شارل الياس شرتوني/ين نحن اليوم، مراجعة استعادية وتوقعية

28

أين نحن اليوم، مراجعة استعادية وتوقعية

شارل الياس شرتوني/30 تشرين الأول/2019

ان استقالة سعد الحريري هي تعبير واضح عن انفراط التماسك الحكومي بحدوده الدنيا، والشرخ الحاد بين ديناميكية حزب الله السياسية والأولويات السياسية اللبنانية، وهذا ليس بالأمر المستحدث. حزب الله يعمل بوحي من استراتيجية إيرانية وشيعية إقليمية، وتعاطيه مع المعطى اللبناني يتم من هذه الزاوية وما تمليه من سياسات تلغي كل المعوقات التي تحول بينه وبين أهدافه السياسية الكبرى التي تتجاوز الاعتبارات السيادية اللبنانية. لقد اصطدمت هذه الديناميكية التصاعدية بمعوقات سياسية وعسكرية سابقة وعملت على الالتفاف عليها وتجاوزها مهما كلفت الأمور من تكسير إرادي للاعتبارات السيادية، وصياغة لتحالفات مرحلية تحمي حرية مبادرته الداخلية، وتحول دون استفراده أو النيل من موقعه داخل المعادلات السياسية القائمة في البلاد، تضاف إلى قوته العسكرية وارجحيته داخل الوسط الشيعي، وموقعه داخل اعادة التموضع الاستراتيجي الناشىء عن الانسحاب الاميركي من شمال شرق سوريا .إذن نحن أمام انقسام قديم ومتجدد بين الديناميكية الشيعية الغالبة والأولويات السياسية لمعظم اللبنانيين التي تتمحور حول أولويات الإصلاح في السياسات العامة، التي تأتي على رأسها مفكرة القضاء على الفساد العميم والبنيوي الطابع الذي يحكم مفاصل العمل الحكومي والسياسي والإداري في بلادنا، وضرورة اجراء إصلاحات نسقية تطال المبنى الدستوري لجهة اعادة تركيب آلية الحكم على أساس فدرالي، واستئصال الشؤون التدبيرية، والتجهيزية، والبيئية، والخدمات العامة، والحقوق التربوية والاستشفائية من إقفالات سياسات النفوذ ونقلها إلى دائرة الحقوق الأساسية والعمل المهني الصرف. هذا يعني بالتالي اننا أمام انقسام أساسي حول أولويات الحياة الوطنية وما تمليه بالحد الأدنى من التماسك بين المكونات الناظمة للاجتماع السياسي اللبناني.

تنبىء قراءة الخريطة السياسية الآنية عن توزع الديناميكية السياسية في البلاد بين فاعليات سياسية متعددة تلتئم، على اختلاف مصالحها، حول ضرورة صيانة اللعبة القائمة والتحرك ضمن محدداتها: تيار رئيس الجمهورية متمسك بتحالفه مع حزب الله بحكم علاقة وظيفية مديدة خدمت أهداف الطرفين لجهة تكوين لحيثيته السياسية الداخلية وتحصين حرية المبادرة داخليًا وخارجيًا، وتثبيت الموارد الريعية والحيازات الفردية والمذهبية الشيعية (حزب الله)؛ استعادة الموقع السياسي للمسيحيين بعد سياسات الإقصاء والاستتباع والاستخدام التي اعتمدت تجاههم طوال حقبة الطائف الأولى (١٩٩٠-٢٠٠٥ ) ، واستخدامها من اجل تدعيم مواقع النفوذ والمصالح الريعية والزبائنية ( التيار الوطني )؛ تثبيت سياسة النفوذ الشخصية والموارد الريعية والحيازات وشبكات الزبائنية الشيعية، ونهج ارهاب الرعاع الذي اعتمده نبيه بري سبيلا لتأمين ديمومته على رأس السلطة التشريعية وتأمين مصالحه ( تيار أمل )؛ تثبيت زعامة ال الحريري على مختلف ارجاء التوزع السني وتأمين الموارد الريعية والحيازية والشبكات الزبائنية في الأوساط السنية وحمايتها من المداخلات الشيعية، والتحديات التي تطرحها التوجهات الأصولية والجهادية فيها، وأخيرا منافسة الاوليغارشيات السنية المتأهبة عند كل منعطف ( تيار المستقبل )؛ حماية المواقع السياسية والموارد الريعية والحيازات وتثبيت المقاطعة السلطوية الدرزية في الجبل الشوفي وحرية المبادرة في الحركة السياسية الداخلية والخارجية ( الإقطاع الدرزي بزعامة وليد جنبلاط )؛ استعادة الموقع داخل خريطة النفوذ الاوليغارشية من خلال اللعبة المؤسسية القائمة، وحرية المبادرة الخارجية، وتأمين التمويل الخارجي من خلال التموضع على خريطة الصراع السني-الشيعي والتحالف مع المحاور السنية المتمثلة بالسعودية وقطر ( سمير جعجع / القوات اللبنانية ).هذه هي مندرجات اللعبة السياسية القائمة ومحاور انتظاماتها ودوائر حركتها المنعقدة على تقاطع سياسات النفوذ المحلية ومضاربها الإقليمية.

بالمقابل تتمفصل حركات المعارضة على قاعدة رفض اللعبة الاوليغارشية التي حكمت البلاد على مدى عقود ثلاث من خلال ركائزها الثلاث (السنية، الشيعية، الدرزية وملحقاتها النافلة في الأوساط المسيحية والتابعة حاليا لمراكز النفوذ الشيعية والسنية الإقليمية )، وبشكل أساسي وجامع رفضها لواقع الفساد العميم الذي دمر مفهوم الخير العام وجعل من البنية الدولاتية متغيرا تابعا لسياسات النفوذ الداخلية والخارجية، ومصدرًا أساسيًا للإثراء الشخصي عبر نهب الأموال العامة، والعمل الاقتصادي المنحرف وتبييض الأموال، وحال دون بناء سياسات اعادة إعمار متماسكة ومتكائفة، ومؤهلة للتعاطي مع تحديات العولمة، وحامية لمبادرات مجتمع مدني خلاق. هذه التيارات المعارضة تجمع غالبية المواطنين والحركات والرؤى التي تتوخى اصلاحا ديموقراطيا ومؤسسيا بعيدا عن الترهات الأيديولوجية، والتطرف غير المتبصر، والعمل المشبوه الذي يستهدف السلم الأهلي والاداء المدني الراقي.خارجًا عن ذلك تتمفصل المعارضات الإصلاحية حول مفكرات ليبرالية مبدئية خاصة بالأجيال الجديدة تنقصها القراءة السياسية والتاريخية للواقع السياسي اللبناني، ومدغمة بحس نقدي ورؤى اصلاحية تتناول مختلف القطاعات، ومبادئ اخلاقية تناقض بشكل حاسم اداء نهج القضم الذي تعتمده الكواسر الاوليغارشية التي تستبيح الحقوق والحريات والأموال العامة دونما وازع. ضف إلى ذلك اليسار الشيوعي والفاشي الذي لم يجر أي مراجعة نقدية لسقوط مقولاته الأيديولوجية عامة وسياساته التي دمرت السلم الأهلي في الأعوام الممتدة بين ١٩٦٥-١٩٩٠، والذي يبنى مداخلته على اجترار مقولاته الأيديولوجية البائدة دون أي قراءة لطبيعة الإشكالات الإصلاحية المعاصرة، والأسوأ من كل ذلك سعيه المألوف إلى توسيع رقعة العنف العدمي الذي يسود المنطقة، والدفع بمرارة هامشيته.

تنتظم السيناريوهات الاحتمالية حول المحاور التالية: أ-العودة إلى واقع الفراغ الحكومي وتصليب المواجهات بين الشوارع المتقابلة، والانتقال المبرح إلى العنف الفاشي وارهاب الرعاع الذي تظهر صباح هذا اليوم من خلال الهجوم المنهجي على مخيمات المعارضة في وسط بيروت، والعمل التدريجي على تهميش دور الجيش من خلال تصليب المواجهات الأهلية وتعطيل دوره على خطوط تقاطع نزاعاتها. ان معظم أعضاء الاوليغارشيات ميالون للمواجهة الأهلية المستخدمة بشكل استنسابي من قبلهم ولأغراض تتعلق بكل واحد منهم: حماية حرية حركتهم ومكاسبهم السياسية والمالية، والحؤول دون بناء سياق قانوني وإجرائي يقود إلى محاكمتهم و مصادرة الأموال المسروقة.

لابد للمعارضات المعتدلة من بناء برنامج عمل مشترك يدور حول النقاط التالية:أ-اعتماد ملف الفساد مرتكزًا جامعًا وقاعدة لأية عملية تفاوض تهدف إلى مقاضاة أعمال النهب المبرمج سياسيا بعد احصاء محاورها، وآلياتها ، وأقطابها، وسبل تصفيتها من خلال المحاكمات والإصلاح السياسي والإداري والقضائي والأخلاقي؛ ب- التحضير لانتخابات نيابية مسبقة من اجل تصحيح الاختلالات التمثيلية، والدفع بمجلس نيابي تأسيسي يضع الخيارات المنشئة للجمهورية الثالثة انطلاقًا من التفاهمات المبدئية حول القيم السياسية الناظمة لها. لا يمكن الاستمرار بسياسة الإضراب المطلق دون تحديد معالم الخيارات السياسية البديلة وتحديد الآليات الانتقالية للمرحلة الجديدة. كما انه لا بد من تصليب موازين القوى الناشئة عن الانتفاضة المدنية لانه لا بديل عنها، من اجل مواجهة الغطرسة المتمرسة وارادة الالتفاف على هذه الانعطافة التاريخية التي تعيشها بلادنا بفعل حركات مدنية تعبر عن حيوية الثقافة الديموقراطية في بلادنا ودورها الحاسم في تحفيز العمل الاصلاحي.كما عليها مراجعة أنماط حركتها القادمة على ضوء موجبات عودة الحركة الاقتصادية والحفاظ على الاستقرار المالي، وتلافي مطبات الحرب الأهلية في ظل الانهيارات الإقليمية المتلاحقة. هذه الشروط مجتمعة تتطلب حركة سياسية باتجاه الخارج تحمي المد الديموقراطي وتضعه في سياق التسوية الديموقراطية للنزاعات في المنطقة.