هيام القصيفي: انقلاب عون على التهدئة هدف للعهد في مرماه/حسن فحص: لبنان ولعبة الانتفاضة والعهد/حارث سليمان: متى يفرج الجنرال قاسم سليماني عن حكومة لبنانية مستقلة؟/طوني بولس: الرئيس اللبناني بين تاريخين وجمهورين أمام القصر الجمهوري

86

انقلاب عون على التهدئة: هدف للعهد في مرماه
هيام القصيفي/الأخبار/الخميس 14 تشرين الثاني/2019

لبنان ولعبة الانتفاضة والعهد
“ذهب الشارع المؤيد للحزب الحليف لعون إلى اعتبار أن الإطلالة الرئاسية لم تأت بجديد كونها أتت صدامية مع الشارع”
حسن فحص/انديبندت عربية/الخميس 14 تشرين الثاني/2019

متى يفرج الجنرال قاسم سليماني عن حكومة لبنانية مستقلة؟
حارث سليمان/المدن/14 تشرين الثاني 2019

الرئيس اللبناني بين تاريخين وجمهورين أمام القصر الجمهوري
طوني بولس/انديبندت عربي/14 تشرين الثاني/2019

***
متى يفرج الجنرال قاسم سليماني عن حكومة لبنانية مستقلة؟
حارث سليمان/المدن/14 تشرين الثاني 2019
جوهر كلام السيد نصرالله أن أميركا ترامب وعقوباتها هي سبب أزمتنا، وليس فساد وفشل الطبقة السياسية الحاكمة وتفاهتها، ومن يعارض هذا المنطق سيتم التشكيك بوطنيته وعروبته وانتمائه. إياكم والتصويب على الفساد، الذي قايضنا فيه، إمساكنا بقرار لبنان ودوره واقتصاده مقابل فتات وريوع وزعناها على أطراف الطبقة الحاكمة.
الشرنقة
الحقيقة جلية وعنيدة، فليس هناك عقوبات أميركية أو دولية على العراق، وليس هناك عقوبات دولية أو أميركية على لبنان. بل هناك عقوبات على حزب الله بالمعنى الضيق أفراداً وبنوكاً، وما يحاوله حزب الله فعلياً هو تحويل عقوبته إلى عقوبة تطال الشعب اللبناني بأجمعه، هو يتحصن بالناس ويقامر بقوت عيالهم، من أجل بقاء هيمنته وإمساكه بمفاصل الحياة السياسية. أما سبب ندرة الدولار فليس حصاراً دولياً مزعوماً، إنما هو عدم قدرة لبنان بعملته الصعبة، وبميزان مدفوعاته، على تحمل أعباء تمويل المستوردات السورية وإطعام 18 مليون سوري. فسورية المدمرة لم يعد لديها موارد تزودها بالعملة الصعبة، ولذلك يتحمل هذا العبء سوق القطع اللبناني، وهو السوق الوحيد الذي يجري فيه شراء العملات الأجنبية من دون قيود في كل دول الجوار السوري. لقد توهم حزب الله أنه يستطيع أن يقاتل كل الدنيا، وأن يستفز كل الدول، وسواء كان هذا وهم ذاتي أو تكليف إقليمي، فقد صنع لنفسه شرنقة تمسك بأنفاسه، وأدخل لبنان في شرنقته. فحرم الوطن من علاقاته العربية وصداقاته الدولية، وأشاح العالم بوجهه عن مساعدة لبنان كبلد، في وقت لا يريد هذا البلد مساعدة نفسه، وفي زمن أناط فيه أمين عام حزب الله بوطن الأرز، مسؤولية خوض حرب من أجل فك “حصار أميركا عن إيران”.
مخالفة الدستور
مضى أربعة عشر يوماً على استقالة الرئيس سعد الحريري، وما زال رئيس الجمهورية، ممعناً بالتنكر لقسمه وواجباته الدستورية، ويحجم عن تحديد موعد للاستشارات النيابية الملزمة، في سابقة لم تسجل في تاريخ تأليف الوزارات في لبنان وتسمية رئيسها. فرئيس الجمهورية يرتكب مخالفة دستورية، أولاً، بعدم تحديد موعد للاستشارات النيابية الملزمة. ويخالف الدستور ثانية، حين يحاول تأليف حكومة ليست من صلاحياته تأليفها، فالتأليف مهمة رئيس الحكومة المكلف، كما أن الضمانات التي يزعم تأمينها، وهو زعم باطل، موجودة في مجلس النواب، بمعنى أن الرئيس المكلف ليس مطلق اليدين إذا كُلِّف، وعليه استشارة الكتل النيابية، والرئيس لديه أكبر كتلة نيابية، أما عن توجه الحكومة فهو مربوط بالمجلس النيابي الذي ستمثل الحكومة أمامه لنيل الثقة. رئيس الحكومة هو من يتحمل المسؤولية أمام مجلس النواب وليس رئيس الجمهورية. فإذا لم تنل حكومته الثقة يذهب رئيسها إلى منزله، فيما يبقى رئيس الجمهورية في موقعه. الواضح أن ميشال عون لا يؤمن بالطائف ويتصرف كرئيس قبل الطائف وحاكم فاتك ويخالف الدستور مرة ثالثة.
ضمانات لحزب الله!
هذا في الدستور الذي لا يخضع لأهواء سياسية. أما في السياسة فعون ينفذ تعليمات قاسم سليماني والحرس الثوري الإيراني، الذي منع استقالة عادل عبد المهدي في العراق، ودفع ميليشيات الحشد الشعبي لمواجهة ثورة شعب العراق وأجياله الشابة، ويحاول في لبنان إعادة تشكيل حكومة بمواصفات الحكومة المستقيلة، ولذلك ظهر عون على شاشات التلفزة رجلاً يعيش في كوكب آخر. يمارس ترف هدر الوقت والعبث بمصير بلد ينهار في كل ساعة. ويراهن على فشل الثورة وإخمادها بكافة الطرق. كل ذلك بدفع وقرار يعود لحزب الله ولمن يواليه. من جهة ثانية، يتساءل حزب الله متمسكناً؛ أريد ضمانات تؤمن مصالحي، قبل أن أفرج عن تشكيل الحكومة.. فباب الحكومة موصد بضياع موعد الاستشارات، حتى يهدأ بال حزب الله وينال ضماناته. شر البلية ما يضحك؛ حزب الله قلق، فلنهرع جميعاً لمعالجة مخاوفه وهواجسه! ولذلك فليحدد مصالحه؛ أين تبدأ حدود مصالحه، وأين تنتهي؟ هل تنحصر في لبنان وحدوده، وما هي طبيعة هذه المصالح؟ هل تتلخص بحقوق الناس وجودة عيشهم وتأمين أرزاقهم وطبابتهم وتعليمهم وصحتهم ومائهم وهوائهم و مجالهم العام؟ إذا كان الأمر كذلك، فهي مصالح شرعية مطلوبة لكل لبناني ولكل جماعة! وتتبناها الثورة منذ يومها الأول، فعلام القلق اذن؟ وأي ضمانات تطلب؟
دروع بشرية
ما يخشاه كثيرون أن الضمانات المطلوبة تتعلق بالانضواء في حلف الممانعة الممتدة من طهران حتى بيروت، وإضافة الصين ليس تورية أو تفريداً، بل تجميلاً لقميص قديم بحلة جديدة، لا يريد السيد نصرالله في خضم أزمة الناس وخوفهم على مصيرهم في لبنان أي حل أو تنازل، يبرد الأجواء، ويمكن لبنان من نيل مساعدات العرب والعالم. بل يريد أخذ شعب لبنان وناسه دروعاً بشرية تمكنه من مواجهة العالم، وتصعيد معركته وإيران ضد أعدائه وأعدائها. ببساطة، يغامر بكل لبنان فداء لمشروعه ومشروع فقيهه. وهو مشروع أحل الخراب في كل دول المشرق العربي. فالمطلوب ترك حدود لبنان سائبة للتدخلات الإقليمية والحروب الجهادية والتهريب الجمركي والاقتصاد الموازي الأسود!؟ هذه أمور لن يدلي بها أحد. لا جواب إلا إذا أرادت طهران الإجابة! في واقع الحال، كل لبناني بحاجة لضمانة، قبل أن يقدم أحد ما ضمانة لحزب الله. اللبنانيون أمام المصرف والفرن بحاجة إلى ضمانة، فيما حزب الله يصرف رواتب عناصره بالدولار ونقداً. اللبنانيون جميعاً في قلق وجذع، يسألون عن مدخراتهم وقدرتهم الشرائية وجنى أعمارهم، فيما إيران تبحث عن استمرار قدرتها على إمساك ورقة لبنان، في ملف مفاوضاتها، وتصادر باب تأليف حكومة، قد تفتح باباً لأمل قد يأتي. هل هناك بصيص نور لإيجاد مخرج لهذه الأزمة؟ والجواب نعم . كيف يكون ذلك؟ للبحث تتمة والثورة مستمرة.

لبنان ولعبة الانتفاضة والعهد
“ذهب الشارع المؤيد للحزب الحليف لعون إلى اعتبار أن الإطلالة الرئاسية لم تأت بجديد كونها أتت صدامية مع الشارع”
حسن فحص/انديبندت عربية/الخميس 14 تشرين الثاني/2019
قد يكون هناك شبه إجماع بين القوى السياسية اللبنانية المؤيدة للعهد والمعارضة له – المؤيدة للانتفاضة الشعبية- على أن التصريحات الأخيرة لرئيس الجمهورية ميشال عون أتت في وقت غير مناسب ومن خارج السياق الذي كانت الأمور تتجه نحوها، والتي بدأت تتبلور فيها مرحلة من شبه الهدوء والتوجه نحو التفاهم على أسس لحوار من نوع ما، يكون قادراً على استيعاب عدم عودة سعدالدين الحريري إلى رئاسة الوزراء على خلفية رفضه القبول بمبدأ حكومة “تكنو – سياسية”، على حساب موقفه المطالب بحكومة محض “تكنوقراط” استجابةً لمطالب قوىً سياسية مؤيدة للانتفاضة ومطالب قوى دولية تراقب عن كثب ما يجري في لبنان ومعركة إخراج حزب الله، حليف رئيس الجمهورية والعهد من السلطة والحكومة.
النتائج التي ترتبت على اللقاء المتلفز لرئيس الجمهورية، تسببت بحال من الإرباك في صفوف قوى السلطة خصوصاً في الصفوف المؤيدة لحزب الله، بخاصة أنها لم تحسم اتجاه الأمور سلباً أو إيجاباً، لا بل زادت عملية التفاوض مع الحريري تعقيداً، في ظل رغبة الحزب في عودته وتمسك رئيس الوزراء المستقيل بالعودة إلى الحكومة كآخر فرصة له لترميم شعبيته وموقعه ضمن تركيبة السلطة، إذ إن خروجه من دائرة الأسماء التي يمكن تكليفها بتشكيل الحكومة المقبلة يعني مقدمة لخروجه من الحياة السياسية، في حين أن شركاءه في التحالف غير المعلن سيبقون شركاء أمر واقع في مواجهة القوى الداعمة للعهد.
في المقابل، فإن حجم التحدي الذي يشعر به حزب الله من جراء تطور الأحداث التي تشهدها الساحة اللبنانية، التي، ومن منطلقات قراءته الخاصة، لا يمكن فصلها عما تشهده الساحة الإقليمية والأزمة الإيرانية – الأميركية، إلا أنه يتسعد لمختلف السيناريوهات المحتملة على الصعيد الداخلي وبالتالي، تشكل مسألة تمسكه بحكومة “تكنو – سياسية” خط دفاع أول عن دوره واستمراريته، يقطع الطريق على إجباره على الانتقال إلى خطوة لا يريدها أو يعمل من أجل عدم الوصول إليها، تكون معقدة في آلياتها وتضعه بمواجهة خيارات داخلية ودولية وإقليمية لا يرغب في الوصول إليها في هذه المرحلة.
وأمام رد فعل الشارع على كلام عون والمواقف التي أعلن تمسكه بها في إطار الإستراتيجية العامة للعهد، ذهب الشارع المؤيد للحزب الحليف له إلى اعتبار أن الإطلالة الرئاسية لم تأت بجديد كونها أتت صدامية مع الشارع في توقيت دقيق ومفصلي، ومن الممكن أن تجر البلاد إلى لعبة الشوارع (شارع شعبي مقابل شارع آخر) حرص كل الأطراف على عدم الوصول إليها، وبالتالي قد تؤدي في نتائجها إلى إجبار الحزب على الانتقال إلى خطوة تنسجم مع هذا الانقسام كمقدمة لقلب الطاولة على كل خيارات الحل وفرض الحل الذي يريده في تحد لكل المواقف الدولية والإقليمية المحذرة من عواقب مثل هذه الخطوة.
مصدر غربي عن الانتفاضة اللبنانية: “الناس على الأرض والزعماء على القمر”
وهنا، يعتقد الحزب أن العودة الأخيرة إلى الشارع وإقفال الطرق الذي قامت به جماعات شعبية – حزبية لم يأت كرد فعل على خطاب الرئيس، بل نتيجة لشعورها بأن الأمور بدأت تخرج من يدها وأن العهد يتجه إلى اتخاذ خيارات وقرارات لن تكون في مصلحتها أو مصلحة بقائها ومشاركتها في الحل أو العملية السياسية. وعليه فإن خطاب الرئيس جاء تلبية لحاجة قوى السلطة التي تريد مسوغاً يدفع الحراك إلى الوقوع في الفخ الذي نصبته لهم لتأمين الغطاء لتمرير موضوع إزاحة الحريري عن صدارة لائحة الملكفين بتشكيل الحكومة المقبلة وبالتالي جر الجدل إلى مكان آخر حول رئاسة الجمهورية بعيداً من التسوية الرئاسية. ويمكن القول إن قوى السلطة استدرجت الأحزاب التي تقف إلى جانب الانتفاضة للعب في الملعب الذي تريده، فإذا ما كان جمهور الانتفاضة رافضاً لمبدأ استمرار رئيس الجمهورية في موقعه ويطالب برحيله، إلا أن الأخير ومن خلال المواقف التي قدمها في خطابه، والتي اعتبرها من الثوابت السياسية لحكمه والمتمثلة في:
فإن الأحزاب التي تقف على مسافة من التبني العلني للانتفاضة باتت اليوم هي الطرف الذي يقف بمواجهة حكم عون والسلطة مباشرةً من دون قفازات، خصوصاً بعد الحادث المؤلم الذي أودى بحياة المواطن علاء أبو فخر (المؤيد للانتفاضة)، أحد مناصري الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، حيث بات صعباً الذهاب حتى النهاية في تحميل السلطة وحدها المسؤولية عن سقوط الدم، وتظهير الدور الذي تقوم به هذه الأحزاب في الانتفاضة، وبالتالي استطاع العهد والقوى السياسية التي تقف وراءه، أن يجر قوى الانتفاضة والأحزاب المؤيدة لها إلى دائرة المواجهة المباشرة حول العناوين المكشوفة التي تشكل العناوين السياسية التي تُركت بعيدةً من الواجهة لمصلحة المطالب المعيشية والاقتصادية. تكشف هذه التطورات أن لعبة “عض الأصابع” الجدية بدأت فعلياً وعملياً بين الأطراف السياسية، وهي لعبة قد تكون معقدة وطويلة الأمد لا توحي بأن الحلول فيها قريبة، بخاصة إذا ما ذهبت الأمور إلى الدفع بالحريري إلى إعلان اعتذاره عن التكليف بالشروط التي يريدها العهد وحلفاؤه على حساب الشروط التي يتمسك بها. أما في حال وافق الحريري على هذه الشروط وقبِل بحكومة “تكنو – سياسية” فإن ذلك سيكون على حساب تراجع صدقيته الدولية في المرحلة الأولى ودخول لبنان في مرحلة من الحصار الإقليمي والدولي في حال تأخر التسويات الإقليمية والدولية مع اللاعب الإقليمي الأول الداعم للحكم الحالي فيه، أي إيران.

انقلاب عون على التهدئة: هدف للعهد في مرماه
هيام القصيفي/الأخبار/الخميس 14 تشرين الثاني/2019
هل اقدم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على قلب الطاولة على نفسه في حواره التلفزيوني، وهو نفسه قال ان مستقبله السياسي لم يعد امامه. الرجل الذي اختلفت حوله الاراء، بدا كأنه يطيح التهدئة التي عمل عليها منذ بداية الحراك الشعبي. فهل كان يكفي اعتذار رئيس الجمهورية وتراجعه عما قاله ليسحب التوتر المتفاقم، ام انه كان يقصد كل كلمة قالها؟ لعله السؤال الاكثر تداولا امس، وسط قراءة موقفه في ميزان الربح والخسارة، لان هناك من يعتقد انه كان في غنى عن اطلالته، وقد تم استخدام كلامه لتحريض الشارع ضده.
ما شهدته الطرق المؤدية الى القصر الجمهوري وجل الديب والذوق وبيروت، ومع توقع انضمام متظاهرين من كل المناطق لتشييع علاء ابو فخر، ليس ردا عاديا عليه، كموقف ارتجالي اعتاد اللبنانيون عليه حين كان لا يزال في الرابية. انما هو رد على مسار شهدته الحركة الشعبية حين ركزت تظاهرتها على استهداف السلطة ككل، مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، ولم تتعرض لشخصه الا باستهدافات محدودة. وهو، في المقابل، عمل لمرتين على محاولة استقطاب المتظاهرين في خطابين شهدا تهدئة واستيعابا منه لخطاب الشارع وتأكيده انسجامه مع الشعارات المرفوعة لمحاربة الفساد. كان رئيس الجمهورية مؤمنا ان الناس في الساحات كلها، سيستمعون اليه وانه قادر على ايصال صوته اليهم. حتى في تظاهرة التيار الوطني الحر في بعبدا، التي ناقضت كل التدابير الامنية التي اتخذت سابقا لمنع وصول المتظاهرين الى حرم القصر وطرقه، وبخلاف كلام باسيل، جاء كلام عون محاولة جامعة للمّ شمل الشارعين المتناقضين.
من هنا لم يفهم سر خطوة رئيس الجمهورية في توقيت لا يصب في صالحه، لا موقعا ولا رئيسًا بدأ نصف ولايته الثاني على وقع استحقاقات سياسية وامنية واقتصادية ترسم ظلا اسود على الجمهورية.
تحدث عون امام رأي عام محلي وعربي ودولي، وقدم صورة لم تصب في صالحه. وهذا خطأ يتحمل مسؤوليته كما فريقه السياسي والاعلامي الذي بادر الى توضيح عبارة مجتزأة متناسيا عبارات اخرى اكثر حدة، ففاقم ردة الفعل. وكلامه الذي اعاد تجييش الشارع، تزامن ايضا مع وصول الموفد الفرنسي السفير كريستوف فارنو الذي قام بجولة مسائية للاطلاع على الوضع في ساحات التظاهر قبل بدء لقاءاته الرسمية.
تحدث عون في لحظة كانت ترتسم فيها تهدئة سياسية على ضفتي الرئيس نبيه بري وحزب الله، والرئيس سعد الحريري. وهي من المرات النادرة التي يعمد بري الى سحب موضوع خلافي كالجلسة النيابية بما حملت من مشكلات، قبل ان تصل الامور الى حد الانفجار. سارع بري الى اطفاء الموضوع وتأجيله، تاركا المجال لاتصالات موازية على الخط الحكومي. في المقابل راح الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في خطابه الاخير، ولو بلهجة حادة، الى ملفات اساسية حول مستقبل علاقات لبنان الدولية، لكنه حيد بدوره ملف الحكومة. لان خط التهدئة كان جاريا بفعالية، ونقطته المحورية محاولة استقطاب الحريري اكثر فأكثر الى ملعب الطرفين. ورغم ان الاطار العام لحركة الحريري ظل محكوما بضغط خارجي لتشكيل حكومة تكنوقراط، الا ان ما توافر تحدث عن ليونة راهن عليها بري والحزب في استثمارها للانتقال الى مرحلة جدية من المفاوضات حول شكل الحكومة. النقطة المفصلية ان بري والحزب يريدان الحريري رئيسا للحكومة، لا سيما ان الحزب وخلافا لتوقعات خصومه، لم يبادر منذ اللحظة الاولى الى اي عمل ميداني يفهم منه استهدافا للحركة الشعبية، غير محاولات التحذير من استغلالها خارجيا، والعمل في الوقت نفسه على تنفيس الاحتقان السياسي قبل استقالة الحريري وبعدها لتشكيل حكومة منوعة. الا ان خطوة عون جاءت مفاجئة بتوقيتها ومضمونها مازجة بين استهداف الحريري والتصويب عليه بما فهم منه انه لا يحبذ عودته خلافا لرغبة بري والحزب، وهو امر ترك استياء لدى الطرفين، وتأجيجه للشارع مجددا.
على وقع استحقاق امني تمثل بحادثة الشويفات، ومن ثم حادثة جل الديب، ازداد الاحتقان في الشارع، وكرستا انقساما اعمق من قبل، بعدما تحول شعار المتظاهرين استهدافا للعهد ورئيس الجمهورية وحده دون اي مسؤول آخر. والاتصالات التي اجراها، عكست مزيجا من التهيب لما جرى وقلقا اقرب الى الخوف من حجم التدهور في الشارع، من دون التخلي علانية عن بعض ملامح المكابرة، خصوصا ان بعض المنظرين دعوا الى ترك حركة الشارع لمدة 24 ساعة «وستنتهي لوحدها»، وعودة المطالبة بنزول الجيش الى الشارع وفتح الطرق بالقوة. الا ان التقارير الامنية التي وردت من كل الاجهزة الرسمية وغير الرسمية، اعطت معلومات مغايرة تماما، ما اضطر البعض في القصر الجمهوري الى مراجعة حساباته السياسية والامنية. وبدا ذلك واضحا من خلال محاولة امتصاص النقمة والسماح بتظاهرة حاشدة على طريق القصر، بعكس ما جرى في اول ايام التظاهرات.

الرئيس اللبناني بين تاريخين وجمهورين أمام القصر الجمهوري
طوني بولس/انديبندت عربي/14 تشرين الثاني/2019
ما يحصل اليوم في محيط القصر الجمهوري اللبناني، يذّكر اللبنانيين بتجربة الرئيس الأسبق إميل لحود عندما واجه شعبه الثائر ضد منظومة الوصاية السورية عام 2005، وأمضى ولايته الدستورية الممددة لثلاث سنوات في عزلة تامة محلياً ودولياً، فحوّل المقر الرسمي لرئاسة الجمهورية، إلى ثكنة عسكرية مدججة بالسلاح والعتاد لقطع مسار الحرية والسيادة والاستقلال. وما حصل اليوم في 13-11-2019 من موجة شعبية عارمة استنكاراً لما قاله الرئيس عون في إطلالته التلفزيونية أمس، يقارنه عارفون بما حصل في 13-10-1990. اليوم توافدت الجموع مطالبة عون بالرحيل، في حين قبل 29 سنة كانت تتوجه الحشود لدعمه قبل ان تطيحه القوات السورية، فيلجأ الى السفارة الفرنسية القريبة من القصر. اللافت ان بعض المتظاهرين الذين اعتصموا قرب بعبدا، هم انفسهم كانوا يتوافدون قبل ثلاثة عقود الى القصر ذاته دعماً له.
مجزرة في جل الديب
يتخوف مراقبون أن يعيد السيناريو نفسه مع الرئيس ميشال عون الذي بات يقيم في “بيت الشعب” في وقت يطوقه الشعب بتظاهرات غير مسبوقة تطالبه بالاستقالة، فيما تقوم آلاف العناصر العسكرية بالحماية، خوفاً من غضب الشارع الذي بات محقوناً ويُحمّل رئيس البلاد مسؤولية سفك الدماء التي بدأت مع الضحية الاولى “للثورة” علاء بو فخر، والتي كادت أن تتحول إلى مجزرة في منطقة جل الديب حيث فتح أحد أنصار الرئيس عون النار باتجاه المتظاهرين، وسط معلومات عن توجه عناصر من حزب الله في منطقة “رويسات المتن” (القريبة من جل الديب) مع مجموعات مناصرة للتيار الوطني الحر لفتح الطريق الساحلي المقفل من قبل المتظاهرين بالقوة والسلاح.
العزلة العربية والدولية
وفي وقت دخل عهد الرئيس عون منتصف ولايته ولم يتبق منها سوى ثلاث سنوات، يقارن العديد من المتابعين السنوات المقبلة لعون بنهاية عهد الرئيس الأسبق إميل لحود لناحية العزلة العربية والدولية، حيث يشير هؤلاء إلى أن في زيارته الأخيرة لنيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة برزت “العزلة” بشكل واضح حيث لم يستطع الوفد اللبناني أن يلتقي سوى مع الرئيس الإيراني حسن روحاني المعزول أيضاً، كما أن العلاقات العربية مع لبنان في أسوأ أيامها. وتقول أوساط سياسية إن إميل لحود أحاط نفسه بالأجهزة الأمنية التي كان النظام السوري حينها يسيرها من خلال قادتها وهم الضباط الأربعة وأبرزهم مدير عام الأمن العام الأسبق النائب الحالي جميل السيد، في حين يحصن عون نفسه من خلال ما سمي بـ “خلية الأزمة” المؤلفة من صهره الوزير جبران باسيل، ووزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية سليم جريصاتي، ووزير الدفاع الياس بوصعب المقرب من حزب الله والنظام السوري.
باسيل يسحق عون
في سياق متصل، يقول قيادي سابق في التيار الوطني الحر إن “ضغوطات العالم بأسره لم تستطع أن تسحق الرئيس عون، إلا أن جبران باسيل بعنجهية واستغلاله لموقع عون أوصله إلى نهاية مأسوية”، مضيفاً أن الرئيس عون بات في قصر الشعب معزولاً عن شعبه، “شعب لبنان العظيم يريد إسقاطه”.
ويرى القيادي السابق أن عهد الرئيس عون قد سقط ولم يعد بالإمكان إنقاذه، مطالباً عون بالاستقالة لحفظ الحد الأدنى من الصورة التي أحبه بها أنصاره. ويوضح “لا نريد أن نرى الرئيس عون البطل بصورة المستبد الظالم الذي يتجاهل الشعب الثائر ضده، ولا نريد أن يتحمل الدماء الذكية التي قد تسفك في الشارع نتيجة التشويش الممارس عليه من مجموعة الوصوليين التي تحيطه”.
الاستقالة
في المقابل، يشير المصدر العوني السابق إلى أن المطالبات بإسقاط الرئيس لحود كانت فئوية وسياسية، ما كان يعطيه حداً من مشروعية الصمود بوجه شعبه وبخاصة أن معظم المسيحيين انكفأوا حينها عن المطالبة بإسقاطه حماية لموقع الرئاسة، أما اليوم فالأمر مختلف تماماً حيث باتت الثورة الشعبية عابرة للطوائف والمناطق، والشعب يطالب بإسقاط من يعتبرهم رموز الفساد والاستبداد، ولم تعد الحصانة الطائفية لأي موقع قادرة على تأمين الحماية. ويضيف، “من غير المقبول أن يدفع اللبنانيون ثمن الخلاف على “الوراثة” في عائلة عون، بين بنات الرئيس وأصهرته”، ناصحاً الرئيس ميشال عون الاتعاظ من الشيخ بشارة الخوري، بطل الاستقلال الأول الذي خضع إلى ثورة 1952 البيضاء وتقدم باستقالته، مؤكداً “أن كل معطيات الاستقالة باتت متوافرة وهي بكل تأكيد أفضل من أن يمضي الثلاث سنوات المقبلة وحيداً محاصراً ومعزولاً”.
ملفات الانتقام… والسرية
من جهة ثانية، يشير مصدر قضائي رفيع إلى أن مسؤولين كباراً طلبوا منه فتح ملفات لسياسيين ورجال أعمال معارضين للرئيس عون كوسيلة للضغط على الانتفاضة الشعبية وإظهار بعض داعميها كجزء من عملية الفساد المستشري في لبنان وتعويم الفريق الموالي للسلطة، موضحاً أن القضاء اللبناني يتعرض إلى ضغوط كبيرة من “العهد”، وبخاصة أولئك الذين تم تعيينهم لقربهم من أحزاب السلطة كرد للجميل. وأكد المصدر نفسه أن هناك استحالة لمكافحة الفساد في ظل عدم وجود فصل للسلطات واستقلالية، وأنه لو توافر ذلك لكانت هذه المرحلة مؤاتيه لمنع الفساد والنهب من جهة، ومواجهة محاولات القمع والاستبداد والتعدي على الحريات العامة من جهة أخرى. ويضيف المصدر القضائي “لو كان القضاء مستقلاً لرأينا الكثير من الوجوه الحالية في السجون، ولكان الشعب نال مطالبه بقوة القانون”. وعن المعلومات المتداولة بقيام مسؤولين في الدولة بتهريب أموالهم في الأشهر الأخيرة إلى دول أجنبية، أكد أن هناك استحالة حالياً للتأكد من هذه المعلومات، كاشفاً أن السرية المصرفية التي يحاول البعض الاستناد إليها كوثيقة براءة هي خدعة كبيرة لا يمكن التعويل عليها سوى للبروباغندا الإعلامية والتشويش على الرأي العام.