د. وليد فارس: إيران وسلاح الأقليات في الشرق الأوسط/ محور “طهران والأسد” تلاعب بورقة المسيحيين في بيروت ونفذ عمليات اغتيال لسياسيين لبنانيين تصدوا له

133

إيران وسلاح الأقليات في الشرق الأوسط/ محور “طهران والأسد” تلاعب بورقة المسيحيين في بيروت ونفذ عمليات اغتيال لسياسيين لبنانيين تصدوا له
د. وليد فارس/انديبندت عربية/10 أيلول/2019

منذ انفجار الربيع العربي لاحظ المراقبون والمحللون في واشنطن أن مقولة إيران تحمي الأقليات في الشرق الأوسط من الإرهاب التكفيري ومن التطرف السني بشكل خاص انتشرت بشكل واسع في أوروبا وأميركا ودول الغرب.

هذه المقولة المفبركة أصبحت بمثابة عقيدة سياسية اقتنع بها الكثير من السياسيين والصحافيين واستخدمتها البروباغندا الإيرانية بكثافة ما أدى إلى التأثير على ميزان القوى ضد التحالف العربي والأقليات نفسها.

شخصيا رافقت مسألة التطور التاريخي لقضايا الأقليات منذ ثمانينيات القرن الماضي في بيروت حيث شاركت في إطلاق اللجنة المشرقية التي مثلت عددا من الأقليات، ومن مشاهدتي للمسارات وقتها، تبين أن نظام الأسد الأب منذ السبعينيات، وإيران بعد 1979 حاولا السيطرة على ورقة الأقليات المسيحية والأخرى لتنفيذ برامجهما، غير أن تصدي ما كان يعرف بالمنطقة الشرقية في لبنان، وبزوغ قيادة بشير الجميل، ودور الجبهة اللبنانية وقتها كسر هذه المقولة وحُمِّل نظام الأسد ومعه إيران مسؤولية قمع وضرب الأقليات المسيحية.

انكسار المسيحيين اللبنانيين في عام 1990 بعد حرب أهلية طاحنة بين قواهم الرئيسية فتح الباب واسعا أمام استيلاء إيران على قضاياهم، وبدأت مسيرة الألف ميل للسيطرة على الورقة المسيحية وورقة الأقليات من قبل محور إيران دمشق وامتداده في لبنان عبر حزب الله.
ومع دخول الجيش السوري للمناطق المسيحية في لبنان بعد عام 1990 تم كسر آخر مقاومة فعلية من قبل الأقليات المسيحية في الشرق الأوسط وخلال تلك الفترة وبفعل سيطرة هذا المحور على البطريركيات والكنائس الأساسية بين بغداد ودمشق ولبنان، مدت قوى هذا المحور نفوذها على مؤسسات الكنائس والسياسيين المتأثرين بها فاخترقت صفوفهم رويدا ولا سيما عبر مؤسسات الدولة اللبنانية.

إلا أن انتفاضة ثانية ضد محور إيران- الأسد تفجرت في العام 2000 بقيادة البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير، ثم توسعت لتشمل قيادات الاغتراب اللبناني أسهمت في الضغط للحصول على القرار 1559 الذي دعا لانسحاب سوري من لبنان وتسليم حزب الله لسلاحه، ومع ثورة الأرز 2005 تحالف المسيحيون مع السنة والدروز والليبراليين الشيعة وضغطت باريس وواشنطن، فكانت النتيجة انسحابا مذلا للأسد من لبنان مما شكّل هزيمة لهذا المحور ووجه ضربة قاسية لمقولة حماية الأقليات.

لكن هذا المحور لم يستكين وشرع في الإعداد لهجوم كاسح لاستعادة ما فقده، بدأ مع عمليات اغتيال شملت سياسيين لبنانيين مسيحيين وسنة كجبران تويني وبيار الجميل، ووليد عيدو ثم جاء هجوم حزب الله عام 2008 ضد بيروت الغربية وعلى وجه الخصوص سكانها السنة، والدروز في الجبل، ليعمم حالة من الإرهاب على السياسيين خصوصا المسيحيين بهدف إلغاء عدائهم للمحور الممتد من إيران، وفي 2014 ومع صعود داعش وانتشاره في العراق وسوريا وارتكابه مجازر بحق الأقليات المسيحية والإيزيدية، دب الرعب عند المسؤولين المسيحيين في العراق وسوريا ولبنان، واقتنعوا رغما عن أنفسهم بألا سبيل لديهم سوى الالتحاق بهذا المحور لا سيما بعد شعورهم بتخلي إدارة باراك أوباما عنهم.

واستخدمت إيران وذراعها حزب الله الخوف من داعش للسيطرة على جزء كبير من شبكة الطوائف وتمكنوا من تشكيل لوبي مسيحي في أوروبا وأميركا ووظفته بشكل ذكي ولبق لصالحها، ولإعادة ترويج مقولة حماية الأقليات، ومنذ 2014 تمكن هذا المحور من الدخول إلى العمق الأميركي عبر كنائس أميركية وجماعات ضغط ولعب أركانه على عواطف أعضاء في الكونغرس لتنظيم لقاءات ومؤتمرات في واشنطن وعواصم غربية أخرى، وأرادت هذه الجماعات الإيحاء بأن لقاءاتها تهدف لحماية المسيحيين في الشرق، وأن نظام الأسد يحمي المسيحيين، أما حزب الله فهو شر لا بد منه، ونصبوا إيران على زعامة مواجهة من سموهم بالمتطرفين السنة وعلى رأسهم داعش.

وبعد انحسار داعش انتشرت الميليشيات المؤيدة لإيران في العراق، وظهرت الحقيقة سريعا فمن قدّم نفسه على أنه يريد حماية المسيحيين منعهم من العودة لديارهم بحيث عملت هذه الميليشيات على تغيير الواقع الديموغرافي لمصلحة من يؤيدها من أبناء الطائفة الشيعية، فأصبح المسيحيون يتعرضون للقمع تماما كما السنة والشيعة والليبراليين، أما في لبنان فسيطر حزب الله على الدولة واستخدم المسيحيين كصوت في الغرب لترديد ما تريده دمشق وايران.

اما بالنسبة لاقباط مصر فإن خوفهم التاريخي كان ولا يزال من الجماعات التكفيرية المتشددة وفي السنوات الماضية ايضا من الأعمال العدوانية التي استهدفتهم من قبل جماعة الإخوان المسلمين. وقد حاولت الأجهزة المرتبطة بالنظام الايراني والسوري مراراً وتكراراً اختراق بعض الكوادر القبطية تحت عنوان مواجهة السنة بالتحالف مع نظام الاسد في سوريا مما زاد في هذا التأثير التقارب ما بين قطر والاخوان وايران منذ العام 2015.

الخطة الايرانية تقضي بإبعاد الاقباط عن مؤسسات الدولة المصرية بحجة انها تقمعهم وان يتعاونوا مع الانظمة ( العلمانية) كنظام الأسد في سوريا . إلا ان الاكثرية الساحقة من الاقباط رفضت هذه المحاولات الإيرانية وهي مصممة على مواجهة المتشددين والإخوان بموازات عملها من أجل إقامة عدالة اكثر انصافاً بحقهم ضمن الدولة المصري.

ولانهيار الأقليات ووقوعها بين أيدي المحور الإيراني-السوري أسباب عديدة أبرزها:
1 – غياب القوى المشرقية عن الساحة السياسية وانقسامها وتبعثرها
2 – عدم فهم السياسية الأميركية بفعل حكم أوباما
3 – عدم اهتمام الدول العربية بموضوع الأقليات مما سمح بإفلات هذه الورقة من أيدي الدول العربية وسمح للوبي الإيراني باستخدامها حتى في الكونغرس
وعلى الرغم من الواقع الحالي، فإن إيران لن تنجح على المدى الطويل في الاستمرار بالاستيلاء على ورقة الأقليات لأن هناك مقاومات مختلفة برزت في العراق عبر الآشوريين والكلدان أو في سوريا عبر السريان، بالإضافة الى أجيال جديدة في لبنان ترفض الاستراتيجية الإيرانية وهذه المجموعات المختلفة لا بد أنها ستلاقي تحرك إدارة ترمب لمواجهة النفوذ الإيراني، وبالتالي أصبحت مسألة بناء جسر بينها وبين أميركا مسألة وقت فقط، والمطلوب الآن أن ينفتح التحالف العربي على هذه الأقليات داخل المنطقة وخارجها لدق آخر مسمار في نعش استخدام إيران لهذه الورقة.