وليد شقير: الاختناق السوريّ وما يخشاه حزب الله/منير الربيع: الحريري بين ثأر باسيل وهدية حزب الله المسمومة/وجيه قانصو: عندما تصير المقاومة حزباً

181

الاختناق السوريّ وما يخشاه “الحزب”
وليد شقير/نداء الوطن/11 تشرين الثاني 2019

الحريري بين ثأر باسيل وهدية حزب الله المسمومة
منير الربيع/المدن/الإثنين 11 تشرين الثاني/2019

عندما تصير المقاومة حزباً
وجيه قانصو/المدن/الإثنين 11 تشرين الثاني/2019

**

الاختناق السوريّ وما يخشاه “الحزب”
وليد شقير/نداء الوطن/11 تشرين الثاني 2019
يُصرّ “حزب الله” على ربط الحراك الشعبي بمخطط خارجي. يتخوّف من الإتيان بحكومة تكنوقراط أو من غير أحزاب السلطة، باعتباره انصياعاً لرغبة أميركا في إبعاده عن الحكومة، في إطار تضييقها عليه وعلى إيران في المنطقة.
يستغرب قادة الحراك الشعبي قلق “الحزب” في وقت لم يطرح أي من المجموعات الكثيرة المشاركة فيه لا مسألة دوره الإقليمي ولا مسألة سلاحه، لأن الانفجار الشعبي قام على احتقان اللبنانيين جراء تفاقم أحوالهم المعيشية وإذلالهم، خصوصاً الشباب العاطل من العمل، بسبب سياسة أحزاب السلطة الفاشلة على الصعيد الاقتصادي. بقيت الهتافات ضد أمينه العام السيد حسن نصر الله محدودة على رغم توجيه “الحزب” بعض مناصريه ضد الحراك بحجة التعرض لرمز ديني، فأدى القمع البشع ضد المتظاهرين الى نتيجة معاكسة عند اللبنانيين والجمهور الشيعي، حتى لدى منضوين في “الحزب” نفسه.
يعتبر الناشطون في الحراك أن “الحزب” هو الذي يطرح مسألة السلاح وارتباطه بإيران، عبر تبرير إصراره على التمثيل السياسي في الحكومة في مواجهة المخططات الأميركية. ويرون أنه يتجاهل بذلك أن سبب اشتراك جزء من جمهوره في الحراك، متفلتاً من قيود قيادته هو الوضع المعيشي. وإزاء ربط “الحزب” ومحللي الممانعة بين استهداف إيران في العراق وفي لبنان، يكرر الاستنتاج الشائع بأن الانتفاضة في المناطق العراقية الشيعية شهدت هتافات من نوع “إيران برا برا” وإنزالاً لصور رموز طهران، بينما الأمر مختلف في لبنان. وحيث أنزلت صور نصر الله فإن هذا جاء باعتباره واحداً من رموز السلطة، لا فعل هويته السياسية الإيرانية. وهو أمر طال الزعامات الأخرى أكثر على امتداد لبنان. الثابت أن السواد الأعظم من المشاركين في الثورة، غير مكترث بالسياسة الإقليمية لـ”الحزب” وسلاحه، ولا بربطها بما يجري في العراق فالمحرك في البلدين هو الوضع المعيشي، حتى لو جاء تحميل طهران مسؤولية ترديه في العراق أكثر وضوحاً مما هو عليه في لبنان. “الحزب” نفسه، عندما يطرح هواجسه، هو الذي يضيء على دور السياسة الإيرانية في لبنان، في التردي الاقتصادي. فتحالفاته في السلطة لحماية دوره الإقليمي، والتي اضطرته إلى تجاهل ما بلغه الفساد، وإغراق البلد في المحاصصة على حساب معالجة الأوضاع الاقتصادية، يفسران قلقه على إضعاف هؤلاء الحلفاء، وبالتالي إضعافه هو، في أي حكومة مقبلة أولويتها استعادة الثقة من أجل إطلاق التصحيح المالي، وليست مهمتها التصدي لدور “الحزب” الإقليمي، أو مشاركة أميركا في حملتها ضده.
واحد من أسباب اختناق لبنان هو تحوله الرئة التي يتنفس منها النظام السوري و”الحزب” إزاء العقوبات التي فرضتها واشنطن عليهما.
لم يعد سراً أن بضع مليارات من الدولارات سحبت من لبنان إلى سوريا، إما عبر شركات الأوف شور والاعتمادات التي فتحتها في مصارف لبنانية لاستيراد البضائع المحظورة عن طريق بيروت، والتي لا يسدد إلا القليل منها، أو عبر شراء كميات من الدولارات من الصيارفة لتزويد المصرف المركزي في دمشق بها، أو عبر تشجيع السوريين الميسورين على سحب أموالهم من المصارف اللبنانية إلى دمشق… ما أدى إلى شح السيولة في لبنان وإلى أزمة السعرين لصرف العملة.
ناهيك عن بيع “الحزب” النفط الإيراني المحظور أميركياً، المهرب عبر سوريا ثم تحويل ثمنه إلى الدولار. ما روج له وزير الخارجية جبران باسيل مطلع الشهر الماضي بالقول إن لبنان سيتنفس من الرئة السورية اقتصادياً، لتبرير استعادة العلاقات مع دمشق، تحول اختناقاً لبنانياً من تلك الرئة.
ما يقلق “الحزب” الآن أن “الرئة السورية” تختنق نتيجة انسداد الرئة اللبنانية، وإقفال المصارف وتحديدها لأسقف السحوبات والتحويلات وفرضها أذونات للاستيراد.
هذا من نتائج “وحدة المصير والمسار” وتوحيد ساحات المواجهة رغماً عن شعوب دولها. و”الحزب” يخشى حكومة تقفل أبواب الرئة اللبنانية لسوريا التي تحمّل لبنان ما يعجز اقتصاده عن تحمّله.

الحريري بين ثأر باسيل وهدية حزب الله المسمومة
منير الربيع/المدن/الإثنين 11 تشرين الثاني/2019
أسقط اللبنانيون نظرية المؤامرة عن انتفاضتهم. كما فشلت محاولات السياسيين في الاندساس بقلب التحركات أو اختراقها. حتى الترهيب والتخويف وإثارة العصبيات أو المخاوف الطائفية والمذهبية والمناطقية، لم تؤد نتيجتها. مع ذلك تستمر السلطة في حالة الإنكار السلطة، تحاول اجتراح حلول تناسبها من دون أي إدراك لحجم التغيير الذي أصاب لبنان. كل المراسيم التي تصدر باسم مكافحة الفساد، ومحاولة مجلس النواب إقرار قوانين.. كلها لا قيمة لها، لأن الأمر يتعلق بالنظام ككل. فالمواطنون فقدوا الثقة بالسلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية.
مساجين ونفط
الأهم هو أن الشارع لا يزال على حيويته، والتحركات تتنوع وتنضم إليها فئات اجتماعية جديدة طلابية وعمالية ونسوية. هذا يضمن شمول كل الناس بالتحركات وباستمرار الانتفاضة وتحولها إلى ثورة تامة. فبعد أن كان الإنتشار الجغرافي ميزة أساسية، اكتسبت الثورة إنتشاراً اجتماعياً ومهنياً، ما يمنحها الرسوخ والوضوح.
في المقابل، وكما كل السلطات قبل انهيارها، تلجأ السلطة اللبنانية إلى إخراج المجرمين من السجون، في رشوة سياسية (وطوائفية) مفضوحة، عبر إقرار قانون العفو العام عن المرتكبين، في مشهد مشابه لما فعلته الأنظمة العربية التي واجهت الثورات.
أيضاً لجأ بعض السلطة إلى الحديث عن النفط، كما فعل الأربعاء الماضي الرئيس نبيه برّي، وكما “استعرضت” الوزيرة البستاني حاويات أنابيب الحفر. وفي الحالين، الهدف إشاحة النظر عن الواقع.كل طرف في السلطة يبحث عن تعزيز فرص “نجاته” وعودته. صحيح أن الحريري باستقالته استعاد جزءاً من شارعه، لكن هذا يفرض عليه أداء سياسياً وإعلامياً مغايراً، ولا يمكنه البقاء هكذا متوارياً في الكواليس، حيث يعقد اللقاءات المغلقة، فمن واجبه إن أراد “ترميم” شعبيته وشرعيته السياسية، مصارحة الناس.
خسائر ومكابرة
كل المبادرات الدولية إذا ما توفرت، تنطلق من قناعة أنه لا يمكن إعادة إنتاج السلطة على النحو السابق، والمطلوب حكومة توحي بالثقة للبنانيين وللمانحين والأسواق. وهذا ما سيكون كفيلاً بتحرير الاقتصاد من قبضة تحالف المصارف والطبقة الحاكمة، ولا يقوم على مبدأ الصفقات. لكن، تبقى الخشية من أن يعود الكارتيل لإنتاج نفسه بصفقة جديدة مع المجتمع الدولي، تكون نتيجتها عودة المقاولين أنفسهم والسياسيين ذاتهم، بغطاء دولي ينتفع من وجودهم. وهذا ما يجب مواجهته والتصدي له.
تعنت السلطة حتى الآن يكلف لبنان واللبنانيين الكثير من الخسائر. كل المكابرة لم تعد تنفع. يعرف أركان السلطة أن أداءهم بالذات هو الذي أسقطهم، خصوصاً أصحاب “التسوية” التي أبرمت منذ ثلاث سنوات. وبسقوطهم أسقطوا معهم قوى أخرى. لذلك، فإن جلّ ما يبحثون عنه حالياً، هي إيجاد صيغة لحكومة تكون مرضية للشارع وللمجتمع الدولي. إنما بشرط أن يبقوا قادرين على التحكم بها وبمقرراتها صوناً لامتيازاتهم. لذا، يجري البحث الآن عن كيفية تقديم حكومة تضم وزراء جدداً وتكنوقراطيين، على أن تسمّيهم أحزاب السلطة، ولو كانوا غير حزبيين، أو يكون بعضهم حزبياً غير بارز.
صيغة حزب الله التكنوقراطية!
هذه القناعة توصل إليها حزب الله، بعد عدم اقتناع الحريري بالسير بحكومة سياسية، وتمسكه بشرطه بحكومة تكنوقراط. وحسب ما تشير المعلومات، تركزت طوال يوم الأحد الاتصالات على ضرورة الوصول إلى صيغة ملائمة يوافق عليها الحريري ويتم ابلاغه بها، كتأليف حكومة تكنوقراط بنكهة سياسية، أي يختار كل حزب وزراءه من غير السياسيين، على طريقة اختيار حزب الله للوزير جميل جبق. وتكشف المعلومات أن التيار الوطني الحر أجرى اتصالات بشكل غير مباشر بكل من الوزيرين السابقين مروان شربل وزياد بارود، للبحث معهم في إمكانية توزيرهم مقابل استبعاد الوزير جبران باسيل وغيره من الوزراء السياسيين.. على أن يتم طرح هذه الصيغة على الحريري مقابل أن يجيب عليها، قبل خطاب أمين عام حزب الله المرتقب. ويعتبر الحزب أنه بهذه الصيغة لم يبق خيار للحريري لرفض ترؤس الحكومة، فيما يبقى أن يجري الحريري اتصالات دولية سريعة، للحصول على غطاء لهذه التشكيلة للسير بها، خصوصاً أن الهم الأساسي لدى الجميع هو البحث عن مساعدات سريعاً لوقف الانهيار المالي الذي بدأ.
إقصاء “القوات” فقط
ومن الواضح أن الصيغة التي يتم البحث فيها تستثني “القوات اللبنانية”، التي ستجد نفسها مطوقة مجددة وعرضة للكثير من المضايقات، وفيما لا يبدو وليد جنبلاط في وارد الدخول في هكذا حكومة، مفضلاً المعارضة والاهتمام بوضع حزبه الداخلي، تشير بعض المعطيات إلى أن حزب الله والرئيس نبيه بري يصران على مشاركة جنبلاط بالحكومة، كي لا يتوسع هامش المعارضة. وهكذا “حكومة تكنوقراط” شكلية، ستكون عبارة عن هدية مقدمة من الحزب إلى للحريري، بضمان بقاء “القرار” السياسي الوطني محفوظاً لصالح الحزب وقصر بعبدا. أما في حال عدم موافقة الحريري على هذه الصيغة، فإن الأزمة حينها ستتعمق، وستزيد من التوتر السياسي بين الأفرقاء، خصوصاً أن هناك من يصف الحريري برهينة سياسية، سواء عندما أبرم التسوية الرئاسية وقدم كل التنازلات، أو عندما قرر الخروج منها، وسواء قبل بالبقاء كرهينة سلطة يمسك بها حزب، أو في حال رفض التشكيل ليتحول رهينة معادلة دولية “تبتغي تنفيذ انقلاب في لبنان” وفق توصيف الحزب.
باسيل للتخلي عن الحريري
على الأرجح، يتريث الحريري في تقديم إجابة نهائية، إلى ما بعد حضور الموفد الفرنسي وجسّ نبض الموقف الدولي من هكذا صيغة حكومية. لكن حزب الله ضاق ذرعاً من تأخر الحريري. وكان يريد الحصول على جواب أو تفاهم واضح منه قبل كلمة نصر الله اليوم.
وبسبب تأخر الحريري، حسب المعلومات، جرت اتصالات بين الثنائي الشيعي والتيار الوطني الحر. وكان باسيل يضغط باتجاه خيار تشكيل حكومة من دون الحريري، والدخول في المواجهة. وإذ لوّح حزب الله بذلك، بقي مفضلاً التريث قليلاً، لعلّ مجرد التلويح هذا يدفع الحريري للارتضاء “بما كُتب له”، خصوصاً أن هناك “رسائل ابتزازية” تصله بفتح ملفات وزراء محسوبين عليه، إن لم يوافق. وبالتأكيد ان حكومة من هذا النوع الذي يطرحها حزب الله ستجدد حياة “التسوية” والسلطة المنبثقة عنها، وتعمل على احتواء الانتفاضة وإماتتها.

عندما تصير المقاومة حزباً
وجيه قانصو/المدن/الإثنين 11 تشرين الثاني/2019
في العام 1982، اجتاحت إسرائيل لبنان حتى وصلت إلى العاصمة. كانت الدولة حينها منهكة بسبب الحرب الأهلية، ومترهلة بسبب خلل في أدائها والتناقضات العميقة في الجسم السياسي اللبناني. فبادر المجتمع اللبناني بأكثر مكوناته إلى تكثيف مقاومته للاحتلال، وجعلها أكثر انتظاماً وإيلاما للمحتل من نشاطها السابق. وقد صدرت هذه المبادرات بتعابير ودوافع ومسوغات متعددة، تراوحت بين التأويل الماركسي والالتزام القومي مروراً بمبادرات مدنية وفردية ووصولاً إلى بواعث جهادية دينية. هو تعدد يعبر عن تنوع مكونات المجتمع وتعدد الميول والاتجاهات في داخله، بل تنوع وتعدد داخل المكون المذهبي الواحد.
فالمقاومة فعل مواجهة يقوم به أبناء وطن لصد عدوان أو احتلال خارجي. هو رد فعل ومبادرة جماعية تسوغها مشروعية الدفاع عن النفس ويحفزها الإنتماء إلى وطن خاص يكون أساس هوية المقاومين ووازع نضالهم.
كانت جميع هذه المبادرات بمثابة استجابة مجتمعية طبيعية لأجل بقاء الكيان وحفظ المجتمع. صحيح أن منطقة المواجهة قد غلب عليها اللون الشيعي، إلا أن الفعل المقاوم حينها ما كان ليختص بمكون اجتماعي خاص، أو يكون بديلا عن الدولة أو منافساً لها، بقدر ما هي مبادرة الكيان نفسه، لا بأجهزة الدولة الرسمية وبنيتها البيروقراطية، بل بالحامل الأساسي لها، الذي هو المجتمع، بصفته مصدر مشروعيتها وقاعدة نشاطها وقوة استمرارها وبقاءها العميقين.
ففعل المقاومة، بعمقه المجتمعي، يتأكد حين تعجز الدولة، بأجهزتها الأمنية والعسكرية، عن القيام بواجب صد العدوان، أو الحد من الفوضى أو منع الانهيار الداخلي. هو فعل يبادر إليه المجتمع لا لاستبدال الدولة أو تحييدها بل لسد فراغاتها وتعثراتها وتدعيم حضورها وإعادة بعثها من جديد. فالشأن العام لا يُدبَّر بمجرد أوامر سياسية ملزمة وتشريعات رسمية، بل يؤازِرُ ذلك تضامنات بين مكونات المجتمع، وروابط خُلقية وقيمٌ جامعة بينها، وقواعد مشروعية، تشكل بمجموعها باعثاً لحفظ النظام العام، وضماناً لسيرٍ مستقرٍ ومنتجٍ للحياة العامة. فالدولة أو السلطة العليا ليست شيئاً يضاف إلى المجتمع من خارجه، بل هي صورة المجتمع في وضعية انتظامه لنفسه.
كان حزب الله، أحد أهم الروافد الاجتماعية للمقاومة، وتميز بأداء كمي ونوعي حقق إنجازات ميدانية معتبرة. أصر الحزب على أسلمة المقاومة، أي اعتبارها نشاطاً متعلقاً بالتكليف الديني والأغراض والغايات التي تخدم منظومة وعقيدة ولاية الفقيه، أي الفصل بين الباعث الديني والوازع الوطني، بتأكيد الأول وأولويته وإنكار وحتى تسخيف الثاني. رغم كل ذلك فقد تلَقَّت مكونات المجتمع، الشيعي تحديداً، جهادَ الحزب ضد إسرائيل بالقبول والترحيب، على قاعدة أولوية طرد المحتل وتأجيل الخلاف الأيديولوجي الداخلي.
التفاهم الإيراني السوري، في أوائل تسعينيات القرن الماضي، تسبب بحصر المقاومة بحزب الله بطريقة قسرية وإلغائية لباقي المقاومين، بعدما تبين أن الفعل المقاوم لا يخدم تحرير الأرض فحسب، بل أداة مناورة وابتزاز للنظام السوري ضد المجتمع الدولي، ومادة توظيف دسمة للنظام الإيراني في ربط أمنها باستقرار المنطقة العربية. هذا التوظيف لا يستقيم إلا بالتحكم بموارد المقاومة ومنابعها وبنيتها الداخلية واستراتيجية عملها وحتى في توقيت عملياتها.
حصر المقاومة بحزب الله تحت الوصاية السورية-الإيرانية أفرز أمورا ثلاثة:
أولها: انفصال المقاومة عن المجتمع اللبناني، وتحولها إلى بنية خاصة، ذات تراتبية ولائية في داخلها. الأمر الذي أخرجها عن عموميتها وتسبب باستقلالها وانفصالها عن مصدر زخمها بل عن مصدر مشروعيتها، باعتمادها مشروعية عقدية خاصة غريبة على النسيج المجتمعي، وتأكيد جوهريتها الذاتية قبال المجتمع والدولة معاً. هذا تجلى، بقصد أو بغير قصد، بالثلاثية التي روج لها الحزب: الجيش والشعب والمقاومة. وهو شعار يثبت المقاومة كياناً مستقلاً عن المجتمع (الشعب)، ومنفصلاً بالكامل عن الدولة (الجيش الذي هو أهم أدوات الدولة السيادية).
حصل تلازم بل تطابق بين المعتقد الولايتي للحزب والمقاومة، بحيث لا قيمة لمقاومة من دون هذا المعتقد، وباتت نشاطاً لا يراعي مقتضيات الإجتماع اللبناني، بل مأسوراً ومحكوما لما يسمونه بالتكليف الشرعي القائم على غيبيات نبؤاتية وتأويلات سلطوية تناقض في طبيعتها ومنطقها ومؤداها أصل العقد الاجتماعي وفكرة الدولة، لأي مجتمع وأية دولة. لذلك، وبدلا من انبثاق فعل المقاومة عن المجتمع ليعود آخر الأمر يصب في كيان الدولة الذي هو الإطار والمدخل الحصري لحفظ وبقاء الكيان اللبناني نفسه، حصل فصل كامل بين المقاومة التي باتت مطابقة للهوية الحزبية وتقوم على كثافة عقدية دينية من جهة وبين الهوية الوطنية التي تتسم بعموم عابر للطوائف لا يقبل التخصيص بهوية طائفية أو دينية خاصة.
ثانيها: خروج المقاومة عن أغراضها التحررية، بفعل التزامها وتبعيتها لمحور إقليمي. صحيح أن هذا المحور وفر للحزب مقدرات عسكرية مميزة، إلا أن هذه المقدرات تم استعمالها لما هو أبعد من أغراض المقاومة ووظيفتها، لتكون في خدمة سياسيات ومصالح واستراتيجيات الحلف السوري-الإيراني. هذه الوضعية قلبت المقاومة من وسيلة لخدمة غاية وطنية حصراً، إلى وسيلة لخدمة غاية أخرى خارجة عن مقصدها وهدفها بل مناقضة لهما في حالات كثيرة. وهو أمر ظهر في دعم الحزب اللامشروط للاحتلال السوري في لبنان، وفي أداء الحزب على الجبهة الجنوبية بطريقة تتناغم مع إيقاع إيران الإقليمي والدولي، وفي انتشار السلاح “المقاوم” في بقاع متفرقة ومتباعدة من الأرض لا صلة لفكرة المقاومة بها، ومتورطاً في معارك لم يعد بالإمكان تسويغها أخلاقياً أو إدراجها فعلاً مقاوماً، ما اضطر القيِّمين على هذا السلاح تكرار الاعتراف الكامل بالتبعية المالية والأيديولوجية والسياسية لإيران.
ثالثها: تكثيف المضمون الديني، وفق السردية الشيعية الولايتية لنشاط حزب الله، ما ولَّد حصرية معاكسة للفعل الديني نفسه. أي بدلاً من اعتبار الفعل المقاوم للحزب أحد أوجه الإيمان الديني، بات هذا الإيمان متقوماً بالتراتبية الولائية للحزب نفسه، ما ولد ذهنية إقصائية صارمة ضد أي نشاط أو اجتهاد أو حتى تعبد ديني لا يندرج ضمن هرمية سطوته وسلطة منظومته. بات الحزب بنظره فسطاط الإيمان كله مقابل الكفر كله الذي هو كل شيء خارجه. وهي ذهنية رفعت من منسوب نرجسية الحزب إلى درجة عالية، وعطلت فيه قدرة الإستماع للمختلف وتقبل أي نقد، واللواذ بالتهمة الجاهزة والعمالة الملفقة لكل خصم.
صارت المقاومة حزباً، لا من حيث المبدأ والمفهوم، وإنما لجهة تغريبها المتعمد عن المجتمع، ووضعها قبال الدولة لا في كنفها ومن مؤسساتها، وتحول عنوانها إلى شبكة مصالح خاصة وارتباطات جزئية وتورطها في صراعات إقليمية لا يستوجبها غرض المقاومة نفسه ولا تصب عوائدها لصالح المجتمع أو الدولة أو الوطن بل تناقضها في أكثر الأحيان. هذا إضافة إلى إلباس المقاومة لباساً عقائدياً دينياً ليس من أصلها أو طبيعتها ولا يقبل التعميم. كل ذلك أثار ريبة متصاعدة بينها وبين المجتمع، جعل أكثر المجتمع يشكك بجدواها أو مصداقية عملها، وجعل “المقاومة” تحذر من المجتمع نفسه وتخشى تحولاته ومتغيراته وحراكه، ما دفعها إلى بناء تحالفات سياسية محلية وإقليمية تستغني بها عن مشروعية الداخل، والعمل على فرض ترتيبات سياسية وعهود سلطة، لتفرض نفسها من خلال هذه العهود على المجتمع، وتتحصن بها من نقمة المجتمع أو انقلابه عليها، بدل التقوي بالتفافه حولها والإجماع العام عليها.
عندما تغترب “المقاومة” عن المجتمع وتصبح قوة تنافس قوة الدولة وتضاهيها، فلتبحث لنفسها عن إسم آخر.