أنطوان مراد/المسيرة: قصتي مع بشير وقاتله

59

قصتي مع بشير وقاتله
أنطوان مراد/المسيرة/18 أيلول/2019

كنا في العام 1975 في مطلع السنة الدراسية في الصف الأول ثانوي في المدرسة المركزية في جونيه، وأجواء التشنج السياسي تنذر بعاصفة آتية. في أول ساعة تدريس، يطلب أستاذ اللغة العربية وآدابها، وكان ضخم الجسم، ذا هيبة، التعرّف إلى التلامذة في الصف المختلط بين إناث وذكور. يلفظ إسم حبيب الشرتوني… لا جواب، يرفع صوته بالإسم ثانية، يجيبه الجالس بقربي على الطبقة نفسها، ولم أكن أعرفه بعد: حاضر، لكنه لفظها وهو يتمغّط ومن دون أن يقف، فيصرخ به المعلّم: وقاف يا صر… فيردّ عليه حبيب، أنا مش صر… ليعقّب المعلم بحدة: صر.. ونص عراسك. وقف حبيب وعيناه بين النعس والزوغان، وكأن الصف لا يعنيه.

كان مع ذلك شخصاً على شيء من الطرافة، يوزع البونبون على البعض، ويطغى عليه نوع من اللامبالاة، وسرعان ما اكتشفت إنتماءه للحزب السوري القومي الاجتماعي من رسوم الزوبعة وشعارات أنطون سعادة على الطبقة من الداخل وعلى بعض دفاتره. وكان شعره في الغالب أجعد، ويتفرّد بين التلامذة بحمل حقيبة سامسونايت سوداء، وكان إسمه الكامل حبيب طانيوس الشرتوني، وطانيوس والده كان طبيبا، كما كان يقول لنا.

وأذكر أنه لم يكمل عامه الدراسي، مع إندلاع شرارات الحرب، علما أن بدايات التمارين العسكرية التي كنا ننفذها في باحات المدرسة بإشراف عسكريين من الجيش في إطار التحضير للخدمة العسكرية الإجبارية، توقفت بعد حين، وبدأ السلاح يظهر بين الناس ومعه التنظيمات العسكرية وفي مقدمها حزب الكتائب والوطنيون الأحرار.

مضت الأيام والسنون، ولمع نجم بشير الجميل الذي كان كثير التواجد في منطقة كسروان – الفتوح التي أنتمي إليها، فأحبه أهلها ساحلاً وجبلاً، وكم كنا نلتقيه صدفة يلتهم سندويشا أمام سناك على الطريق، أو متنقلاً بين المراكز الحزبية والعسكرية، أو في مآتم الشهداء أو حتى في أعراس بعض الشباب.

أما المرة الأولى التي شاهدته فيها، فكانت أمام كنيسة سيدة المعونات في حارة صخر- جونية لمناسبة لقاء حزبي في صالون الكنيسة، إذ وصل في سيارته الهوندا وبحث عن مكان لركنها، ثم نزل وحده وتقدم منا مجموعة من الفتية فحيّانا ومد يده للمصافحة، فأصابني الجمود لحظة قبل أن أمد يدي. ليس لأنه بشير الجميل، فقد كان من أكثر الأشخاص الذين عرفتهم حتى اليوم تلقائيةً وتصرفا من دون كلفة وتكلّف.

ذات يوم، كنا نمضي الصيف في بلدتي المرادية في فتوح كسروان، وفي السهرة مع بعض الأقارب والجيران، كان الحديث عن زيارة الشيخ بشير بلدة غباله المجاورة في الغداة، وفور عودته من الخارج “بالبحر” حيث كانت له زيارة ناجحة للولايات المتحدة الأميركية، وصلت أصداؤها إلى لبنان. وفي اليوم التالي كانت البلدة شبه فارغة إذ قصد الأهالي في معظمهم بلدة غباله للسلام على “البطل”.

كان بشير الجميل ظاهرة بقربه من الناس ولغته المباشرة وحيويته النادرة ونزعته القيادية. وعندما انتُخب، كنت في الضيعة مع والدي، بينما كانت بقية العائلة في جونيه، وحزنت لأنني لن أشهد كيف ستشتعل المدينة بإطلاق النار وبالمواكب فرحا، لكنني فوجئت بأن القرى والجبال المحيطة بوادي نهر ابراهيم الذي تشرف عليه قريتنا، إشتعلت بالرصاص وأصابع الديناميت وبعض القذائف الصاروخية، وخرجت المواكب السيارة من حيث لا ندري.

كنا في نشوة فريدة، حتى جاء عصر ذاك الثلاثاء، مع تردد خبر حصول إنفجار في بيت الكتائب في الأشرفية حيث كان الرئيس المنتخب يلتقي الرفاق والأهالي، على أن الإلتباس في إيراد التفاصيل والمعطيات المطمئنة أرخى لدي شكوكا كبيرة، وأنا الطالب في كلية الإعلام، والذي يملك حسًا صحافيًا راكمته منذ بدايات المراهقة عبر متابعتي الإذاعات والصحف.

كنت في حينه رئيسًا للحركة الرسولية المريمية في حارة صخر، وكنا نعقد إجتماعاتنا صيفاً كل ثلاثاء في السابعة مساء. في بداية الإجتماع طلبت أن نصلي، إضافة إلى صلوات البدء، على نية الشيخ بشير كي ينجو من التفجير الغادر.

إنتهى الإجتماع، ورحت مع بعض الأصدقاء نحاول استقاء المعلومات بلا طائل، وسط وجوم وحيرة. كنت أنوي النوم وحدي في جونيه لكنني فضلت الإنطلاق بسيارتي إلى الضيعة.

مررت بغزير بلدة صولانج زوجة الرئيس المنتخب لعل ثمة ما أقع عليه، فكان بيت الكتائب معتمًا. المحطات المحلية تواصل بث أخبار ملتبسة وقليلة. أدركت أن المحظور حصل، لكن الصدمة كانت عندما سمعت مطلع نشرة أخبار هيئة الإذاعة البريطانية باللغة الإنكليزية منتصف الليل حيث كان كالتالي: تأكد الآن أن الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل قضى في التفجير الذي استهدفه في شرق بيروت. واصلت قيادة السيارة والدموع في عينيّ والغصّة تخنقني. وصلت إلى المنزل وجلست على الكنبة من دون أن يدركني النعاس، وعند الصباح الباكر لم أخبر أهلي، بل تركتهم يكتشفون الحقيقة عبر استماعهم إلى الخبر من إذاعة لبنان الحر (التي التحقت بها بعد أشهر قليلة) في النشرة الصباحية الأولى.

وحينها رأيت والدي يبكي للمرة الأولى.
بعد أسابيع نظمتُ في صالون كنيسة سيدة المعونات باسم الحركة الرسولية المريمية لقاء حول المشروع الوطني لبشير الجميل وما يعنيه للوجود المسيحي في لبنان، وتحدث في حينه الأب الدكتور الراحل يوحنا سعاده الذي كان راهبًا قديسًا آمن ببشير وأصبح مرشدنا لاحقاً. لكن اللافت أن الكلمة النارية التي ألقيتها في بشير وأرفقتها بأبيات عدة كتبتها، لاقت مرارًا عاصفة من التصفيق لدى الحشد الكبير الذي لم يكن في معظمه مسيّسًا أو حزبيًا، بل كان من أبناء الحركة في كسروان الفتوح، وقد تقدمه عدد من الأساقفة الذين أحبّوا بشير، وبينهم المطران شكرالله حرب راعي أبرشية جونية المارونية آنذاك أطال الله بعمره، والمطران حبيب باشا راعي أبرشية بيروت للروم الكاثوليك رحمه الله.

أما الصدمة الثانية فكانت عندما سمعت باسم حبيب طانيوس الشرتوني بعد القبض عليه بتهمة إرتكاب الجريمة التي كانت في الواقع بمنزلة مجزرة، وقد اجتاحني شعور بالمرارة والغضب عندما شاهدتُ صورته منكوش الشعر كما عرفته، مع نظرته التي ازدادت عبثية، أقله ظاهراً.

هذه جوانب من قصتي البسيطة مع بشير وقاتله. وما زلت ألمح طيف القائد المؤسس أمام كنيسة حارة صخر وفي قاعة الملعب البلدي حيث ألقى إحدى أشهر خطبه بقوله “نحن قديسو هذا الشرق وشياطينه”، كما أنني ما زلت أعيش حضوره في إذاعة لبنان الحر عميدة المؤسسات التي تركها بشير، وفي صُلب “القوات اللبنانية” التي يقودها سمير جعجع بقوة شكيمة وطول أناة وصدقية لافتة ووفاء للمبادئ وللشهداء ورئيس الشهداء، على الرغم من إختلاف الظروف، ولكن بالروح المقاومة نفسها.