محمد أبي سمرا/عطلة الأحد مع جبران باسيل وحسن مراد ومحمد رعد

49

عطلة الأحد مع جبران باسيل وحسن مراد ومحمد رعد
محمد أبي سمرا/المدن/07 تشرين الأول/2019

من بين ممثلي الشِّيع اللبنانية ومقدميها المنتشين بغلبة “محور المقاومة والممانعة” وانتصاراته من طهران إلى بيروت، مروراً بصنعاء وبغداد ودمشق، وحدهم أهل الشّيعة العونية المسيحية وألسنتها يكتمون التصريح بأنهم في صلب هذا المحور، وركن أساسي من أركانه في لبنان.

لسان التقيَّة الأول
كتمان العونيين واتِّباعُهم أسلوبَ التّقية السياسية في التصريح عن نشوتهم بتصدّرهم المجتمع المسيحي في لبنان، علّتهما أن تاريخ قاعدتهم الاجتماعية، رموزها وأبطالها واتجاهاتها ومخيلتها السياسة والثقافية، لبنانية مسيحية، ولا تندرج في سياق التاريخ العربي الإسلامي المقاوم والممانع للغرب وأميركا، والمقاتل قتالاً “وجودياً” لإسرائيل و”كيانها الصهيوني الغاصب”.

لذا يجد التيار العوني وألسنته وجوقه اليومي المهذار، أنهم مضطرون إلى تجنب الكلام عن انتصارات محور المقاومة والممانعة الإيراني المنضوين فيه، وابتلاع ألسنتهم وابتهاجهم به وبانتصاراته التي ساهموا فيها، وتسلقوا إلى الحكم والإدارة والسلطة، منذ عودة جنرالهم إلى بيروت في العام 2005. لذا يكون على لسانهم الأول الوزير جبران باسيل، المنتشي دائماً نشوة عارمة بنفسه ومناصبه، أن يتدبر أي كلام عن لبنان ودور شيعته في “عزته وكرامته وسؤدده وعلو شأنه والذود عنه وعن إنتاجه واقتصاده الوطني”، كلما جال على مناطقه في عطل نهايات الأسابيع، جاعلاً من كلامه الفولكلوري المهذار عن لبنان ستاراً صفيقاً لتقيَّتِه السياسية التي تخفي وتستبطن انضواءه في محور المقاومة الممانع الذي يدين له بالولاء والطاعة، وبما بلغه تياره من قوة وسلطان.

فإذا دشّن باسيل أعمال رصف ساحة كنيسة في قضاء البترون، يروح يتكلم عن “ترميم أسواقنا وقلاعنا وكنائسنا وبيوتنا”، وعن “تاريخ” القلاع و”أهمية تراثها”. كأنه في حال حرب عمرانية، “لاستعادة التاريخ واستقطاب السياح”. أما معنى ذلك العميق و”أمثولته الأهم، فهي أننا شعب لديه تاريخ كبير لن نسمح بأن يُداس”. وفي هذا “نفتخر ونثبت أننا أبناء أصل، ليكون لنا مستقبل”. وهو في جملته الأخيرة يستعير شعار مشروع “سوليدير” رفيق الحريري في مطلع التسعينات: “بيروت مدينة عريقة للمستقبل”.
بعد اعتداده بالتاريخ والقلاع والأصل (ناسياً كلمة الحضارة العزيزة على قلبه ولسانه الذرب، يقسّم العالم والبشر إلى فسطاطين سياسيين: “الجميع يعرف أن هناك مشروعين في البلد: جهةٌ تريد أن تبني (أي طبعاً نحن الذين نرصف ساحة الكنيسة)، وجهةٌ أخرى تريد أن تهدم”. هذا الكلام الكبير عن البناء ونسبته إلى تياره، ونسبة الهدم إلى آخرين، ليس سوى هرم من الكلمات الباسيلية اليومية والأسبوعية في جولاته. فهل من أحد يستطيع أن يسمّي أياً من الصروح والمشاريع العمرانية التي نفذها باسيل وتياره طوال 15 سنة في الحكومات والوزارات؟ والجواب الباسيلي هو التالي: “كل يوم نكتشف شيئاً جميلاً في أرضنا وناسنا، كل يوم نكتشف ثروة. والمهم أن نجمع هذه الثروات ونقوم بتأطيرها لمصلحة الدولة”. والأرجح أن كلام باسيل هذا يضمر في طياته القولَ: “نحن الدولة وإطارها وأهلها، والثروات ثرواتنا”، لكن “هناك من يريد أن يقضي على هذا الإطار”، أي أهل الهدم الآخرون الذين يسميهم “الزعران”، ويسمي نفسه وتياره “خيرة الأوادم” في نهاية كلمته.

عبد الناصر – نصرالله
وزير آخر ابتُدعتْ له وزارةٌ في الحكومة الحالية – هي وزارة الدولة لشؤون التجارة الخارجية، وهو الوزير الدكتور حسن مراد، نجل ربيب الناصرية والقذّافيّة والأسدية في لبنان، السيد عبد الرحيم مراد – بدأ يغزل على المنوال الباسيلي في جولاته الأسبوعية. اختار مراد السني في البقاع الغربي، معقلاً سنياً هو إقليم الخروب وبلدته الأكبر شحيم، لجولته الأسبوعية، ليدعو أهل الإقليم إلى اعتناق مذهب “المقاومة والممانعة”، بالصراحة التي يعجز عنها باسيل، فقال في شحيم: “إننا في صدد تقديم اقتراح قانون لمصادرة أموال العملاء الذين تواطؤوا مع العدو الصهيوني، وتقديمها لشهداء لبنان، لأننا نؤمن أن المقاومة وجدت لتبقى وستبقى، ولأننا نؤمن بمقولة القائد الزعيم الخالد جمال عبد الناصر: ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة”.

لكن مراد هنا ينسج على منوال التقيّة الباسيلية، ليكنّي بجمال عبد الناصر عن سيّدِه الراهن، سيد المقاومة والنصر الإلهي، السيد حسن نصرالله. أما مشروع القانون الهمايوني الذي يعِدُ به أهل شحيم، فهو ردُّه على “الحرب الاقتصادية التي يشنها العدو الاسرائيلي” على لبنان. ودليله على تلك الحرب: “ما لمستُه من خلال لقاءاتي مع عدد من السفراء”. من هم أولئك السفراء؟ لا يصرّح مراد. والأرجح أن في طليعتهم سفير إيران وقائد فيلق قدسها في الشرق الأوسط، قاسم سليماني. فكلامه في شحيم جاء في حضرة مسؤول “حزب الله” في الجبل، بلال داغر، في باحة منزل جمال مراد، أي ابن فرع العائلة المرادية في إقليم الخروب.

وبلغ الحماس المرادي ذروته، فقال وزير التجارة الخارجية المقاوم: نحن “دائماً مع المقاومة في فلسطين ولبنان، ومع كل إنسان يحمل السلاح ضد العدو الصهيوني، حتى لو كان يونانيا”. لا أحد يدري لماذا زجّ مراد اليونانيين في مقاومته في “مزارع شبعا والجولان وغور الأردن”. أما “النصر فقريب وآتٍ، ولن يقف شيء أمامنا (ما دام) مكتوبٌ لنا في أولى القبلتين، المسجد الأقصى (الذي) سيعود وسنصلي فيه”. وهذا ما لقنّه للوزير والدُه الوزير والنائب عبد الرحيم مراد في “اللقاء التشاوري”.

المقاومة هي الاستقرار
نموذجٌ ثالث من خطب عطل نهايات الأسبوع، ألقاه النائب محمد رعد، طبعا في احتفال تأبيني لـ “مؤسسة الجرحى في حزب الله” في بلدة القنطرة الجنوبية الحدودية. وما دام “الاستقرار الذي يعيشه لبنان رهن بحكمتنا – قال رعد – على الرغم من التآمر الأميركي والتواطؤ الذي يحصل من البعض مع الأميركيين”، استهل رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النيابية، كلمته بـ”عما يحدث هذه الأيام في العراق من تخريب للاستقرار”. استقرار ماذا في العراق؟ استقرار النهب والفوضى، والحشد الشعبي، والحرس الثوري، وفيلق القدس الممتد نفوذه الميليشياوي من طهران إلى بيروت. أما انتفاضة العراقيين الشِّيعة على الفقر وانعدام فرص العمل وغياب الخدمات العامة، ونهب أموال النفط العراقي، فهو “التخريب الذي ما كان ليحصل” إلا لأن الأميركيين لا يريدون للعراق أن يكون مستقلاً، بل خادماً لمصالحهم ومتصالحاً مع الإسرائيليين”.

ردد رعد كلمة “المقاومة” 10 مرات في كلمته التي لا تتجاوز صفحة مكتوبة، ودمجها مع كلمة “الاستقرار”. فمذهب المقاومة، بعد انتصاراتها الميمونة، هو اليوم “الاستقرار”، ما دامت “الأمور باتت تتجه نحو تسوية، لا نراها سريعة”. لا يفصح رعد تسوية مَن مع مَن؟ والأرجح هي تسوية مرغوبة بين “الشيطان الأكبر وولاية الفقيه” الإيرانية المحاصرة اقتصاديًا ومالياً. أما في لبنان فـ”العقوبات والحصار (مفروضان) على الشعب والعهد” العوني، “لأنه يرفض أن يكون خادماً للأميركيين ومصافحاً للإسرائيليين”.

وهنا يفصح رعد عما يكتمه جبران باسيل في خطبته البترونية: “من أراد العزة والاستقلال (أي التيار العوني) يتمتع بإرادةٍ مقاومةٍ، حتى يُثبت حضوره في الميدان، فلا يستخِفَّنَّ أحدٌ بقدرته على المواجهة”، وبعبقرية جبران باسيل.