المخرج يوسف ي. الخوري/لو سمحت لي سيّد حسن

269

لو سمحت لي سيّد حسن
المخرج يوسف ي. الخوري/11 تشرين الثاني/2019

في البداية، أتوجّه إلى سماحتك بالشكر والامتنان على اختيارك اليوم بالذات موعدًا لتقديم “درس الأشيا” الخاص بالأسبوع الثالث لانبعاث الفينيق. وما شكري إلّا من باب التقدير لتواضعك وعدم توقيتك درس هذا الأسبوع بعد كلمة لرئيس جمهوريتنا كما فعلت في الدرسين السابقين، وهو أمر اعتبره التلامذة الثوار تعدّيًا سافرًا على مقام الرئاسة، واستنتجوا أنّك أردتَ من خلاله التأكيد على أنّ الكلمة الفصل في البلاد هي لك!
فهؤلاء التلامذة، وبالرغم من مناداتهم بإسقاط السلطة، هم يحترمون رئيسهم ويُقدّرون ظرفه الحالي ويخشَون المسّ بمقامه على العكس من المنتفعين حوله ومن بعض أفراد عائلته.
كلّفني التلامذة الثوار بإبلاغ سماحتك بأنّهم يجدون صعوبة في فهم ما تدرّسهم إياه، وأنّهم غير مرتاحين لأسلوبك التقليدي في التوجيه والتعليم، والذي لم تُدخل عليه أي تعديل منذ ما قبل ظهور الانترنت في العالم.
وبما أن رسالتي هذه قد لا تُعطيك الوقت الكافي لتغيير منهجك قبل موعد درس اليوم، أوصيك بمحاولة تجنّب الغوص في الأمور البديهيّة الآتي ذكرها، مما يُفيدك لتكون مسموعًا:
– لا تُطِل البسملة على غرار ما فعل المفتي عبداللطيف دريان، فنحن نعيش في دولة مدنيّة ومطوّلات من هذا النوع لا تُقدّم ولا تؤخّر.
– أدخل مباشرة، وقدر المستطاع، بالموضوع.
– لا تستعرض أحداث الأسبوع المنصرم كما فعلت في الدرسين السابقَين، فجميع التلامذة يعرفونها لأنّهم عاشوها خلال تظاهرهم في ساحات الوطن، أو تابعوها على شاشات التلفزة.
– اختصر الكلام عن الشهداء، ولا تستغل دماءهم الطاهرة والقضيّة التي استشهدوا في سبيلها لتبرير مواقفك الأخيرة المؤيّدة لمنظومة ومنظّمي الفساد.
– تريّث في اتخاذ المواقف الجازمة كَـلَمّا أوحَيْت للحكومة بعدم الاستقالة وجزمت أن العهد لن يسقط، فالحكومة استقالت والعهد انتهى حتّى لو استمر.
– لا تهدّد بالفوضى، فهي لن تحصل! وإن حصلت لا سمح الله، تكون أنت مَنِ افتعلها، وسوف يتهمك الناس بالعمالة وتنفيذ أجندات غير لبنانية.
– لا تكرّر الدعوات للثوار بانتداب من يمثّلهم لمفاوضة السلطة، فهذا أمر محسوم بالنسبة للثوّار والغرق فيه يُسيء إلى شخصك الكريم لأن نواياك غير المُعلنة بخصوصه ظاهرة، بالإضافة إلى أن هكذا مطلب يجب توجيهه للسلطة قبل الثوّار، لأن السلطة هي العاجزة عن تشكيل لجنة للمفاوضة وتحظى في نفس الوقت بثقة كل أهل النظام، وما أكثر عددهم!
– لا تخجل من أن تضع منبّهًا بالقرب منك يُعطي إشارة خفيفة كلّما مرّت خمس دقائق على حديثك، لتذكيرك باختصار الكلام بما قلّ ودلّ. وبالتالي أنصح بالّا يتجاوز درس اليوم العشرين دقيقة، وأستطيع مساعدتك على الاختصار بالإضاءة لك على بعض النقاط التي لا نفع من إثارتها مع جنس تلامذتك الثوّار، لأنّها باتت ثابتة في قاموسهم الثوري، ومنها:
1- قيامُ الثورة أراحك يا سيّد من مواجهة قاسية مع المؤسسات المالية والهيئات الاقتصادية في البلاد.
2- كسرت الثورة هيمنة فريقي 14 و 8 آذار وتسوياتهما الجانبية على حساب الوطن والمواطنين.
3- كسرت هيبة الأحزاب وحرمت مناصريها ركوب موجتها ككتل، بل كأفراد وتحت راية العلم اللبناني.
4- أخفت نهائيًا من الصورة خطوط الطوائف الحمر التي هي بالأساس وهميّة.
5- صمدت الثورة في الشارع خمسًا وعشرين يومًا لغاية الآن، وهو الأمر الذي لم يبلغه أي تحرّك سابق عبر كل تاريخ لبنان.
6- أراحت الثورة الشعب اللبناني من أصوات النشاز والتضليل التي طالما تولّى ضخّ سمومها سياسيو السلطة وأبواقهم من الإعلاميين عبر شاشات التلفزة.
7- كشفت تدنّي المستوى الفكري والكاريزمي لدى القيّمين على شؤون البلاد، فأحاديثهم تقلب الأنفاس بينما كلام آخر متظاهر في الشارع يجعلك تفتخر بلبنان وشبابه.
8- أظهرت الثورة القوّة الفعلية لرجال السياسة بمن فيهم أنت، إذ تبيّن أنّكم لا تجرؤون على المواجهة وأنّ كل عنتريّاتكم هي في السياسة ليس أكثر، فذاك الذي تطاول على الناس قائلًا: “ما حدا يسمّعني صوتو” تجرّأ الناس عليه وأسمعوه أصواتهم بالملايين وهو مختفٍ. والذي أراد قلب الطاولة، قُلبت الطاولة عليه وبان حجمه المتواضع. حتى أنت يا سيّد خفّ وهج اطلالاتك بالرغم من الأسلوب الهادئ الذي تستخدمه في الآونة الأخيرة.
في النهاية، وقبل أن أتركك لمتابعة تحضير درس اليوم، ألفت انتباهك إلى أمرين قد ينفع توضيحهما للثوّار خلال الدرس:
الأول: الثوّار لبّوا ما سعت إليه أجهزتك بالتكافل والتضامن مع أبواق التيار الوطني الحر على صعيد فتح الطرقات، لكن يحيّرهم أنّهم منذ تنفيذهم الفتح، لم يعد أحد يستخدم الطرقات.. لماذا؟
الثاني: لا بد لك أن توضح للتلامذة الثوّار الصفةَ التي تُتيح لك كل أسبوع أن تُطِل وتملي عليهم واجباتهم، خصوصًا أن باقي زعماء الأحزاب يكتفون بإعداد المكائد في الكواليس.. فهل صفتك اليوم هي الناطق باسم الأحزاب المتوارية؟
أحد التلامذة الثوّار يعتقد أنّ صفتك تكمن في أنّك لا تزال في الوقت الراهن حاجة وضرورة لقوى الشر الأعظم وعلى رأسها أميركا وإسرائيل.. هل هذا صحيح؟
ملاحظة وأُقفِل: طلب منّي بعض التلامذة بأن أوحي لك بعدم الإكثار من استخدام سبابتك، وإلّا قاطعوا صفّك وانتقلوا للتظاهر في الشارع.
في اليوم الخامس والعشرين لانبعاث الفينيق.