محمد أبي سمرا: المحكمة الدولية والعمالة وضحاياها.. زجليات مسرح مدرسي لبناني/عماد موسى: لو”يتلفن” غريب لعيّاش

75

لو”يتلفن” غريب لعيّاش!
عماد موسى/نداء الوطن/20 أيلول 2019

المحكمة الدولية والعمالة وضحاياها.. زجليات مسرح مدرسي لبناني
محمد أبي سمرا/المدن/21 أيلول/2019
قد لا يعوَّلُ في شيء على أي من مواقف ما تبقى من الحزب الشيوعي اللبناني. وآخرها موقفه من قرار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان للتحقيق في الاغتيالات التي حصدت عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والأمنية اللبنانية، قبل اغتيال رفيق الحريري عام 2005 وبعده. وكان الأمين العام السابق للحزب جورج حاوي من جملة من حصدهم الاغتيال. وأول من أمس 19 أيلول، أصدرت عائلة حاوي وبقايا حزبه بياناً يتنصل من اتهام المحكمة أعضاء من حزب الله باغتياله، ومحاولة اغتيال الوزيرين السابقين إلياس المر ومروان حمادة.
القوة للسلاح وحده
والحق أن انعدام تأثير المواقف لا يطاول المحكمة الدولية وحدها، بل يشمل معظم المسائل والحوادث الراهنة في لبنان. وعدم التأثير لا يطال بقايا الشيوعيين وحدهم وأمثالهم من الشِّيع الصغيرة، بل ربما يشمل الشّيع الكبيرة في لبنان اليوم.
فبعد اغتيال الحريري استطاع حزب الله تحويل لبنان شِيعاً مضطربة، مفككة ولاغطة، في حرب أهلية باردة، لا شيء يمنع تحوّلها حروباً دموية، سوى قوة الحزب الخميني الحربية الإيرانية الفائضة والمتفوقة بسلاحها على سائر الشِّيع الأخرى المستضعفة لأنها غير مسلحة. وكان عزوفها عن السلاح والحرب، ولجوؤها إلى العمل والاحتجاج السياسيين السلميين من البواعث والأسباب التي سهّلت عمليات اغتيال بعض شخصياتها، وعلى رأسهم رفيق الحريري. وعلم اللبنانيون ويعلمون أن الاغتيالات لم تتوقف إلا لأن حزب الله توج استقواءه على الشّيع اللبنانية كلها بهجومه مع بطانته من الشراذم المسلحة على بيروت وإخضاعها لسلطانه واحتلاله في 7 أيار 2008. فاطمأن مذّاك إلى أن قوى 14 آذار المحتجة سلمياً على الاغتيالات وسلاحه، بدأت تتمزق، بعدما روّعها الرعب من الاغتيالات.
توبة جورج حاوي
وجورج حاوي نفسه كان من المشاركين في تلك الاحتجاجات، قبل مدة من اغتياله. وهو كان قد هجر حزبه وتركه حائراً متنازعاً بين ورثة جهازه القيادي الذي سرعان ما انفجرت نزاعاته الداخلية، فتفكك الحزب المترهل وصار شِيعاً متناثرة. ولم يعد الأمين العام “التاريخي” السابق يعوّل على بقايا حزبه، إلا باعتبارها تابعة لسوريا الأسد ووكيله الأمني والعسكري في لبنان، وبعدما أسلست قيادها لأمين عام جديد هو خالد حدادة.
لكن الأمين العام “التاريخي” كان قد أمضى معظم حياته في الحروب الأهلية – الإقليمية الملبننة، أميناً عاماً تابعاً مع حزبه، سياسياً ومالياً، إلى جهات لا تحصى: على رأسها الاتحاد السوفياتي ولي العقيدة، ولا تنتهي بتأجير مئات من مقاتلي الحزب الشيوعي في حروب عقيد الجماهيرية الليبية على التشاد. وذلك بعد ترحيل منظمة التحرير الفلسطينية المسلحة من لبنان الذي بلغت حروبه قاعها المستعصي في نهاية ثمانينات القرن الماضي، وأدى توقفها إلى إلتحاق الحزب الشيوعي بالقيادة الأسدية التي حرمته في توزيعها الأدوار والمناصب في لبنان، حتى من مقعد نيابي منحه لشخص من أمثال ناصر قنديل…
أليست هذه حوادث من أزمنة طوتها الغفلة ورسّبتها في بئر النسيان؟ لكن نتائجها ألم تزل ماثلة في وقائع الحياة والعلاقات السياسية اللبنانية المزرية الراهنة، وتتحكم بها في مساراتها الفوضوية العمياء؟
بطلا مسرح مدرسي
في الأيام القليلة الماضية، انشغل الإعلام والرأي العام في وسائل التواصل الاجتماعي بمسألة عودة عامر الفاخوري إلى لبنان من الولايات المتحدة الأميركية. كان الرجل آمر معتقل الخيام في جيش لبنان الجنوبي التابع للاحتلال الإسرائيلي في شريط القرى والبلدات اللبنانية الحدودية المحتلة ما بين العام 1982 والعام 2000.
وطغت عودة فاخوري على صدور قرار المحكمة الدولية الاتهامي في اغتيال جورج حاوي ومحاولة اغتيال كل من مروان حمادة والياس المر. ولا شك في أن الاغتيالات لعبت دوراً مهماً في انعطاف الحياة السياسية اللبنانية منعطفاً توّجه حزب الله بهجومه على بيروت وترويعها في 7 أيار 2008 واحتلالها… لكن هذا كله صار بدوره من الحوادث التي ابتلعها اللبنانيون، ويئسوا من تكرارها، فيما هي تتسلل كل يوم في غفلة منهم إلى حياتهم، حتى صار المرء يحار كيف يتدبرها.
وتدخلت رمز ما كان يسمى جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول) للاحتلال الإسرائيلي، سهى بشارة، في السجال ضد التيار العوني الممانع والمتهم “بتبييض سجل” العميل الفاخوري وتسهيل عودته إلى لبنان حاملاً جنسية أميركية. فتحولت المواجهة في الفضاء العام الإعلامي مواجهةً شبه زجلية بين شخصيتين رمزيتين تمثل كل منهما، كما في مسرح مدرسي بطولي، قيماً تناقض قيم الشخصية الأخرى: الخير/ الشر، الوطنية/ العمالة، البراءة والتضحية الثورية/ الخسّة والنذالة…
تدافع الحوادث وتآكلها
وهكذا – جرياً على عادة تتشبث بالحوادث والسجالات حولها في لبنان – تتدافع الوقائع وتتآكل سريعاً، فتلتهم الحادثةُ المستجدةُ الحادثةَ التي سبقتها وتطويها وتقذفها إلى الغفلة والنسيان. وتتحول الحياة السياسية اللبنانية إلى كتلة من الحوادث المتدحرجة فوضوياً على هواها، كأنما قوىً خفية تدحرجها، ويستجيب لها أهل الشّيع اللبنانية استجابة متوترة وغوغائية، سرعان ما تنطفئ وتنطوي في انتظار حادثة تالية، يُستجاب لها على المنوال نفسه. لن تمضي أيام كثيرة ليصير كل من المحكمة الدولية وقرارها، والعميل الفاخوري ومثوله أمام المحكمة العسكرية، ومسألة العمالة ومعتقلاتها وضحاياها، وبطولات المقاومة الوطنية اللبنانية ورموزها، والسجالات الصاخبة التي أثارتها… نسياً منسياً، في انتظار حوادث أخرى مماثلة أو مختلفة، تتدحرج على المنوال نفسه، لتطلق سجالات سرعان ما تنطوي، كأن شيئاً لم يكن.

لو”يتلفن” غريب لعيّاش!
عماد موسى/نداء الوطن/20 أيلول 2019
صار الحزب الشيوعي اللبناني (العلماني) في ظل قيادة حنا غريب، وخالد حدادة قبله، كواحدٍ من أفرع “حزب الله” (المؤمن)، ولا يتمايز عنه سوى بالعَلَم الحزبي وبالأغنيات والأناشيد. لـ”حزب الله” منشده الحصري الدكتور علي بركات وللشيوعي مارسيل خليفة وخالد الهبر وسامي حوّاط وأحمد قعبور وزياد رحباني والنصوص الجميلة، وقد يكون تبني الشيوعيين من وردت أسماؤهم، علامة جيدة. وتتماهى نظرة الحزب الشيوعي إلى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان مع نظرة “الحزب”، وكان الدكتور خالد حدادة، سبّاقاً إلى التشنيع عليها، “فهي الأداة لاستكمال التبعية السياسية والأمنية والاقتصادية بتبعية قضائية تحول القضاء اللبناني الى صندوق بريد، نحن نريد معرفة من اغتال الرفيق جورج (حاوي) وإن كنا نعتقد أن لإسرائيل أو أميركا وربما لسواهما مصلحة في اغتيال هذا المقاوم، لكننا نطالب القضاء اللبناني بمتابعة هذه القضية كي تظهر الحقيقة التي لن تظهر برعاية أميركية للمحكمة الدولية حتماً”.
حَكمَ الدكتور حدادة على المحكمة حكماً مبرماً قبل ثمانية أعوام، وما دعوته القضاء اللبناني إلى “متابعة قضية حاوي” إلا دعوة خبيثة لدفن القضية لا لكشفها.
لم يشذّ خليفةُ حدادة عن الخط، وقد خلت المطولات الحزبية في عهده من أي دعوة جديّة لكشف حقيقة اغتيال حاوي إلى أن أصدرت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان القرار الاتهامي في قضية محاولة اغتيال مروان حماده والياس المرّ واغتيال الشهيد جورج حاوي متهماً سليم جميل عياش الملاحق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. فعلّق الحزب الشيوعي اللبناني وعائلة الشهيد جورج حاوي، على القرار ببيان أعلنا فيه “انهما لا يبرّئان أحداً ولا يتهمان أحداً بشكل قاطع من دون إثبات الأدلة الدامغة والنهائية التي لم يتضمنها قرار الاتهام” والدليل الدامغ تغييب المتهمين عمداً.
وهنا من المفيد تذكير كل من استفاق اليوم على القضاء اللبناني كمرجعية وحيدة للنظر في قضية الحريري وما تفرّع منها، إلى أمرٍ فاتهم. سبق وصدر قرار ظني بمحاولة اغتيال النائب بطرس حرب (العام 2012) فهل يعلم أحد كيف تبخّر محمود الحايك المتهم بتلك المحاولة؟ ولماذا تمنّع عن الحضور إلى التحقيق؟ وتالياً هل كان سليم عياش ليحضر لو طُلب إلى التحقيق اللبناني؟ أو كان “سيتلفن” معتذراً؟ وبحكم تلاحم “الحزبين” والمونة المتبادلة بينهما لماذا لا يبادر غريب نفسه و”يتلفن” لعياش ويحثه على تسليم نفسه إلى مخفر حارة حريك كخطوة أولى لمثوله أمام القضاء اللبناني؟