من أرشيفنا لعام 2005 مقالة للكولونيل شربل بركات تحاكي مواقف السيد جنبلاط الأكروباتية وكأنه كتبها اليوم لتتناول مواقف الرجل الحالية حيث يقول تحت عنوان: هل أحدثت ثورة الأرز التغيير المنشود؟ يتكل جنبلاط على التلون والتقلب اللذين يخلصانه في أغلب الأحيان من المصير المحتوم، حيث يمكن إعادة استخدامه لنسف المشاريع الوطنية

100

هل أحدثت ثورة الأرز التغيير المنشود؟
الكولونيل شربل بركات/23 تموز/2005

كان من الطبيعي، يوم خرج اللبنانيون معبرين عن كل ما أثقل كواهلهم طيلة الثلاثين سنة الماضية من الاحتلال “الشقيق”، أن يؤدي ذلك إلى التغيير الجذري ويعيد بناء الوطن على أسس صالحة وأكثر ثباتا توصل، ليس فقط إلى الاستقرار، ولكن إلى التطور والارتقاء نحو مصاف الدول المتقدمة حيث يتمثل الشعب تمثيلاً صحيحاً وينفض عنه غبار التبعية ومساوئها.

كان من الطبيعي نعم، بعد أن ردت أكثرية ساحقة من اللبنانيين على مظاهرة أتباع سوريا المطالبين ببقائها، أن يزيد التوحد بين هذه الأكثرية للرد على الأقلية التابعة وتجريدها من صفتها التمثيلية للبنانيين، كونها لم تسعى إلى التحرر، بعكس ما فعلت أكثرية المواطنين. ولكن ما الذي جعل أحد أركان المعارضة الأساسية يومها يرتد أو يتراجع في هذا الشأن في خطوة معبرة جداً فسرها البعض بالخوف والبعض الآخر بالروية.

يقول البعض بأن الأوضاع الإقليمية أثرت على مواقف السيد جنبلاط، فهو صحيح يعرف من قتل المرحوم والده ومن قتل الرئيس الحريري وكل الشخصيات التي سبقته وحاول أن يقتل الوزير حمادة، ويعرف أنه مستهدف، ولكنه يتكل على التلون والتقلب اللذين يخلصانه في أغلب الأحيان من المصير المحتوم، حيث يمكن إعادة استخدامه لنسف المشاريع الوطنية. أولم يكن أحد العناصر الأساسية التي أعادت خلط الأوراق في 1982 فتهجر الجبل ورجعت الفوضى إلى بيروت؟ أولم يحارب الجيش اللبناني مع السوريين في سوق الغرب؟ ومن لا يتذكر معركة العلم أو حرب المخيمات؟ فهل هي عقدة الخوف أم السلطة؟ وهل هي مشكلة الأقلية المتميزة التي تخاف من الزوال في بحار الأكثريات المتخاصمة؟

كان اللبنانيون مستعدون لأن ينسوا أحقاد سني الحرب وجاهزون لإعطاء جنبلاط زعامة على مستوى الوطن ليست بحاجة إلى دعم خارجي ولا إلى تهويل بالحرب ولا إلى تقلبات ومساومات أو مناورات سياسية، فالكل يعرف مدى حساسيته تجاه الموارنة الأقوياء، ولكنهم يعرفون أيضا بأنه لا يستطيع، مهما تبدل وتلون، أن يستغني عن السعي لزعامة لبنانية، ولا يريد منه الموارنة غير أن يكون لبنانياً فوق كل شيء.

لقد ورث جنبلاط كرهاً للموارنة، قد يكون بسبب المنافسة على زعامة الجبل التي رأى جده الأول بشير جنبلاط بأنه أحق بها من الشهابيين السنة، ولو كانت قد وصلتهم بالنسب من المعنيين. وبشير جنبلاط هذا حفيد بعيد لعلي جنبلاد الذي تمرد على السلطنة العثمانية وحاول أن يستقل بمنطقة حلب وأن يقيم علاقات عبر البحر مع جمهوريات ايطالية وقد لجأ إلى لبنان يوم غلبته جيوش السلطنة فاستقبله المعنيون وقبله الدروز واحداً منهم بالرغم من إغلاق باب الدعوة حتى أصبح أحد الأركان.

لم يكن هناك من سبب أساسي أو مباشر يدعو إلى كره الجنبلاطيين للموارنة، ولكن المنافسة الشديدة والتي كان أذكاها الجزار ومن بعده بقية العثمانيين بين بشير جنبلاط والأمير بشير الثاني الكبير، والذي كان أصبح مارونياً فيما بعد، تحولت إلى عداء وكره شديدين شملت معسكر الشهابيين ومعسكر الجنبلاطيين. وبالرغم من ثورة الموارنة على الأمير بشير أثناء الحملة المصرية، فإن الحقد استمر وأدى إلى حوادث 1860 وما تبعها من مآسي شرخت الجبل وشتت بنيه وبقيت، مع الأيام والسنين، جمراً تحت الرماد.

لم تكن مرحلة المتصرفية سيئة على اللبنانيين ولكنها أدت إلى لبنان الكبير الذي شمل وادي التيم، صحيح، ولكنه أبقى دروز حوران ودروز الجليل خارج الوطن. فهل شكل هذا التقسيم ضعفاً للدروز بالمنطق الجنبلاطي؟ وهل كان هذا رأي الموارنة، أم هي حدود الطبيعة وقدرة الدفاع، أو سلطة الانتداب ورؤية الدول الكبرى؟ ولماذا ثار الدروز في حوران في 1925 ضد الفرنسيين؟ هل بسبب هذا التقسيم أم الولاء لقيادة الشام؟

يقول البعض بأن دروز حوران أو دروز الجليل ليس لهم حيث هم القيمة التي لدروز لبنان، وليس هذا بسبب قلة العدد أو كثرته أو بسبب الولاء أو العمل مع النظام أو الدولة أو معاداتها، إنما يكمن السبب في نظام الحكم في لبنان، وبالضبط تأثير الموارنة فيه، هو ما أعطى الدروز المركز والقيمة. ففي أية دولة خارج لبنان تذوب هذه الأقلية في الأكثريات، ولكنها هنا، وبسبب النظام التعددي الذي يدافع عنه الموارنة بدمائهم وأقلامهم، لها مركزها ودورها، ولا نحاول أن نقلل من قيمة الدروز أو زعمائهم أو أية مجموعة لبنانية أخرى، ولكننا نحاول أن نكشف عدم وجود سبب للخلاف أو التخوف، بل بالعكس هناك حاجة ودافع للتعاون من أجل البلد ونظامه ومن أجل كل فئة من شعبه، والدروز هنا أو الشيعة أو المسيحيون بكل فئاتهم والسنة أيضا (بالرغم من شعور البعض بالامتداد خارج الحدود)، لهم حافز للعمل في سبيل أن يبقى النظام تعددياً يعترف بحقوق المجموعات البشرية التي تشكل هذا الوطن فلا تذوب بالمحيط ولا تقبل بأن تقهر واحدة منها فتنتقل العدوى إلى الجميع.

الكلام هنا على جنبلاط لأنه أعتبر، بعد استشهاد الحريري، رأس المعارضة التي خرجت عن الولاء للمحتل وقررت أن تطالب بالسيادة والاستقلال اللذين كانت طالبت بهما القوى المسيحية طيلة سنوات الاحتلال، فإذا بانضمام هؤلاء المعارضين الجدد تتوحد البلاد وتقرب الأحلام من التحقق. من هنا كان ترأس السيد جنبلاط مقبولاً على الجميع، وخوفه على الزعامة لم يكن في محله، ولا توجهه نحو حزب الله وجماعة بري التي كانت وقفت في عين التينة حاسبة نفسها المتضرر من السيادة والاستقلال. فهل أنه خاف من سلاح هذا الحزب ومصادرته لقرار فئة كبيرة من الشعب وتحويل مظاهراته في النبطبة ضده شخصياً؟ أم أنه لم يشعر بوجود قرار مواجهة صريح وعملي على صعيد الأمم المتحدة للتخلص من هؤلاء ما جعله يستدرك الأمور ويسعى إلى التعايش معهم؟

المهم بالموضوع أن لا يكون السيد جنبلاط، رئيس المعارضة وواجهة ثورة الأرز، والذي استقبل في أوروبا وهلل له كزعيم على المستوى الدولي سوف يسهم في الاستقرار العالمي، عاد وتراجع عن قراره بقيادة هذه المهمة، لا بل التحق بركب حزب الله وانطلق يزايد عليه وجلس في بنت جبيل مع السيد نصر الله على نفس المنصة التي هدد منها هذا الأخير بقطع الأيادي التي تمتد على سلاح ما أسماه “المقاومة”.

بعض المتتبعين لأمور السياسة في لبنان يحللون مواقف جنبلاط وانقلابه على حلفاء الثورة، بتصويره عون بالتسونامي وقبوله بعدم إطلاق جعجع فوراً، ثم بقانون الألفين الذي فصل على قياس أمل وحزب الله- واللذين كانا من الواجب أن يكونا الخاسرين الأكبرين لصالح زعامة شيعية متجددة ترفض الإرهاب ووسائله وتسير بنهج الدول المتقدمة حيث ينهض البلد من النظام المتردي الذي تحكم به طيلة سنوات الاحتلال- بأنها بداية التحول في نتائج الثورة التي أجهضت قبل أن تبدأ.

ويشدد آخرون على أن تخوف جنبلاط من توحد الموارنة وعودتهم إلى الساحة السياسية أقوياء برجوع الجنرال عون وخروج جعجع من سجنه بطلاً على مثال نلسون مانديلا، وبأنهم إذا ما تعاونوا مع سنة تيار الحريري الرافض لسيطرة دمشق بعد خروج جيوشها، وعودة الشيعة المعتدلين إلى الساحة، وبعد استكمال سقوط رموز سوريا من لحود وجماعته من المسيحيين كما جماعة كرامي وغيره من السنة وأحزاب منظومة البعث وتوابعه، سيصبح هو الوحيد من بقايا رموز الاحتلال، وسوف يسأل عن الفساد والحصص وعن خراب المؤسسات وتوظيف المحاسيب. فهل هذا ما أخاف السيد جنبلاط بالفعل أم أن له حسابات أخرى لا نعرفها؟

يقول مقربون من جنبلاط بأنه لم يشعر برغبة قوية من جانب المجتمع الدولي لقطع دابر الإرهاب، ولذا فهو فضل الالتواء ومحاولة استيعاب الوضع بدل مواجهته. ولكن إصرار المجتمع الدولي الواضح على تنفيذ كافة بنود القرار 1559 لا توحي بالتراجع، فهل شعر جنبلاط إذا بعدم وجود زعامة شيعية بعد، خارج أمل وحزب الله، قادرة على منع عزل واحدة من الطوائف الكبرى في لبنان، وبالتالي السماح للسوريين باستعمالها من جديد وإظهار اللبنانيين بأنهم منقسمون وغير قادرين على حكم أنفسهم؟ أم أن حزب الله وبري قبلا بعرض جنبلاط الموافقة على الحل الدولي والتخلي شيئا فشيئا عن السلاح لصالح الدولة مع إعطائهم هامشاً للمناورة يحافظ على ماء الوجه؟

قد يكون الحسم في هذا الموضوع سابق لأوانه ولكن الأيام القادمة كفيلة بإظهار البواطن والحكم على نتائج ثورة الأرز التي لا شك سوف تبقى محطة أساسية في تاريخ لبنان الحديث.