادمت. فمشكلة الحزب أنه ذهب في تلك “الغزوة” في عام 2008 متسلحا بسيرته المقاومة في العالمين العربي والإسلامي، ومتمترسا وراء إجماع الشيعة، فيما أنه هذه الأيام فقد بيئته الكبرى وفقد بيئته اللبنانية ويراقب بألم انحسار بيئته المذهبية يوما بعد آخر.

قهر شيعة العراق في الشارع نظام شيعة إيران في بغداد حتى لو لم يسقط حتى الآن. تبدو صرخات “شيعة شيعة شيعة” إيذانا لبنانيا باندثار عهد واختفاء مواسم، بحيث تتصحر السياسة في خطاب حزب الله وتجف ينابيع “أشرف الناس” ولا يبقى منها إلا صراخ يائس يكرر حتى زوال الصوت “شيعة شيعة شيعة”.

الشيعة في لبنان سابقون على ولادة حزب الله، وهم شيعة قبل أن تصبح إيران نفسها شيعية، وهم شيعة لبنان حين تندثر أوهام التشيّع لصالح طهران.