:مقالات 5 من جريدة الشرق الأوسط تتناول الإنتفاضة اللبنانية/سام منسى التمسك بالحريري وراء الأكمة ما وراءه/دان آزي: أثرياء لبنان في حاجة إلى التقليم/سمير عطا الله: برغم كل شيء/غسان شربل: جدران إيران العراق والخيط الإيراني/مأمون فندي: تحدي إيران

80

مقالات 5 من جريدة الشرق الأوسط تتناول الإنتفاضة اللبنانية

التمسك بالحريري: وراء الأكمة ما وراءها!
سام منسى/الشرق الأوسط/11 تشرين الثاني/2019

أثرياء لبنان في حاجة إلى التقليم
دان آزي/الشرق الأوسط/11 تشرين الثاني/2019

برغم كل شيء
سمير عطا الله/الشرق الأوسط/11 تشرين الثاني/2019

جدران العراق ولبنان والخيط الإيراني
غسان شربل/الشرق الأوسط/11 تشرين الثاني/2019

تحدي إيران
مأمون فندي/الشرق الأوسط/11 تشرين الثاني/2019

****
التمسك بالحريري: وراء الأكمة ما وراءها!
سام منسى/الشرق الأوسط/11 تشرين الثاني/2019
يصعب فهم التعنّت الفاضح الذي تبديه السلطة السياسية في لبنان تجاه مطالب الناس التي ملأت بمئات الآلاف شوارعه منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، إلا إذا وضعنا هذا العناد في سياق الانقلاب الذي نفذه «حزب الله» ومكّنه من السيطرة على رئاسة الجمهورية ومجلس النواب والحكومة، ليُحكم بذلك قبضته على الحياة السياسية في لبنان بشقيها الداخلي والخارجي.
ويصعب أيضاً فهم هذا التعنت إلا إذا قرأناه في سياق تطور إقليمي آخر وهي الحركة الاحتجاجية التي يشهدها العراق، والتي تكاد تكون مشابهة لما يجري في لبنان إلا أنها أوضح في مطالبها السياسية التي اختصرها المتظاهرون العراقيون برفع شعار واحد: «إيران برا برا، بغداد حرة حرة».
القاسم المشترك بين عناد السلطتين اللبنانية والعراقية وإصرارهما على تجاهل الاحتجاجات، هو أنه صناعة إقليمية أكثر منها محلية، ومصدره الأساس إيران. فطهران لن تتنازل بسهولة عن مكتسبات حصدتها بعد زراعة دؤوبة استمرت لعقود وعقود خصوصاً في لبنان، وتمكنت عبرها من التسلل إلى البيئات المحلية في البلدين وخلق سلطة موازية لسلطة الدولة وتتفوق عليها في قدراتها العسكرية. بذل النظام الإيراني جهوداً مضنية في زرع وكلاء له في المنطقة وتمكينهم آيديولوجياً وسياسياً وعسكرياً حتى أعلن سقوط أربع عواصم عربية بيده، ومن السذاجة أن نعتقد أنه سيتنازل اليوم بسهولة عن الفضاء الاستراتيجي الذي أقامه والممتد من طهران إلى جنوب لبنان براً، ومن مضيق هرمز إلى باب المندب بحراً، لمجرد أن ثمة حراكاً شعبياً في الشارع. ومن السذاجة أيضاً أن نعتقد أن إيران ستعلن الحداد بسهولة على مشروعها التوسعي وستتخلى عن ورقة أذرعها الإقليمية المسلحة التي لطالما وضعتها على طاولة المفاوضات مع المجتمع الدولي، خصوصاً في ظل الضغوط التي تتعرض لها. ومن السذاجة أيضاً وأيضاً الاعتقاد أن إيران ستتخلى عن الاقتصاد البديل الذي أتاحه لها كل من العراق ولبنان وسمح لها بالالتفاف على العقوبات الأميركية. لا تحتمل إيران سقوط ورقتين في آن واحد!
الصورة تبدو أوضح في تقرير صدر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية نشرته صحيفة «الغارديان» منذ أسبوع، يقول إن استثمار إيران في أذرعها بالمنطقة أهمّ بالنسبة إليها من الصواريخ الباليستية والقنبلة النووية. فإيران نجحت عبر هذه الأذرع في زعزعة السياسات الداخلية للدول وباتت تتحكم بها دون الدخول في حروب بين الدول أو أن يطالها قانون دولي. فهي جعلت الحروب داخل الدولة وبين أبناء الوطن الواحد.
وكما ظهر الخوف الإيراني من خسارة العراق عبر زيارة قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني، لبغداد ومنعه رئيس الحكومة العراقية من الاستقالة، ظهر الخوف الإيراني من خسارة لبنان عبر إصرار «حزب الله» على المضي في تشكيل حكومة سياسية يرأسها الرئيس المستقيل سعد الحريري، متخطياً تاريخ 17 أكتوبر (تشرين الأول) كما لو أنه لم يكن، ورافضاً تقديم رأسه على طبق حكومة تكنوقراط.
لماذا التمسك بالحريري رغم أنه بإمكان «حزب الله» وحلفائه تشكيل حكومة أغلبية يسيطر عليها بالكامل؟ في الواقع إن التمسك بالحريري ليس هياماً به وليس لأنه الأقوى في طائفته بل لأسباب أخرى أولها أن وجوده على رأس السلطة الإجرائية يؤمّن تغطية سُنية لسيطرة «حزب الله» على البلاد تماماً كالتغطية المسيحية التي وفّرها له الرئيس عون، وثانيها علاقاته مع الغرب وارتباط المساعدات الدولية للبنان باسمه، وثالثها أن المجتمع الدولي سينظر إلى حكومة فريق واحد يسيطر عليها «حزب الله» على أنها حكومة إيران وستكون عُرضة وبشكل مباشر لسهام العقوبات الغربية. فـ«حزب الله» يرى أن رئيس حكومة محسوباً عليه وعلى فريقه السياسي لن يخدمه كما يفعل الحريري، من حيث يدري أو لا يدري، ولذلك نراه اليوم يعمل على شد أواصر التسوية السياسية الأخيرة وإعادة تركيب سلطة على غرار السلطة السياسية السابقة. ويبدو أن الحريري تحت الضغط ولن يُسمح له بالانسحاب، وهذا ما أكده حسن نصر الله عندما قال بعد استقالة الحكومة متوجهاً إلى السياسيين بعامة وغامزاً من جانب الحريري بخاصة: «ممنوع تهربوا من مسؤولياتكم وتطلعوا وبدّوا يحاكمكم الشعب».
«حزب الله» يحاول طبعاً الوصول إلى مخرج لكن دون التراجع قيد أنملة عن سياساته، ويعتقد البعض أنه قد يقبل بحكومة تشرك بعض رموز الحراك إلى جانب أطراف سياسية تضمه والتيار الوطني الحر وحركة «أمل» والرئيس الحريري، ولكن في عملية تجميلية يتم عبرها استبدال بالأصلاء وكلاء يحرّكهم بواسطة جهاز تحكم عن بعد دون أن يكون مسؤولاً بشكل مباشر عن أدائهم. وهذا أخطر ما يحاك اليوم للبنان، أن تحتوي السلطة السياسية الحراك من خلال حكومة فيها أسماء جديدة لكنها أسماء تدار عن بعد من قِبَلها، وهذا ما تشي به اجتماعات الرئيس الحريري مع جبران باسيل ورئيس الجمهورية وممثل «حزب الله»، في خطوة تخالف الدستور والأعراف وتهمش مجلس النواب وتؤكد مرة جديدة أن الديمقراطية في لبنان متخيَّلة وغير موجودة. وهذا أقصى ما يمكن لـ«حزب الله» أن يقدمه راهناً.
البعض الآخر يرى أن الحزب لن يقبل حتى بهذا السيناريو وسيصر على حكومة سياسية يتمثل فيها كما سبق، ما يعني انسداد كل المخارج ما عدا مخرجاً واحداً هو استنساخ الحالة العراقية ولجوء «حزب الله» إلى القوة بعد العزف على وتر الطائفية وتدخل السفارات والعناصر المندسة والخوف من حرب أهلية ثانية. لن تقبل طهران بالخسارة دون قتال ولو سال الكثير من الدماء كما يحصل في العراق.
ماذا عن تأثير كل ذلك على الوضع الاقتصادي والمالي الذي بدأ فعلياً السقوط في الهاوية؟ في الواقع قد يكون «حزب الله» يخشى الانهيار الاقتصادي والمالي، لكن علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أيضاً أنه لطالما كان ضد التركيبة الاقتصادية والمنظومة المالية السابقتين، وقد يشكل انهيارهما بالنسبة إليه فرصة لإعادة تشكيلهما من جديد بما يتلاءم مع فكره ومصالحه، وكمقدمة لإعادة تشكيل النظام السياسي برمّته. وفي هذا السياق، علينا أن نخفف من مثاليتنا إزاء المجتمع الدولي، فلديه من فائض الخبث ما يكفي لغضّ الطرْف عن تسويات مقبلة قد تحصل، وبالتالي المضيّ في مساعدة لبنان اقتصادياً ومالياً على الرغم من إدراكه أنْ لا إصلاحات قريبة تلوح في الأفق ولا إلغاء لهيمنة «حزب الله» ودوره. مهما يخبئه الغد للبنان، يبقى أن هذه الثورة أثبتت أن إيران قد تكون نجحت في السيطرة على الأنظمة السياسية في كلٍّ من لبنان والعراق، لكنها خسرت حكماً شعبيهما، وجاءتها السهام من داخل البيئة الشيعية التي عملت لعقود على تطويعها وإخراجها من بيئتها الوطنية. قد يخفت الحراك، لكنه لن يخمد أبداً!

أثرياء لبنان في حاجة إلى التقليم
دان آزي/الشرق الأوسط/11 تشرين الثاني/2019
تكمن في قلب المظالم الاقتصادية، التي تغذي الاحتجاجات الجماهيرية اللبنانية الحالية، قضية من قضايا الاحتيال المنظم. ولن تتلاشى المشكلة الراهنة بمجرد حل الحكومة أو تغييرها – حتى في ظل وجود مجلس وزراء من الخبراء – أو عن طريق ضخ مزيد من رؤوس الأموال من البلدان العربية. وسوف يتطلب الأمر فرض التدابير والإجراءات الصارمة، بما في ذلك التقليم الإلزامي لكثير من أثرياء مواطني البلاد.
على مدى العقود الماضية، اعتمد لبنان على التحويلات المالية الخارجية، للمحافظة على الاقتصاد واستقرار الليرة. واستقر سعر صرف الليرة عند 1507.5 ليرة مقابل الدولار الأميركي، منذ عام 1997 حتى اليوم، وأسفر ذلك الربط الطويل الأجل إلى ارتفاع قيمة العملة المحلية عند المقارنة بإنتاجية البلاد. وقد منح هذه الأمر للمواطنين اللبنانيين دخلاً أعلى ومستويات معيشية مرتفعة من أي دولة عربية مجاورة، ما سمح لهم بالإنفاق ببذخ على السفر، والرحلات، والسيارات، والملابس، والأجهزة، والأدوات.
لكن خلال الأزمة الائتمانية عام 2008، وقع ارتداد عكسي لرؤوس الأموال اللبنانية. وتوقف الأثرياء اللبنانيون في الخارج عن الثقة في البنوك الأجنبية، وفضلوا نقل أموالهم إلى الوطن، ما ساعد على خلق فائض معتبر في ميزان المدفوعات، بمقدار 20 مليار دولار بين عامي 2006 و2010. وسرعان ما تبدد هذا الفائض بسبب التطوير العقاري بلا ضابط، وبسبب الإنفاق (الإهدار) الحكومي، ما أسفر عن تكون فقاعة يمكن تلمس آثارها الباقية حتى يومنا هذا في الأبراج السكنية اللامعة غير المسكونة التي تتناثر عبر أفق العاصمة بيروت.
وبدءاً من عام 2011، تحول الفائض إلى عجز سنوي مستمر. وحتى عام 2016 لم يدرك المصرف المركزي اللبناني علامات الخطر الواضحة. ودخل المصرف المركزي في سلسلة مما أطلق عليه وقتها معاملات «الهندسة المالية»، التي كانت تعادل مبادلة الليرة بالدولارات الجديدة (القادمة من الخارج) بمعدلات فائدة غاية في الارتفاع بلغت 14 إلى 30 في المائة.
وتم اعتبار أغلب الليرات اللبنانية، التي أصدرها المصرف المركزي اللبناني، كإيرادات، ما منح البنوك أرباحاً قياسية غير مسبوقة، على الرغم من الاقتصاد الراكد في البلاد. وحقق أكبر مصرفين في البلاد وحدهما أكثر من مليار دولار من الأرباح المصطنعة في عام 2016. ودُفعت المكافآت السخية لكبار المديرين نقداً على وجه الحقيقة.
وتم الحصول على الفوائد المستحقة للمودعين السابقين من أموال المستثمرين الجدد. ولم يتنبه المحللون المحليون أو الأجانب لهذا الأمر الخطير، على الرغم من أن الآلية كانت تشبه بصورة مثيرة للشكوك ما صنعه المهاجر الإيطالي سيئ السمعة في بوسطن الأميركية قبل قرن كامل من الزمان. ولقد استفاد العاملون اللبنانيون كافة من هذا البديل الخاص ذي الصلة بمخطط الاحتيال غير الواضح، حيث كان الربط بالدولار يعني أن رواتبهم تساوي ما هو أكثر من نظام العملة العائمة.
ونظراً لتأثير المزاحمة الناجم عن ذلك، كان الخاسرون الرئيسيون هم الشباب، الذين ارتفعت معدلات البطالة لديهم إلى 40 في المائة. وفي النموذج اللبناني، أول ما يفكر فيه الشباب اللبناني العاطل عن العمل هو الهجرة خارج البلاد، ومحاولة العثور على العمل في أماكن أخرى، ثم البدء في تحويل الأموال إلى الداخل، ومواصلة تمويل دورة مخطط الاحتيال القديم. غير أن هذا الأمر صار أكثر صعوبة الآن مع تضاؤل فرص العمل في الخارج.
ووقع أغلب المحللين فريسة التشتت، بسبب اعتماد المقاييس التقليدية، مثل الديون الحكومية التي بلغت قيمتها نحو 90 مليار دولار، وكانوا يتغافلون عن حقيقة أن المصرف المركزي اللبناني قد اقترض 110 مليارات دولار من المصارف اللبنانية، وذلك من أصل 170 مليار دولار هي إجمالي قيمة الودائع. وصار نصف الودائع الدولارية في المصارف اللبنانية اليوم تحت تصرف المصرف المركزي اللبناني، والبقية الباقية بالعملة المحلية، الليرة. وليس هناك من سبيل أمام المصرف المركزي اللبناني لإعادة هذه الأموال مرة أخرى.
وفي الأثناء ذاتها، خلقت أسعار الفائدة الفلكية مجموعة من أصحاب الملايين وعشرات الملايين. لكن قيمة حساباتهم المصرفية ليست سوى مجرد مدخلات على شاشات الحواسيب، تنتجها معدلات الفوائد المركبة، في غياب الاستثمارات الإنتاجية التي تحقق العوائد الحقيقية على الجانب الآخر. وهذا هو السبب في تقلص السيولة النقدية الحقيقية مع زيادة الودائع المصرفية بصورة مصطنعة.
تبلغ قيمة الاحتياطات الدولارية في المصرف المركزي اللبناني، بالإضافة إلى الودائع المصرفية مع الحسابات الآمنة، نحو 40 مليار دولار. وبعبارة أخرى، هناك دولار واحد فقط من السيولة النقدية مقابل كل 3 دولارات من المطالبات. وليس من شأن ذلك أن يكون مشكلة في المعتاد في الأعمال المصرفية المجزأة، باستثناء أن جميع هذه الالتزامات هي بالعملات الأجنبية، التي لا يستطيع المصرف المركزي اللبناني طباعتها أو توليدها محلياً.
والأنباء السارة في قلب هذا الخضم العسير أن كل هذه الديون داخلية، ما يجعل الحل سهلاً وبسيطاً للغاية؛ إعادة الهيكلة الوطنية التي تسمح بتوزيع الخسائر على نحو منصف. وتمثل نسبة أقل من 1 في المائة من المودعين، أو نحو 24 ألف حساب مصرفي، ما يقرب من 90 مليار دولار من الأموال المودعة، مع متوسط الحسابات، الذي يبلغ نحو 3.5 مليون دولار. (ومع افتراض أن كل مليونير لبناني يملك 3 أو 4 حسابات مصرفية، وهي من الممارسات الشائعة في لبنان، فإننا نتحدث عن أكثر من 6 آلاف إلى 8 آلاف من أصحاب الحسابات المصرفية).
لكن ملاك حسابات هذه الأموال الوهمية ينفقون بعضاً منها في العالم الحقيقي، على شراء السيارات الفارهة، على سبيل المثال، الأمر الذي يسبب التآكل الواضح في احتياطيات المصرف المركزي اللبناني. وعلى نحو مماثل، فإن كل لبناني يحقق ربحاً بالليرة المحلية يستهلك بدوره من احتياطي المصرف المركزي اللبناني في كل مرة يذهب فيها لقضاء العطلة الفاخرة في اليونان، أو يستورد منتجاً من المنتجات الغالية من خارج البلاد.
كيف يمكن حلّ المشكلة؟ يمكن للمصرف المركزي اللبناني البدء في فرض الضوابط على رؤوس الأموال، وعلى التحويلات في الخارج، مع الحد الصارم من عمليات السحب النقدي في الداخل. وتقوم بعض المصارف اللبنانية بتنفيذ ذلك على نحو فعلي الآن، لكن الأمر سوف يدخل حيز الفعالية الجدية إذا ما صار إلزامياً على الجميع بقرار صادر من المصرف المركزي اللبناني.
ومن شأن الضوابط على رؤوس الأموال أن توقف النزيف. غير أن تضميد الجروح يستلزم مزيداً من الإجراءات الصارمة، مثل تقليم الحسابات المصرفية كافة التي تزيد على مليون دولار. «ويتوقف مستوى التقليم على مدى استعداد المصرف المركزي اللبناني للبدء في التقليم؛ وكلما كان الحساب المصرفي كبيراً، كان التقليم أكثر عمقاً». وربما يتطلب الأمر صدور مرسوم وزاري بذلك، أو موافقة برلمانية. ويمكن للمشرعين في لبنان إطلاق اسم «الضريبة المؤجلة» على الأمر، إن كان ذلك سوف يجعلها أكثر استساغاً من الناحية السياسية.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»

برغم كل شيء
سمير عطا الله/الشرق الأوسط/11 تشرين الثاني/2019
العام المقبل هو عام مرور مائة عام على إعلان دولة «لبنان الكبير» بعدما ظل «جبل لبنان» لزمن طويل. العام 1943 أعلن استقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي، وكان الشيخ بشارة الخوري أول رئيس استقلالي. قبل شهرين توفيت ابنته، هوغيت، وذهبت لأداء واجب التعزية. أمسك بي شقيقها، الشيخ ميشال، وأجلسني إلى جانبه، وأدركت بالطبع أنه يريد التحدث عن حزن وطني يفوق حزنه الشخصي. قال دون مقدمات «العام المقبل نحتفل بولادة لبنان، لكنني أخشى أن نحتفل بدفنه. لقد بلغت الأربعة والتسعين من العمر وما شاهدت في حياتي حقبة أسوأ مما نحن فيه».
نويت ضمناً ألا أنقل هذا الكلام المفزع عن رجل في قامة ومكانة هذا الشاهد التاريخي لكي لا أزيد في يأس الناس. لكن مع 17 أكتوبر (تشرين الأول) شاهدنا لبنان يولد من جديد. لبنان لا يشبه الذين شوَّهوه، وأسقطوه، وأفلسوه، وأحرقوا جماله. منذ 17 أكتوبر يولد كل يوم لبنان جديد، مدهش، حقيقي، صادق وغير مزيف. مئات الآلاف من البشر نزلت إلى الشوارع ترفض صدأ الطبقة السياسية: أمهات، آباء، أطفال، صبايا، والآن الطلاب. قبل أشهر قليلة خاطب الوزير جبران باسيل خصومه بغطرسته المعهودة، مهدداً بالنزول إلى الشارع، باعتباره يملك شعبية أكثر من سواه. فإذا خصومه يفتحون عليه كل شوارع وساحات لبنان. أنا واحد من الذين لا يصدقون هذه المشاهد. وعندما أبدى الشيخ ميشال الخوري تشاؤمه، كان يخامرني تشاؤم أقسى ويأس أعمق. فاتنا جميعاً أن اللبناني التاجر والسمسار الذي يبيع كل شيء، هو أيضاً المثقف وصاحب العنفوان ومدمن الطموح والحريات.
لم تجرؤ حكومته على إطلاق الرصاص عليه. ولم تحاول منع المنابر والبرامج التلفزيونية الصائحة. وبرغم كل شيء، أظهر الوجه الجميل برغم الوجه الذي لازم السلطة. ظل لبنان الكبير حياً، لطيفاً، بارعاً، دعابياً، مؤنساً، ضاحكاً وبطلاً عظيم الصدور، حديدي المناكب.
تسامحني الساحات العربية الأخرى حيث سقط القتلى وآلاف الجرحى ولم يعثر الثوار على برنامج تلفزيوني واحد يستضيفهم. هنا، في لبنان الكبير، التلفزيون الحكومي يستضيف المعارضين. ويمنحهم الوقت والحرية. ليس بفضل السلطة السياسية طبعاً، بل بقوة الدولة التي تُعلن ولادتها برغم كل شيء.

جدران العراق ولبنان والخيط الإيراني
غسان شربل/الشرق الأوسط/11 تشرين الثاني/2019
قبل ثلاثين عاماً، أوفدتني «الشرق الأوسط» لتغطية أخبار جدار برلين المتداعي. ولم يكن مستغرباً أن تنتابني، كصحافي عربي شاب، أسئلة عن العالم الذي أنتمي إليه. تزايدت حدة الأسئلة لاحقاً حين فر الاتحاد السوفياتي إلى متحف التاريخ، وتساقط أيتام الكرملين تباعاً.
في المقهى، قرب الجدار، رحت أفكر. متى ستسقط الجدران العربية؟ ليس فقط الجدران التي تمنع هذه الدولة العربية من التواصل مع جارتها، بل أيضاً جدران الداخل التي كانت تحتجز العقل والقلب والرئتين. كان اسم حاكم العراق صدام حسين. وحاكم ليبيا معمر القذافي. وحاكم سوريا حافظ الأسد. وكان قصر بعبدا اللبناني في عهدة جنرال صاخب اسمه ميشال عون، وبصفته رئيساً لحكومة شكّلها من العسكريين. اليوم، غاب الزعماء الثلاثة، ويقيم قصر بعبدا في عهدة عون رئيساً منتخباً تشهد بداية النصف الثاني من عهده سقوط جدران كثيرة بفعل الحراك الشبابي والطلابي. أما العراق الذي اعتقدنا أن صدام حسين كان الجدار الوحيد الذي يمنعه من التقاط أنفاسه واللحاق بالعصر، فيشهد هو الآخر تصدع جدران صيغة المحاصصة والتقاسم التي أنهكت البلاد.
كان سقوط الجدار نهاية حقبة وبداية أخرى. ساد الاعتقاد أن العالم سيعيش طويلاً في عهدة القطب الواحد المنتصر. ثم تبين أن أعباء قيادة العالم أكبر من أن تضطلع بها دولة واحدة، حتى ولو امتلكت الاقتصاد الأول والجيش الأقوى. ولم يتأخر الوقت كثيراً، فقد شهدنا روسيا تطل من الركام السوفياتي، وبزعامة الكولونيل الذي كان يقيم قرب الجدار وحمل الجرح في قلبه، واسمه فلاديمير بوتين. ثم شهدنا الصعود الصيني المذهل، حين تمكن ورثة ماو من إخراج مئات ملايين الصينيين من الفقر بأفكار لم ترد أبداً في «الكتاب الأحمر» الذي دبجه «الربان العظيم». أسقط الورثة جدار ماو بلا ضجيج، لكنهم حفظوا من عهده هالة ضريحه وآلة رقابة واستقرار، اسمها الحزب الشيوعي، بعدما غسلوه في نهر العولمة.
ثمة ما هو أهم وأخطر مما تقدم. أدى تراكم الأبحاث إلى سلسلة متلاحقة من الثورات العلمية والتكنولوجية غيرت أيضاً علاقة الفرد بالعالم، وسمحت بتدفق حر للأخبار والتعليقات والصور. لم يعد باستطاعة أحد اعتقال المعلومات عند نقطة الحدود، ومطالبتها بالحصول على تأشيرة دخول، والخضوع لامتحان جهاز الأمن قبل التسرب إلى عقول المواطنين؛ إنها ثورة وسائل التواصل الاجتماعي. وإذا كان التاريخ سجل أن رشاش الكلاشينكوف لعب دوراً كبيراً في تحقيق الثورات والانتفاضات في العالم، فإن التاريخ سيسجل لاحقاً أن الهاتف الذكي أعنف من الكلاشينكوف وأكثر فاعلية وخطراً.
أسقطت ثورة الاتصالات كثيراً من الجدران. الجدران التي شيدها الأهل بفعل المحافظة والخوف. والجدران التي أقامها الأمن لحراسة النظام. والجدران التي أقامتها الحكومات لمنع الدماء الجديدة الحارة من التدفق في عروق المجتمع. هزت ثورة الاتصالات كل شيء. وطرحت علامات استفهام حول كل شيء. أسقطت المحظورات واستدرجت إلى النقاش ما كان يستحيل اقتياده إلى المشرحة.
هل ترانا نبالغ إذا قلنا إن تدفق الشبان العراقيين إلى الساحات ينذر بسقوط جدار الفساد والدولة المتصدعة والزمن الطائفي الذي كاد يقتل العراقيين، ومعهم العراق؟ وهل ترانا نبالغ إذا قلنا إن تدفق الشبان اللبنانيين إلى الساحات والشوارع ينذر بسقوط جدار الفساد والدولة المتصدعة وخيمة الطوائف التي كادت تقتل اللبنانيين، ومعهم روح لبنان؟ وهل نبالغ إذا قلنا إن عراقياً جديداً يولد ولن يقبل بأقل من دولة عصرية المؤسسات تقوم على الشفافية والنزاهة والكفاءة والانخراط في العصر؟ وهل نبالغ إذا قلنا إن لبنانياً جديداً يولد ويرفض أن يستدعى إلى الأعراس الطائفية بولائمها ومجازرها، وإنه لن يقبل بأقل من دولة القانون والانفتاح والقضاء المستقل؟أبحرنا طويلاً في اليأس. قتلنا الانتظار المديد. ثم خيبتنا انهيارات «الربيع العربي»، وتقدم قوى الماضي للاستيلاء على أحلام الناس. وأخافتنا قدرة الأنظمة على الترويع وتغيير مسارات الحراكات وإغراقها في الدم والإرهاب. لكننا نكاد نشهد اليوم ولادة عربي جديد. لا يريد الانتصار على الطائفة الأخرى ولا المذهب الآخر. يريد تعليماً يفتح أمامه فرص العمل والتقدم والإبداع. يريد شرطياً يعمل تحت سقف القانون. ومحكمة لا يزجرها مدير المخابرات. يريد دولة طبيعية وعصرية لا تعيش دائماً على شفير حرب أهلية، ولا تنجب اليائسين والانتحاريين والأحزمة الناسفة. العربي هنا وهناك يريد دولة الشرفات لا دولة الجدران.
ما يجري في العراق ولبنان يستحق التوقف عنده من قبل الجميع. لا يمكن اعتقال نهر التاريخ مهما بلغت القدرة على تشييد السدود والجدران. على السلطات العراقية أن تقرأ وتسمع وتستنتج. الأمر نفسه بالنسبة إلى السلطات اللبنانية. ولأن الخيط الإيراني حاضر بقوة في العاصمتين، وتستندان إليه في مقاومة رياح التغيير، فإن على إيران نفسها أن تقرأ وتستمع وتستنتج. يصعب الاعتقاد أن الشاب الإيراني لا تراوده الأحلام نفسها التي تراود الشاب العراقي والشاب اللبناني، رغم خصوصية أوضاع كل دولة. إدمان النفخ في جمر الثورة لا يؤجل إلى الأبد الاستحقاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. جدار الاشتباك الدائم مع الغرب لن يخفي أرقام الاقتصاد ووضع العملة وارتفاع معدل الفقر. وعلى المسؤولين الإيرانيين أن يتذكروا أن الثورة الصينية أنقذت على يد من صالحوها مع حقائق التقدم الاقتصادي وتحسين حياة الناس، وأن الاتحاد السوفياتي انهار بسبب الفشل الاقتصادي ورفض القراءة في مشاعر الناس. اتهام المحتجين في العراق ولبنان بتلقي الأموال والأوامر من السفارات لغة لا تحل مشكلة المتهِم ولا المتهَم. شبان أبرياء بهواتف ذكية ومخيلات غنية وإرادات صافية يسقطون الجدران. من لا يستمع إليهم يقف في المعسكر الذي سيسمى عاجلاً أو آجلاً معسكر الخاسرين. لا يحق لإيران أن تكون الجدار الذي يمنع التغيير في العراق ولبنان.

تحدي إيران
مأمون فندي/الشرق الأوسط/11 تشرين الثاني/2019
ما زالت إيران تمثل تحدياً كبيراً للغرب، وللقوى الإقليمية، يحتاج إلى مزيد من التفكير، فهناك ثلاث قضايا جوهرية في التحدي الإيراني؛ الأولى هي الملف النووي بأبعاده الدولية، والثانية هي سياسة عدوانية إقليمية توسعية، والثالثة هي ملف الإرهاب والقرصنة البحرية.
حضرت عشاءً جاداً في لندن، لمحاولة فهم التعامل مع التحدي الإيراني، سادتها وجهتا نظر؛ الأولى متفائلة ترى أن ما يحدث من حراك في لبنان والعراق قادر على تقليم أظافر إيران، وذلك لأن السياسة محلية في الأساس، ولو تحركت القوى المحلية، فإن ذلك سيؤدي بالضرورة إلى تغيير البيئة التي ساعدت في السابق إيران على تثبيت أرجلها في العراق ولبنان واليمن، وعوّل الحاضرون على ما يحدث في العراق أولويةً. النظرة الثانية متشائمة، حيث ترى أن إيران في طريقها لتحقيق حلمها النووي، وأن هذا الخطر يزداد، نتيجة أن إيران لها جبهتان مع دول إقليمية أساسية، فلها الآن حدود مع المملكة العربية السعودية من خلال العراق واليمن، كما أن لها حدوداً مع إسرائيل من خلال سوريا وجنوب لبنان. وإذا ما ارتكبت إيران حماقة على أي من الجبهات الأربع، فهذا بالضرورة سيؤدي إلى حرب إقليمية، لا يبدو أن الغرب مستعد لها، في ظل تراجع أميركي، أو سمه انسحاباً من الشرق الأوسط، وفي ظل موقف أوروبي لا يتوافق مع أميركا في طريقة التعاطي مع طهران.انشغل المحللون أيضاً بسؤال مفاده: هل التمدد الإيراني نتيجة سياسة عدوانية تحركها محركات إيرانية داخلية، مثل فكرة تصدير الثورة كعملية شرعنة لنظام عمره الآن أربعون عاماً، وبمقياس الأنظمة المغلقة فهو نظام قد شاخ، أم أن التمدد الإيراني في العالم العربي هو نتيجة الفراغ الموجود في العالم العربي، فراغ شد إيران، كما شد تركيا وإسرائيل والدول الغربية، لملء هذا الفراغ من قبل؟ وهل الانسحاب الأميركي يؤدي إلى مزيد من الفراغ يجذب إيران، ويفتح شهيتها لقضم مزيد من الأراضي العربية؟ لا شك أن هناك فراغاً استراتيجياً في العالم العربي، نتيجة لتصدعات في الجسم السياسي العربي، ونتيجة الثورات، كما الحال في اليمن، أو وجود عصابات مثل «داعش». لما سقطت ديكتاتورية علي عبد الله صالح ملأت جماعة الحوثي الفراغ، واستغلت إيران هذا الفراغ وأنشأت جماعة يمنية صورة من «حزب الله» في لبنان.
سياسة إيران منذ الثورة، وربما من قبل، هو عدم الدخول في مواجهات مباشرة مع دول الإقليم، ولكنها تستخدم «بروكسي» (أذناب) ليس للهجوم، بل لشغل من حولها بعدم الاعتداء عليها.
إيران في الأساس، وكدولة مارقة، تبحث عن «status» وجاهة واحترام، والمواجهة مع إسرائيل مثلاً لن تمنحها هذا الموقع «status» إذن المواجهة مع إسرائيل غير محتملة، رغم أن مولدات الطاقة الإسرائيلية، وكذلك المطارات، أصبحت في مرمى الأسلحة الإيرانية أكثر مما كانت عليه من قبل.
وملخص حوار الجلسة كان واضحاً فيه أن الموقف الغربي الأوروبي لا يفضل المواجهة مع إيران، ولا حتى العقوبات، بل يفضل الحوار البناء بهدف تغيير سلوك إيران. وكنت ممن يميلون إلى الرأي أن دعم الثورات في العراق ولبنان يعد خطوة مهمة لتقليص دور إيران الإقليمي. ولكن يبدو أن العرب الذين «اتلسعوا من الشوربة» في حالة «الربيع العربي»، «ينفخون في الزبادي» يطرح سؤال التحدي الإيراني بشكل مباشر. تردد العرب تجاه ما يحدث في لبنان والعراق أمر غير محمود.
ولكن مشكلة انتصار الثورات في العراق ولبنان قد تؤدي إلى أن الثورات قد تسح على دول مستقرة نسبياً، وتزيد من حالة عدم الاستقرار في المنطقة. ومع ذلك، فأنا أرى أن ما يحدث اليوم داخل إيران ذاتها، وما يحدث في لبنان والعراق، فرصة نادرة يجب استغلالها، إذا كانت هناك رغبة في مواجهة تحدي إيران.