رلى موفّق/حكومة التفافية لتقطيع الوقت بانتظار تبلور مسارات واشنطن/لن تقوم قائمة للبنان يدور في الفلك الإيراني، وما دام حزب الله بما يُشكله من منظومة عسكرية يُمسك بقراره الاستراتيجي، وما دام سلاحه هو الذي يحدد البوصلة

39

*حكومة التفافية لتقطيع الوقت بانتظار تبلور مسارات واشنطن
*لن تقوم قائمة للبنان يدور في الفلك الإيراني، وما دام حزب الله بما يُشكله من منظومة عسكرية يُمسك بقراره الاستراتيجي، وما دام سلاحه هو الذي يحدد البوصلة
*تجميل التسوية الرئاسية لا يحل الأزمة… والحل يبدأ من السياسة وينتهي بها
*الغطاء السياسي للحريري لن يفتح الطريق أمام المجتمع الدولي ما دامت الخيارات خاطئة
رلى موفّق/اللواء/15 تشرين الثاني/2019

خرج رئيس الجمهورية العماد ميشال عون يوم الثلاثاء في حواره المباشر ليُعلن بالصوت والصورة أن المعنيّ بالحفاظ على الدستور يقوم بخرقه، ضارباً عرض الحائط ما خطّه «الكتاب الأبيض»، عائداً بالفكر والممارسة إلى الجمهورية الأولى ما قبل «اتفاق الطائف» الذي وضع نهاية للحرب الأهلية وأسس لدستور «الجمهورية الثانية»، رغم الاقتناع السائد بأن ما طُبِّق منذ 1990 وحتى الآن لا يعكس حقيقة نص وروحية «وثيقة الوفاق الوطني».

بصلف كبير، عزا عون خرقه للدستور بالتوافق على عملية التأليف قبل الدعوة لاستشارات نيابية ملزمة للتكليف، إلى ألا تفلت الأمور من أيدينا، فيأخذ الرئيس المُكلّف التكليف ويذهب إلى النوم أو يُسافر. وهذا حصل في السابق. لم يكن الخرق الممنهج للدستور والتلاعب به وخلق أعراف جديدة ليحصل بهذا الشكل السافر لو لم يكن ثمة خلل في التوازنات السياسية التي تنعكس تداعياتها على التوازنات الطائفية.

أظهر الحوار مع رئيس الجمهورية أن الهوَّة كبيرة مع من يفترشون الساحات، وأن مقاربته للحل لا تتعدى ذهنية تجميل التسوية القائمة، وإذا لم يكن ذلك ممكناً، فليكن الانقلاب. إنها المكابرة التي سبق أن طبع عون بها تجربته السابقة يوم كان رئيساً للحكومة الانتقالية وقائداً للجيش في ثمانينيات القرن الماضي، والتي أدت إلى كوارث على لبنان عموماً وعلى المسيحيين خصوصاً. وتنتاب كثير من المراقبين مخاوف من أن يُعيد التاريخ نفسه، وكأن لديه قدرة على مواجهة المجتمع الدولي برمته.

الأزمة هي أزمة خيارات. صحيح أن هناك مازقاً اقتصادياً – مالياً في البلاد وطبقة سياسية تسابقت على نهش الدولة ومقدراتها والانغماس في الفساد وتقاسم المحاصصات الطائفية والفئوية، لكن الرهان أن اقتصار المعالجات على هذه الأبعاد دون البُعد السياسي قادر على إخراج البلاد من ورطتها ليس سوى وهم كبير. فهو رهان لن يُفضي إلاّ إلى مزيد من تفاقم الأزمات والضغوط على لبنان على مختلف المستويات.

الخيارات واضحة أمام اللبنانيين، شعباً وسياسيين وقيادات ومسؤولين: لن تقوم قائمة للبنان يدور في الفلك الإيراني، وما دام «حزب الله» – بما يُشكله من منظومة عسكرية – يُمسك بقراره الاستراتيجي، وما دام سلاحه هو الذي يحدد البوصلة.

وبالتالي، فإن إرسال رسائل تهديد إلى الغرب بالانتقال إلى المعسكر الآخر هو قمة في المغامرة والغباء.
فعن أين معسكر يجري الحديث؟
عن روسيا، عن الصين، أو إيران؟
هل هؤلاء جميعاً قادرون على انتشال لبنان من القعر؟
هل الاعتقاد أن طريق بيروت – دمشق – بغداد – طهران سالكة فعلاً؟
وهل موسكو هي البديل لواشنطن؟ وهل محور إيران راهناً يُسجّل مزيداً من الانتصارات أم أنه يكافح للحد من خسائره؟

ما يجري في ساحات العراق ليس بالتأكيد مظهراً من مظاهر انتصار إيران، بل صورة جليّة عن مأزقها.

وما يجري في ساحات لبنان هو مظهر مشابه، وإن كانت لغة المتظاهرين في الشارع تقتصر على المطالب الحياتية والاقتصادية، لكن تحقيق ذلك لا يمكن إلاّ أن يمر من قنوات إعادة التوازن السياسي إلى البلاد، ومن دونه ستتصاعد الأزمة وستسقط على رؤوس الجميع.

والظن بأن حكومة يرأسها سعد الحريري أو مَن يُرشحه بالمواصفات التي حددها الأمين العام لـ «حزب الله» ورئيس الجمهورية يمكنها أن تكون مدخلاً لإعادة الثقة في الداخل والخارج سيخيب سريعاً، سواء في الشارع أو مع المجتمع الدولي، حتى لو جهدت باريس في مساندة بيروت، ذلك أنها ستجد نفسها أمام استعصاء تقديم الحماية والدعم لها. فليست حتى الحكومة المحايدة بشخصياتها – وهو أمر بعيد المنال – بمقدورها أن تُعيد التوازن المفقود في لبنان.

الحل يبدأ من السياسة وينتهي بها، والمدخل الصحيح هو إنهاء التسوية الرئاسية برمّتها.

في هذه المرحلة، ليست هناك من أنصاف حلول.
وإذا كان الحديث عن عدم القبول بسقوط رئيس الجمهورية في الشارع لأنه سقوط للموقع الماروني الأوَّل، فإن سقوط رئيس الحكومة في الشارع هو سقوط للموقع السنيّ الأول، حتى لو كان النظام الديموقراطي يُجيز ذلك، ذلك أن لعبة الطوائف والتمترس خلفها توصل إلى هذا المسار، فكيف إذا كان يتمّ ضرب الموقع السنيّ الأول في البلاد وصلاحياته عن عمد بغية إضعافه وتهميشه وإخضاعه؟

ما يُريده «حزب الله» أو «الثنائي الشيعي» في هذه الآونة هو حكومة تكنوسياسية برئاسة الحريري كحل مثالي أو شخصية يُغطيها سياسياً تنصبّ على العناوين الاقتصادية ولا تُغيِّر حرفاً في التوجّهات السياسية منذ التسوية الرئاسية، بحيث تغيب معها الاستراتيجية الدفاعية بحنكة رئيس الجمهورية ويبقى سلاح «حزب الله» حاضراً، وسياسة النأي بالنفس ملتوية.

وما يُريده المحور الإيراني حكومة تضم ممثلين عن الحراك الشعبي لاحتواء الشارع وممثلين مباشرين عن «حزب الله» لعدم الانكسار قبالة واشنطن، وممثلين عن الاشتراكي لدواعي الحاجة السياسية، وبشروط «الثلث المعطل» للثنائي، على أن ينجح الحريري في التوافق مع رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل حول عقدة تمثيله بتنظيم المخرج من خلال توزيره الصف الثاني من ممثلي القوى السياسية وحول حصته ونصيبه في التسوية المرمّمة أو المُجمّلة.

هذا «السيناريو» الذي يطيب للبعض أن يعتبره شبيهاً بـ «سيناريو السودان» من حيث عملية الشراكة بين السلطة القائمة وبين الشارع المنتفض – وإن كان التشبيه خاطئاً، في رأي المراقبين – ليس سوى عملية التفاف على واقع ما بعد 17 تشرين الأول، وعملية تذاكي على الخارج، من أجل تمرير الوقت، حتى تتبلور أكثر الاتجاهات التي تتحكّم بالمشهد الأميركي، ومسار الانتخابات الرئاسية وموقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب فيها!.