د. توفيق هندي/قراءة في المادة 95 من الدستور اللبناني

21

قراءة في المادة 95 من الدستور اللبناني

د. توفيق هندي/جريدة الجمهورية/السبت 12 تشرين الأول/2019

المادة 95: «على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية. مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها إلى مجلسي النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية. وفي المرحلة الانتقالية:

أ- تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة.

ب- تلغي قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة، وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني، باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها، وفي ما يعادل الفئة الأولى فيها، وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص أي وظيفة لأي طائفة مع التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة».

كوني تابعت عن كثب وبفعالية المداولات في اجتماعات الطائف، ولو لم أشارك فيها مباشرة، والتي أنتجت وثيقة الوفاق الوطني (المسماة اتفاق الطائف) أورد في ما يلي الإيضاحات الآتية:

1) غالبية أطراف السلطة اليوم عارضت الاتفاق، وهي تتصرف كخبيرة في تفسيره.

2) عدّلت المادة 95 من الدستور بحيث أضحت لإلغاء الطائفية آلية محددة.

3) لاتفاق الطائف آلية تنفيذ لم تحترم حتى اليوم. تنفيذ بعض بنوده تم انتقائياً وغالباً بشكل محرّف لتحقيق بعض الغايات السياسية بهدف الهيمنة الفئوية والحزبية وخدمة للاحتلال السوري واليوم للسطوة الإيرانية على لبنان.

4) في نص المادة 95 التباس مقصود بين إلغاء الطائفية وإلغاء الطائفية السياسية. لماذا؟ لأنّ النواب انقسموا بين من أراد إلغاء الطائفية السياسية ومن طرح العلمنة الشاملة. المسلمون بالعموم تمسكوا بإلغاء الطائفية السياسية والمسيحيون بالعلمنة الشاملة، علماً أنّ الشيخ محمد مهدي شمس الدين، في وصاياه، تراجع تماماً عن مشروعه الداعي الى «الديمقراطية العددية»، وعن إلغاء الطائفية السياسية.

5) شكّلت لجنة عربية لمتابعة تنفيذ الاتفاق تضم السعودية والجزائر والمغرب. حالت التطورات الدراماتيكية في المنطقة دون أن تقوم بمهماتها.

6) تقع مهمة تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية على عاتق المجلس النيابي المنتخب مناصفة بين المسيحيين والمسلمين. فهل المجلس النيابي الحالي المنتخب في ظل فقدان لبنان سيادته وخارج أي إشراف دولي أو عربي، مخوّل أن يشكل هذه الهيئة؟! وهل أطراف السلطة اليوم الغارقة في ممارسة المحاصصة وزواريب الزبائنية السياسية ذات أهلية لتشكيل مثل هذه الهيئة التي عليها القيام بمهمة كيانية خطرة مثل تحديد طبيعة الاجتماع اللبناني ومساره؟ قانونياً، نعم، سياسياً قطعاً، لا.

7) أول مهمة يفترض أن تقوم بها الهيئة هي الاتفاق على الهدف، أي تحقيق إلغاء الطائفية السياسية (مشروع لهيمنة الطائفة الأكثر عدداً) أو إلغاء الطائفية (أي الدولة المدنية).

ومن الواضح أنّ توقيت إلغاء الطائفية في بلد مثل لبنان ذي تركيبة متنوعة حساسة لا بد من أن يأخذ في الاعتبار ما يحدث في المنطقة، وأكاد أقول في العالم، من صعود للتيارات الدينية المتشددة العابرة للكيانات والدول والتي تهدد استقرار المنطقة والعالم.

8) ثاني مهمة للهيئة هي وضع خطة مرحلية لتحقيق الهدف المنشود، أي خطة متكاملة تحتوي على مراحل واضحة المعالم من حيث الهدف المرحلي وآلية تنفيذه، كما يشكل تنفيذ كل مرحلة منها شرطاً للشروع بتنفيذ المرحلة التالية.

9) من النافل القول إنّ الخطوة الأولى لهذه الخطة المرحلية التي يتوجب على الهيئة مناقشتها واتخاذ القرار فيها هي اقتراح قانون جديد للأحزاب يحظّر الأحزاب والجمعيات ذات الأيديولوجيا الدينية التي تهدف إلى تحويل دولة لبنان إلى دولة دينية، ولاسيّما إذا كان هدفها أن تجعل لبنان جزءاً من دولة دينية أوسع مباشرة أو بالتدرج الزمني.

كما على هذا القانون أن يفرض على الجمعيات والأحزاب قواعد تلزمها بنوع من التنوع المذهبي، أي أن تكون عابرة للطوائف فعلاً وليس قولاً فقط.

10) أما بما يخص قوانين الانتخابات فيجب الالتزام الكامل بالضوابط والمعايير التي وضعها اتفاق الطائف وعدم التشاطر بالحديث عما يراد تسويقه على أنه خطوة على طريق تحقيق إلغاء الطائفية أو الاقتراب من المجلس النيابي خارج القيد الطائفي. فالمادة 95 واضحة جداً من حيث أنّ من يشرع بتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية هو المجلس النيابي المنتخب على أساس المناصفة، وبالتالي انتخاب مجلس نيابي خارج القيد الطائفي وتشكيل مجلس الشيوخ يفترض أن يكون من ضمن الخطة المرحلية التي تقترحها الهيئة الوطنية.

11) أما بما يخص التعامل في المرحلة الانتقالية بالنسبة لإلغاء قاعدة التمثيل الطائفي في الإدارة «وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني»، فهي لا تعني بالضرورة المناصفة في الوظائف من غير الفئة الأولى، ولكن يفترض أن لا يكون الاختلال العددي إذا حصل مهدداً لسلامة العيش المشترك.

غير أن الوضع الموبوء لأطراف السلطة يجعلهم يستغلون الدستور واتفاق الطائف لتحقيق غايات سلطوية متصلة بخدمة زبائنيتهم السياسية.