مقابلة مع السيدة صولانج الجميل من موقع نداء الوطن: لم أرَ من قرأ في كتاب بشير وطبّق أفكاره

70

مقابلة مع السيدة صولانج الجميل من موقع نداء الوطن: لم أرَ من قرأ في كتاب بشير وطبّق أفكاره

نوال نصر /نداء الوطن/13 أيلول/2019

نحن في دارِهِ. نحن “في دارٍ يُسعدُ بشيرها بمدراجِ العزّ”. هي جزءٌ من العبارة ِ المنحوتة عند عتبة دار البشير المذيلة بتوقيع: فؤاد افرام البستاني. نعبرُ فتزدحمُ الصّور شلالات. ندخل فيعوم التاريخ وتنتعش الأحلام فتنشلنا من قلب الخيبات الكثيرة لثوانٍ. هنا، في دارِ البشير، فسحة استراحة تحدثت فيها الشيخة بصراحة عن هذا اللبنان، لبنان الذي نحياه، وعن ذاك اللبنان، لبنان البشير، وعن مؤامرة طويلة طويلة لازمت قضية بشير منذ البدء حتى اللحظة. مضى على استشهاد بشير الجميل، الذي قال ذات يوم “أتيت لأقول لكم أن البناء انهار لأن كل شيء كان طلاء وغشاً وكذباً” 37 عاماً. بشير الجميل قال ما قال… لقاءٌ مع “الشيخة”، مع صولانج بشير الجميل، عشية الذكرى 37 لاستشهاد رئيس الجمهورية اللبنانية الشيخ بشير الجميل.

– هو حلم حلمناه معاً قبل 37 عاماً. ماذا بقي، بصراحة شديدة، منه اليوم؟ هذا الحُلُم منح الأمل وعززه. شعر المواطنون، في 21 يوماً، بهيبة الدولة وبقيمة الحكم فأقفلت أدراج “البخشيش”. أملٌ جعل بوليس السير يحضر قبل موعد خدمته الرسمي ويغادر بعد انتهاء الموعد. ويوم استشهد بشير حلّت الصدمة كبيرة. أما اليوم فجميعنا نرى الوضع وجميعنا نشعر، حتى ولو لم نقل، بعدم وجود دولة تهتم بشعبها. يعاني الناس من كل شيء.

– هل خطط من قتلوا البشير كي نبقى كما نحن؟

لم يقتلوا بشير لأنه شاب جميل بل لأنه بشير الجميّل وسيحكم “مظبوط” وسيعيد الديموقراطية والحرية والاستقلال الى البلد. قتلوا بشير ليدفنوا الأمل.

– سمعنا بشير بعيد انتخابه الى حين استشهاده يتحدث عن الجمهورية القوية. ونحن نسمع بها كثيراً اليوم فهل تشعرين بها؟ هل تشعرين بأن مداميك الجمهورية القوية بدأت تبنى؟أين هي هذه الجمهورية التي تتحدثين عنها. بالنسبة لي بعد استشهاد البشير أملنا بها لكن بعد مرور 37 سنة نرى هجرة الشباب وتوظيفات عشوائية ومعابر مفتوحة. الجمهورية القوية لم تتحقق ولبنان القوي مجرد شعار.

– من هو جمهور بشير اليوم؟

لا يمكن تحديد هذا الجمهور. هناك جمهور لبشير في الكتائب وفي القوات اللبنانية وهناك الشعب والشبيبة والطيبون والصادقون ومن يطمحون الى وطن لا سلاح فيه إلا سلاح الجيش اللبناني.

– نشعر بجمهور بشير حائر بين سمير جعجع وسامي الجميل وميشال عون…(تقاطع) بشير الجميل أصبح بالنسبة الى كثيرين رمزاً، وكثيرون يأملون في أن يكون كلّ واحد من هؤلاء الأشخاص بشير الجميل لكنهم، ثلاثتهم، ليسوا بشيرا. بشير الجميل ظاهرة لا تُعاد. أتمنى أن يتكرر ذات يوم لكنه، في الوقت الحاضر، غير موجود. ولم أرَ من قرأ في كتاب بشير وطبّق أفكاره.

– نفهم من كلامك انك تنضمين الى من يُكرر أن بشيراً هو حلم والحلم غير قابل في كثير من الأحيان للحياة؟الحلم ضروري شرط أن يُقرن بالتطبيق ولكن ما أراه أن لا تطبيق في لبنان لأي فكر أو حلم.

– في الذكرى 35 لاغتيال البشير صدر حكم الإعدام في حقّ حبيب الشرتوني وأنتِ رحبتِ به. واليوم، بعد عامين، راوح مكانك. ما رأيك؟ هل كان مجرد إبرة مورفين لاسترضاء محبي البشير؟ صحيح هي مجرد خطوة توقفت عند هذا الحدّ.

– لماذا؟ في الحقيقة، لم يُقفل الملف يوماً. إدعيتُ منذ كانت يمنى ونديم صغيرين. كبرا وحرّك نديم الملف من جديد. تسألين لماذا صدر القرار اليوم ربما لأنهم كانوا يخافون من قبل من الوجود السوري. لم يكن كثيرون يملكون جرأة تحريك الملف. ربما لهذا السبب وربما لغيره لكن، بالنسبة لي، هناك علامة استفهام كبيرة على هذا الملف.

– هل طرحتِ علامة الإستفهام على من يملكون قرار الإجراء؟ لا أنتظر شيئاً من أحد. وأنا مدركة أنه إذا كان الشرتوني مختبئاً عند السوري أو في الضاحية فلا يمكن الوصول إليه وإحضاره.

– هذا الملف غريب عجيب منذ بداياته؟صحيح، منذ سُجن وُضع في روميه. والسوريون هم من أطلقوا سراحه من روميه.

– هناك من يستغرب فترة وجوده أيضاً في روميه. فهل استجوب؟لا، لا شيء أبداً. لكن، صراحة كان السوريون يسيطرون على كل مفاصل البلد.

– شيخة، من لا يتعرف عليك عن قرب يجهلك، تتمتعين بالصلابة شكلاً ومضموناً لكنك لم تنجحي في عكس هذه الصورة في فترة نيابتك. لماذا؟ يجوز، لأننا انتخبنا نواباً بعد وفاة الرئيس رفيق الحريري، وكان هناك قرار أن نكون منضوين معاً وبدأت الإغتيالات. فترة صعبة جداً بالنسبة لي ولم تكن سهلة. هي فترة كان علينا تثبيت وجودنا فيها قبل رأينا.

– بعد مرور 37 سنة هل رفاق بشير تعثروا وتبعثروا على الطريق؟بقي كثيرون. وفي كل مرة نلتقي يكون بشير حاضراً. بشير شخص غير طبيعي. أنا عشت معه كزوجة، أما أنتم فرأيتموه كمقاتل ثم رئيساً. هو كان يتمتع بقوة هائلة وبقدرة على اتخاذ القرار. وفي البيت كان المحبة واللطف. وكان يتسلل، حتى ولو أتى آخر الليل، الى غرفتي نديم ويمنى ويحتضنهما. وكان يدرك جيداً أن وراءه إمرأة، زوجة، تسانده. وأنا كنت قبل أن أتزوج مقاتلة في صفوف الكتائب وأحمل بطاقة منذ كان عمري خمسة عشر عاماً. وأفتخر أنني ربيت ولدي ولم أتكلم طوال هذا العمر عن نشاطي السياسي. ربيتهما على أسس وقيم وأخلاق.

– كثيرون لا يعرفون هذا الوجه النضالي عنك؟

السياسة تحتاج الى نضال. السياسة تحتاج الى تربية واقتناع. دخلتُ في البداية الى مصلحة الطلاب في حزب الكتائب. ووالدي الجراح لويس توتونجي هو من مؤسسي الحزب. تعرفت الى بشير والإحتكاك والغرام كان في مصلحة الطلاب. تربية الحزب من قبل كانت مهمة جداً وليست مثل اليوم. كان هناك نضال وهدف ومسؤولية. في كلِ حال، تعرفتُ الى بشير يوم كان في الثامنة عشرة وتابعنا الطريق مدة 11 عاماً وتزوجنا في 12 آذار 1977 وعشنا أقل من خمسة أعوام معاً، كزوجين، الى حين استشهاده. صدقيني، خياله يلاحقني حتى هذه اللحظة. وهو لم يغب لحظة من بيننا. بشير هو من اختار المكوث في هذا المنزل الجبلي في بكفيا. بناه حجرة حجرة وتفصيلاً وراء تفصيل. سكنّا في الطبقة السفلية فيه يوم انتخب لأنه لم يكن قد أنجز بعد. وهو أراد ان يطلّ منه كي يقول للناس ان هذا منزله قبل الرئاسة وليس من مال الرئاسة. أكملنا البيت بعد رحيله كما أراد. كل اغراض بشير هنا: ثيابه. حذاؤه. حزامه. بندقيته. السهاريان. ومحرمته. وكل شيء يخصه هنا. نشعر به بيننا. وأحيانا أطرح عليه السؤال حين أشعر بقلقٍ كبير: بشير شو بعمل؟ كيف أتصرف؟ واستمد منه القوة غالباً.

– هل حملت البندقية جنباً الى جنب مع البشير؟خضعت الى تمارين لكنني لم أطلق النار على جبهة.

– هل حاولت بعد كل التجارب التي مررتِ فيها إبعاد كأس السياسة عن ولدك (النائب) نديم؟

لم أقل له إفعل هذا ولا تفعل ذاك. لكن هو يملك “نفساً” سياسياً.

– ماذا عن “نفس” يمنى؟

هي تحب الشأن العام لكن نديم قرر خوض مجال السياسة وهي قادرة أن تحذو حذوه بعد عامين أو ثلاثة. في كل حال، هي داعم أساسي لشقيقِها وتلبي كل طلباته. ربيتهما أن يكونا معاً.

– سند نديم يمنى وأنتِ. حزبياً من يدعمه؟ نراه حيناً كتائبياً وحيناً قواتياً…

نديم أقسم اليمين في حزب الكتائب ايام المرحوم الشهيد بيار الجميل. أحب الدخول في الكتائب لكن هذا لا يمنع ان القوات يحبونه ويرون فيه ابن البشير. والقوات بالنسبة الى نديم ليسوا بعيدين أبداً ودائماً لماذا هنا وليس هنا. الحزبان يتبعان أو يفترض أن يتبعا الخط نفسه. في كل حال، بشير هو من أسس القوات اللبنانية ووالده خرج من الكتائب. وكلاهما من رحم واحد. لكن نديم قرر ان يكون كتائبياً لكن لا يمنع ان يكون يحب القوات والقوات تحبه. وهو حين يُسأل يجيب: هذه عيني وتلك عيني الأخرى.

– هل بين الطاقم السياسي في لبنان من فيه بعض ملامح البشير؟أبداً، ولا أقارن احداً به من “كبيرن لصغيرن”.

– يُقال إن بشير استعجل الوصول؟لمذا تقولون إستعجل؟ شكّلت عملية خطفه من الفلسطينيين في تل الزعتر( العام 1970) نقطة تحول في مساره. وكان يظل مع الشباب. كان قريباً منهم. وأسس القوات اللبنانية وكان يتمتع بثقة كبيرة وبكاريزما. وأمور كثيرة تبلورت معه بسرعة هائلة.

– كيف هي علاقة بيت بشير الجميل اليوم مع الدكتور سمير جعجع والرئيس ميشال عون؟علاقتنا مع سمير جعجع ممتازة وطبيعية جداً من زمان وجرّ. أما مع ميشال عون فلا علاقة لنا به. من زمان وجاي لم نره.

– ماذا في جديد مؤسسة بشير الجميل؟ أسسنا المؤسسة في 10 تشرين الثاني العام 1982، في عيد مولده الأول بعد استشهاده، وهذه المؤسسة كانت مهمة وساندني بها الدكتور شارل مالك. طبعنا عدداً من الكتب عن خطابات بشير وكاسيتات وفيديوات. وقدمنا منح تعليم الى كثير من الطلاب. وكل تراث بشير بات في جامعة الكسليك. وهذه السنة أنشأنا أكاديمية بشير يشارك فيها رجال كانوا الى جانب بشير أمثال أنطوان نجم، نعوم فرح، ألفرد ماضي، جورج فريحة وسجعان قزي. وكل واحد من هؤلاء كانت لديه مسؤولية. جورج فريحة كان في الهيئات الشعبية ونعوم فرح في العلاقات الخارجية ألفرد في العلاقات مع اميركا… كل هؤلاء يقدمون محاضرات عن فكر بشير الى الشباب والصبايا.

-“تاتا” صولونج ماذا عنها؟(تضحك من قلبها) أصبحت تاتا لثلاثة أطفال: فتاتان وفتى. مايا، وهي نسخة طبق الأصل عن ابنتي مايا. قلبي بيطلع في كل مرة أعصرها بين ذراعيّ. الفتاة الثانية ماري والصبي ماكس. وهم يومياً معي.

– من خلال الأب بشير كيف تتصورين الجدّ بشير؟

كانت لتكون فرحته “قدّ الدني”. كان ممنوعاً بالنسبة الى بشير الصراخ على طفل. حنان وعاطفة وأبوة. لا يمكنني التعبير. هو شخص ظاهرة.

– في الختام، هل هناك من يستحقّ كلمة شكراً من صولونج بشير الجميل؟

أقول شكراً لبشير وحده لأنه أعطاني الحظ أن أكون الى جانبه طوال هذه السنين وشكراً لأنه أعطاني القوة كي أربي أولادي على خطاه. شكراً له وبس بس.