محمد أبي سمرا /المدن: أسبوع من حياة الراحل أنطوان حرب في “بوريفاج” الأسد/أنطوان حرب يتفقد وصيته في معتقل البوريفاج

1320

أسبوع من حياة الراحل أنطوان حرب في “بوريفاج” الأسد
محمد أبي سمرا /المدن/23 آب/2019

أنطوان حرب يتفقد وصيته في معتقل البوريفاج
محمد أبي سمرا/المدن/الخميس 22/08/2019

نشرت “المدن” حلقة أولى من شهادة أحد مؤسسي “التيار الوطني الحر”، الراحل أنطوان الخوري حرب، (الحلقة في اسفل الصفحة) عن مكوثه أياماً عشر معتقلاً لدى المخابرات السورية في البوريفاج سنة 1994، وهنا حلقة ثانية. والشهادة يتضمنها كتاب “موت الأبد السوري”، ونستعيدها اليوم في مناسبة رحيله المفاجئ.
حملوني من غرفة الكرسي الكهربائي، ورموني في زنزانتي. وجع رهيب في جسمي مع نوبات من الغثيان، وبلا إدراك في أي زمن أنا وفي أي مكان، ولا أبصر سوى غبش به ثقوب سوداء…ثم تلاشيت.
لم أستطع الوقوف لأذهب معهم مجدداً إلى غرفة التحقيق. حملوني وساروا بي. أحدهم قال لي: ليش ما أكلت أكلك ولاه حِيوان، وليش ما شربت المي، شو جاي تموت عنا هون، يا ابن الحِيوان؟! وقال آخر: أنت كلب ولاه، كلب وراسمالك كلب عندنا هون. قررت أن أقاوم، وتذكرت ما سمعته من حكايات التعذيب في السجون السورية، وكم من الأشخاص قضوا فيها. حدست أنهم سيستمرون في تدميري وسحقي حتى الموت على الأرجح، فقررت أن أوقاومهم حتى نهايتي، علّني أموت راضياً عن نفسي.
نحن نكرهكم
في النهار السابع علمت من أقوال الحراس الذين قادوني إلى غرفة التحقيق، أن المحقق مقدم. حين دخلت الغرفة وسمعت صوته يقول: انشاالله اليوم تكون أحسن من مبارح، وحابب تتعاون معنا. نعم سأتعاون – جاوبته – لكنني أريد أن أقول بعض كلمات. شلون تريد تحكي، قلي شلون؟ قال المحقق.
فجأة وعن سابق تصور وتصميم وإرادة قلت له: نحن لا نحبكم. الآن عرفت لماذا لا يحبكم اللبنانيون. قبل وصولي إلى هنا كنت أحسب أننا نكرهكم لأنكم تحتلون بلدنا وتنهبونه، لكنني الآن أفهم أننا نكرهكم بقوة هذا العذاب الذي تنزلونه بي حتى الموت، هنا في هذا المكان الذي أجهل أين يكون ولا أعلم لماذا وصلت إليه. لا يهمني أن تقتنع أو لا تقتنع بما أقول. التعذيب الذي تنزلونه بي لن يفيدك في شيء. لذا أرجوك اعدمني فوراً، اعدمني الآن. استشاط المقدم المحقق غضباً وصرخ: أنتو يا كلاب ضد سوريا؟! ضد العروبة؟! حلّك تفهم يا حِيوان أن سوريا قدركم في لبنان. لسه ما حابين تفهموا أنتم والحِيوان تبعكم أن سوريا قدر لبنان؟!
ودخل الحراس غرفة التحقيق وانهالوا عليّ بأيديهم وأرجلهم طوال أكثر من ساعة، ثم حملوني ورموني في زنزانتي. في ما تبقى من ذلك النهار وفي ليلته أخذوا، كلما وصل أحدهم في موعد خدمته، يفتحون له بوابة زنزانتي، فيضربني ويضربني حتى يسأم أو يتعب وينصرف. بعد ضربةٍ قوية سدّدها أحدهم بحذائه العسكري إلى فمي، تحسست بيدي فكي الأسفل، فانتزعتْ أصابعي في سهولة أسناناً ثلاثاً منه.
فتحوا باب زنزانتي في النهار التاسع، فلم يركلني أي منهم بقدمه، بل جرّوني مباشرة إلى غرفة الكرسي الكهربائية. أجلسوني على الكرسي وأوثقوا جسمي اليه. وضعوا سماعتين على أذنيّ وميكروفون أمام فمي، وخرجوا، فبادرتهم بأقذع أصناف الشتائم التي في ذاكرتي ومخيلتي.
أطلقت صوتي قوياً صارخاً معولاً، وبطاقة الحقد كلها التي غرستها ضرباتهم وكلماتهم في جسمي وروحي طوال الأيام الماضية، نثرت شتائمي عليهم، من رئيس جمهوريتهم وأهله حتى أصغر نفر في جيشهم ومخابراتهم. عاجلوني بصدمات كهربائية عالية الشحنات، فانقطع صوتي. حين استعدت وعيي في زنزانتي، لم أستطع تقدير الوقت الذي استغرفته غيبتي مغمىً عليَّ. مددت يدي ولمست رأسي، فإذا خصل من شعري تتساقط بين أصابعي، كأنها خصل من شعر شخص آخر. لمست صدري فتساقط كذلك قسم من شعره في يدي. وفيما جسمي كله يمضي في تلاشيه وانحطاطه، غبت مجدداً عن الوعي، وراودني إحساس خاطف بأنني اقتربت من نهايتي. صور من حياتي راحت تنساب في رأسي وتتلاحق بلا بداية ولا نهاية… وجوه أهلي وأصدقائي في المدارس والجامعة ورفاقي في النضال… وأخيراً ابن أخي الصغير الذي كنت مولعاً به، وسميناه باسم الجنرال ميشال عون.
فجأة انهال عليّ شعور عميق بالرضا عن نفسي. ها أنذا ذاهب إلى موتي راضياً مرضياً، ليس بإرادتي، بل بقوة ذاك القدر الأعمى الذي قال المقدم المحقق السوري إن عليّ الإقرار به وسواي من اللبنانيين جميعاً: سوريا قدر لبنان الذي لا مهرب منه ولا رادع له.
الوداع الأخير
كذاهب إلى إعدامه فكرت كيف يمكنني إيصال نوع من الوصية إلى أهلي الذين غمرني فجأة شعور عميق جارف بحبهم، وحب الوطن، وطني، وإذا بجبال بلدتي تنورين تمثل أمام ناظري جميلة، فقلت إنها لي وإنني لها، وجميل أن تبقى جميلة وحرة.
كنت مدركاً أنني أعزي نفسي وأودعها الوداع الأخير، مؤدياً على انفراد شعائر إماتة خاصة وشخصية ولا يشاركني فيها أحد، من دون أن أعلم مكان وجودي، وماذا يفعل كل من أعرفهم ويعرفونني في العالم الخارجي وأين هم الآن.
قطعة صحن بلاستيك على أرض زنزانتي، نبهتني إلى وسيلة تمكنني من ترك أثر ما يدل على أنني كنت يوماً في هذا المكان المجهول. أمسكت كسرة الصحن وحفرت بها على الجدار فوق الباب الحديد: أنطوان الخوري حرب، شهر 11 سنة 1994. وحين فكرت أن أحفر اسم مكان، تذكرت إجاباتهم الدائم كلما سالتهم أين أنا: أنت في جهنم الحمراء… وسمعت وقع خطىً تقترب من زنزانتي. تلقائياً كعادتي وجهت كتفي نحو بابها، لأتلقى به ركلات أقدامهم. لكن من فتح الباب فاجأني، فبدل ركلي، ناداتي: تفضل أخ أنطوان. استغربت هذه الكلمات التي صارت منسية كالعالم الذي غادرته وانقطعت عنه منذ أيام عشر. لكن الكلمات هذه وهدوء نبرة صوت قائلها وحيادها زادتني يقيناً باقتراب نهايتي، وفكرت: هكذا يُنادى الذاهبون إلى الإعدام. أرجوك أريد أن أبعث خبراً لأمي بأنني كنت هنا عندكم، قلت للضابط. صامتاً حدّق في عينيّ، كأنه يقول لي إن أمنيتي هذه سيان إن تحققت أو لم تتحقق.
كل شيء أخذ يزيدني يقيناً بأنني ذاهب إلى نهايتي. قبل أن يدخلوني إلى غرفة مصعد، قال الضابط لأحدهم أن يحضر لي بيجاما. إنها لباس الإعدام، فكرت. حين أمر بغسلي بعد خروجنا من المصعد، قلت إنها غسلة الموت. في بهو فسيح قرب المصعد، وجهوا إلى جسمي العاري إلا من الكيلوت، أنبوباً من الكاوتشوك، فاندفع الماء من فوهته غزيراً وراح ينهمر عليّ بارداً، فأحسست بصقيع لم يطفئ الحمى الداخلية في جسمي المحطم. البيجاما التي أحضروها وأمروني بأن ألبسها، كانت عسكرية وأضفتها إلى أشياء ما قبل الإعدام وترتيباته.
جامع جامع
وأدخلوني إلى مكتب فرشه وثير ومزين بشعارات بعثية وعلم سوريا ونسرها، وبصور حافظ الأسد وابنه باسل.
خرجوا جميعهم وتركوني مع شخص في ثياب مدنية، فنظر إلي وقال: ابرك، ابرك، فجلست على مقعد مستغرباً مندهشاً (بعد أيام رويت قصتي هذه لسامي خوري الذي التقيت به في حمام المعتقل، فقال إن رجل المكتب الفسيح هو جامع جامع).
سألني الرجل إن كنت شربت قهوة، وهل أريد سيجارة؟ وسرعان ما احضر رجلٌ القهوة والسجائر. شعور عميق بالراحة غمرني، فرحت أخمد وأتلاشى غير مدرك إن كان نعاس أم خمول هذا الذي استبد بجسمي كله وحواسي، وتركني واهنا واهيا كطيف خارج الزمن والوجود.
قال لي رجل المكتب الفسيح: ولو يا أنطون، أنت ابن عيلة، شو هالحركات اللي عم تعملها؟ لاحقلي ميشال عون وماشي وراه! مبيّن عليك شاب ابن عيلة… شو رح يفيدك ميشال عون؟!
مندهشاً خاملاً سمعت كلماته التي كانت تصلني من بعيد، ثم قال: اكتشفنا أن عملية الحدث نفذها العكاريت من جماعة عرفات، وأنت سوف تذهب إلى بيتك. خلص ع البيت؟! قلتُ، فجاوبني متجاوزا سؤالي: بس بدي منك شغلي، نريد أن تتعاون معنا، ولا لزوم لأن تحكي شو صار معك. اشكر ربك أنك طلعت من هون طيب، يلا قوم امشِ… بس ما تجرّب بعد اليوم تتشيطن، قعود عاقل ودير بالك ع شغلك. وإذا مش عاجبك هالبلد، بنصحك تسافر، ونحنا بنساعدك إذا قررت السفر. وأخيرا قال في نبرة حاسمة: سوريا لا تُشتم في لبنان، لا أحد يستطيع أن يشتم سوريا في لبنان، لا أحد. ثم تقدم من الباب وفتحه قائلا لعسكري يقف خارجاً أن يأخذني. أمسك العسكري يدي وجرني خلفه وأخرجني من المكتب الفسيح حتى مدخل المبنى.
أرض البشر
الضوء باهر ومدوّخ في الخارج، والعالم فسيح. كأنني للمرة الأولى أبصر وأنتبه أن في وجهي عينان. كأنني لا أعرف من أنا. فجأة رأيت المقر الرئاسي الموقت في الرملة البيضاء، فأدركت أنني كنت في مقر المخابرات في البوريفاج. من بعيد لمحت ضابطاً في الجيش اللبناني أعرفه، فلوحت له بيدي. رآني وحدق بي، لكنه لم يبادلني تحيتي، ربما لأنه خشي من معرفته بي، أنا الجندي السابق في الجيش أيام ميشال عون، والخارج من مركز المخابرات السورية مرتدياً بيجامة الاعتقال المهترئة، وفي قدميّ مشاية من الكاوتشوك، وشعري مشعث، ومحطم الأسنان، وأمشي مهدما ضائعا لا أعرف إلى أين ولا في أي اتجاه.
مشيت مبتعدا من مقر المخابرات والمركز الرئاسي الموقت. وحين عبرت قربي سيارة أجرة، أشرت لسائقها، فتوقف. قلت له إنني ذاهب إلى الروضة، قرب السبتية، وإنني أخذه تاكسي، فجاوبني: طلاع يا ابني طلاع. كان السائق في حوالي الستين، ولهجته جنوبية، وفاجأني بقوله: أكيد كنت مسجون هون، الحمد لله عالسلامة، منيح إنك طلعت طيب، ربك بيحبك. وروى لي أن صهره أمضى شهوراً هنا عندهم يتهمة أنه مقرب من البعث العراقي، وخرج معطوبا، لا يسمع في واحدة من أذنيه ولا يبصر في عين من عينيه. ثم قال ثانيةً: اشكر ربك يا ابني لأنك تسمعني وتراني، ولازم تروح تشوف حكيم.
في الطريق، حاولت جاهدا أن أشحذ تفكيري وذاكرتي المشتتين واركّزهما، لأرشده إلى الطريق المؤدية إلى الروضة، حيث بيت أهلي. لما وصلت إلى أمام بيتنا، رجوته أن ينتظرني لآتيه بأجرة التاكسي، فلم يرضَ. سألته عن اسمه ورقم هاتفه لأتصل به لاحقا، فقال: خلص يا ابني، الله معك، روح عند أهلك، ارتاح ما يهمّك.
كان باب بيتنا مفتوحاً، ورأيت أمي تكنس الشرفة الأرضيّة أمامه، فوقفت في مكاني بعيداً منها. حين انتصبتْ واقفة نظرت إليّ، وكادت أن تشيح وجهها عني، قبل تكرارها التحديق بي مرات ثلاثاً لتتأكد من أنني حقاً ابنها أنطوان المختفي. وركضت نحوي وارتمت عليّ تبكي وتنوح وتصرخ، فأخرج صراخها أختي من البيت. جامداً واجماً تحركتُ بين أمي وأختي إلى الممر الداخلي، فلمحتُني في المرآة شخصاً غريباً عني: بقع صغيرة عارية من الشعر في رأسي، ثلاث أسنان أمامية مفقودة من فكي الأعلى، بيجامة السجن المهترئة على جسمي المحطم الهزيل الذي فقد نحو 15 كلغ من وزنه في 10 أيام.
في المستشفى بدأت أستعيد رويداً رويداً ما حدث لي. ساعة بعد ساعة راحت الأوجاع في جسمي تشتد وأنا أتماثل إلى الشفاء، في نفسي تنبعث نوبات متلاحقة من الألم والغضب الهستيري الذي أخرجته صراخاً وشتائم، فيهرع الممرضات والأطباء لتهدئتي. ظللت يومين أطلق بين ساعة وأخرى نوبات غضبي الهستيري الذي يمزّق أعصابي. في اليوم الثالث والرابع هدأتُ، ودخلت في نوبة حزن عميق صامت، يتخلله بكاء ونشيج، وذكريات لرفاقي المفقودين، منهم ابن بلدتي تنورين، عادل ضومط المختفي منذ 13 تشرين 1990. تخيلت أنهم تعرّضوا ويتعرضون لما عرفته في البوريفاج.
خرجت من المستشفى مصاباً بتمزق في غشاء المعدة، لأتناول له دواءً دائماً. أما فقرة ظهري التي انحرفت من مكا نها، فتحتاج إلى علاج مدى عمري كله. وها أنا حتى اليوم مصاب بأرق وقلق ليليين يمنعانني من النوم قبل الساعة الثانية أو الثالثة من الليل، رغم تناولي أقراصاً منومة ومهدئة على الدوام.
أمضيت أسبوعين منعزلا في بيت امرأة من أقاربنا، لا أقابل أحداً. واصابني عارض إيماني، فرحت أصلي وأصلي شاكراً الله على نجاتي. لكن هذه الحال سرعان ما تلاشت، بعدما عدت إلى حياتي العادية وعملي في مركز المعلوماتية التابع للجامعة اللبنانية.
بعد أيام أتت دورية من الشرطة العسكرية اللبنانية إلى إدارة الجامعة، فاعتقلني عناصرها وقادوني إلى سجن “قصر نورا” في سن الفيل. في النهار التالي أتاني ضابط بمحضر وقال إن عليّ أن أوقعه، قبل أن يحقق معي أحد ويسألني سؤالاً واحداً. رفضت الاطلاع على المحضر وتوقيعه. أمضيت في سجن “قصر نورا” شهراً و20 يوما، أطلق بعدها سراحي، ليصدر في حقي حكم بسجني المدة نفسها، بتهمة التحريض على الفتنة والقيام بأعمال إرهابية.
في نهار خروج مفرزة المخابرات السورية ورحيلها عن الرملة البيضاء في نيسان 2005، ذهبت إلى هناك، فصادفت موكب رستم غزالي يعبر أمام المقر في سيارته المرسيدس السوداء. كنت مع صديقي محمد خالد، أحد نزلاء المقر، بعد اعتقاله على حاجز للجيش السوري في الضاحية الجنوبية. ودخلت أفتش عن زنزانتي التي أمضيت فيها أيامي العشرة. إهتديت إليها، فأضأت هاتفي الخليوي وقربته من الجدار فوق بابها، وقرأت العبارة – الوصية التي حفرتها بكسرة صحن البلاستيك قبل 11 سنة: أنطوان الخوري حرب شهر 11 – 1994، ثم التقطت صورة لوصيتي.

أسبوع من حياة الراحل أنطوان حرب في “بوريفاج” الأسد
محمد أبي سمرا /المدن/23 آب/2019
في نهار من بدايات تشرين الثاني 1994 دعاني هاتفياً رتيب في الجيش اللبناني لتناول فنجان قهوة مع الرائد. كنافي التيار العوني قد تعودنا على مثل هذه الاستدعاءات، كتعودي على اعتقالي المتكرر منذ 1991، بعد انتهاء تطوعي في الجيش اللبناني نصيرا لحركة الجنرال ميشال عون. طمأنني الرتيب وقال إن لقائي مع الرائد لن يستغرق أكثر من ربع الساعة في المركز السابق لـ”القوات اللبنانية” الذي اتخذه الجيش اللبناني مقرا له بعد حل “القوات” ومطاردة محازبيها واعتقالهم.
نهار وليلة
على مدخل المركز أخذوا مني مفاتيح سيارتي، وقادوني إلى مكتب، فأقفلوا بابه وتركوني وحدي. كانت الساعة الحادية عشرة قبيل الظهر تقريباً، فراح الوقت يمر بطيئاً بطيئاً، وساعة بعد ساعة. طرقت الباب مرات وناديتهم، فلم يجبني أحد. متردداً اقتربت مرات من هاتف المكتب، ومددت إليه يدي لأتصل بأحد ما، فمنعتني حيرتي من استعماله. الساعات تمضي وأنا أتنقل بين المقاعد ومبدلاً عليها أوضاع جلوسي. أقف وأمشي قليلا، فيحاصرني الضجر ويرميني مجدداً على مقعد، فأغفو مخمّراً بالأرق. أفيق فتأخذني الغفوة مجدداً، كمن يغفو في منامه. صور لأهلي وللعالم الخارجي الذي غادرته كأنما من سنين، راحت تبتعد وتبتعد وتتلاشى في اليقظات الجلاتينية الثقيلة.
أيقظني ضوء النهار التالي رخواً بائتاً على وجهي المزيّت بدبق السأم والانتظار والإهمال. فُتح الباب فجأة ودخل منه ثلاثة رجال في ثياب مدنية، فقلت: هذه هي نصف الساعة؟! صامتاً اقترب مني أحدهم وأدخل رأسي في كيس من قماش، وأمرني أن أمشي، فمشيت، موقنا أنهم سيقودونني إلى وزارة الدفاع في اليرزة، ويحققون معي كما في مرات سابقة.
في الخارج قدّرت أنهم أدخلوني إلى شاحنة أو فان. آنستني قليلاً أصوات السيارات في الطرق التي ساروا فيها قرابة ربع الساعة، غابت بعدها الأصوات وتوقفت السيارة. سكوت هائل خيّم للحظات قطعتها أصوات فتحهم أبواب السيارة وغلقها. نزعت قليلاً كيس القماش عن وجهي، فرأيت صورة باسل الأسد على نافذة الفان المصفحة كلها بالحديد، بدل الزجاج. أيقنت أنني في قبضة المخابرات السورية.
كلاب الجنرال والبطريرك
أربعة رجال أو خمسة، ساروا بي في أمكنة شعرت أنها تحت الأرض. حين نزعوا كيس القماش عن رأسي في غرفة، انهالوا علي صفعاً ولكماً ورفساً وضرباً بأعقاب البنادق، شاتمين الجنرال ميشال عون والبطريرك مار نصرالله بطرس صفير. استمرت وجبة الضرب والشتائم الأولى أكثر من نصف الساعة، ثم جروني إلى زنزانة مشيّدة حديثاً إلى جانب قديمة لمحتها متماثلة في أحجامها. رموني في الزنزانة وأقفلوا بابها الحديد. من ثقوب في أعلاه يدخل ضوء شحيح لم يبدد عتمة الزنزانة، إلا بعد وقت مكّنني انقضاؤه من إبصار إصبعي في الظلام. خبط أقدام كثيرة على الأرض اقتربت من زنزانتي، تلتها وجبة الضرب والشتائم المسائية. وضعت رأسي بين ذراعي لأحميه من قبضاتهم وأقدامهم، فقال أحدهم: شو صاير عليك ليصير فيك هيك، اعترف، اعترف وخلص حالك. وقبل أن أقوى على سؤالهم: بماذا اعترف؟ خرجوا وأقفلوا الباب تاركين جسمي محطماً. رحت في نوم ثقيل لم أستيقظ منه إلا صباحاً، فاقتادوني إلى وجبة ضرب جديدة في غرفة، فمددوني على ظهري وتداوروا على ضربي بعصاً. بقع من الدم تلطخ جدران الغرفة. في وجبة الفلق الصباحية هذه، صرخ بي أحدهم: كلاب إسرائيل، عصابات التقسيم والفتنة، كلاب اليهود والجنرال والبطريرك.
ظهراً، رموا لي رغيف خبز ووعاء به مرق وعبوة بلاستيكية صغيرة قُطِع منها نصفها الأعلى وبها ماء آسن. حين طرقت باب الزنزانة طالباً الدخول إلى الحمام، جاؤوا وضربوني، فظللت يومين من دون أن أقضي حاجتي. وفي المساء أذاقوني وجبة جديدة من التعذيب، قالوا إنها الفروج: عار إلا من الكيلوت، وفي معصميّ كَلَبتان معدنيتان موصولتان بجنزير معلق في سقف الغرفة، وجسمي مشدود إلى عصا غليظة، عليها رفعوني عالياً وانهالوا عليّ بعصيهم التي راحت ضرباتها تؤرجحني في الجهات كلها.
في الليل، كلما غفوت كان أحدهم يخبط على باب زنزانتي عنيفاً، فينتفض جسمي المحطم وأستيقظ في حال من رعب مروع يكاد يوقف الدم في عروقي ويقطع انفاسي. وفي النهار الثالث قادني أحدهم إلى الحمام، فلمحت وجه شاب أعرفه: سامي خوري الذي كان مثلي جندياً متطوعاً في الجيش اللبناني بقيادة العماد عون. لمحته وخفت أن أناديه. وفي النهارات والليالي التالية صرت أسمع سامي ينادي صارخا: يا الله، فيجاوبه أحدهم: ما في الله هون ولاه، في نحنا وبس، قول بأمرك يا ريس، قول يا حيوان.
وقادوني إلى غرفة التحقيق، فأجلسوني على كرسي خشبية ورأسي داخل كيس قماش. أصداء كلماتهم أشعرتني أن الغرفة فسيحة خالية. سألني المحقق أسئلة مكّنته من معرفة الكثير من سيرة حياتي، ثم فاجأني قائلا: ليش حاطط متفجرات التي ضبطناها في سيارتك، لشو المتفجرات؟ لا متفجرات في سيارتي التي تركتها في عهدة الجيش اللبناني، جاوبته، فشتمني وشتم الجيش اللبناني، وقال: الجيش اللبناني وصرمايتي سوا.
قدّرت أنهم وضعوا متفجرات في السيارة، وأصررت على رفض التهمة، فانهال المحقق عليّ بكرباج، واستدعى الحراس، قائلاً لهم إن تجاوبي ضعيف، وليأخذوني. كوروا جسمي وسط دولاب شاحنة وراحوا يدحرجونه بينهم ويضربونني بالعصي ويرفسونني بأقدامهم، قبل أن يرتطم الدولاب بالجدار في آخر ممر طويل. كان رأسي لا يزال في الكيس فيما الدولاب يتدحرج بي مرات جيئة وذهاباً مرتطماً بالجدران، فانزاحت فقرة من عمودي الفقري من مكانها وتمزّق غضروفها، وحتى اليوم لم أُشفَ من هذه الإصابة التي تحتاج إلى علاج دائم.
الكرسي المكهرب
في النهار الخامس أو السادس، مجدداً في غرفة التحقيق. أجلسوني على كرسي الاستجواب وسألني المحقق عن دوري في قذف شاحنة عسكرية سورية في الحدث بقنبلة يدوية. لا علم لي بهذه الحادثة، قلت. ذكر نهار قذف الشاحنة بالقنبلة، وسألني عن مكان وجودي في ذلك النهار، في بلدتي تنورين، جاوبته. تلا قائمة طويلة من أسماء أشخاص، فتوقف لدى تسميته المقدم سمير يونس وسألني عن صلتي به، فقلت إنني لم أسمع باسمه قبل الآن. كنت أعرف المقدم سمير يونس، إبن بلدتي تنورين والمسؤول عني في الجيش اللبناني، حتى احتلال الجيش السوري قصر بعبدا الرئاسي في 13 تشرين 1990. لأنني لم أعترف بمعرفتي بأي من الأسماء، استدعى المحقق الحراس وقال لهم أن يأخذوني إلى كرسي الصدمات الكهربائية.
مكبل اليدين والرجلين ورأسي في كيس القماش، وجسمي عارٍ إلا من الكيلوت، أجلسوني على الكرسي، وخرجوا من الغرفة وتركوني وحدي. ميكروفون أمام فمي وسماعتان تكبّران الصوت تضغطان على أذني. مع الشحنات الكهربائية الأولى الخفيفة التي سرت في جسمي واستمرت نحو ثوانٍ عشر، سمعت أصوات أسئلتهم تحفر في داخل رأسي. ظللت صامتاً متحملاً قوة الصدمات الأولى ومصمماً على عدم الكلام.
الدفعة الثانية من الشحنات اجتاحت أعضائي كلها قوية لمدة 20 ثانية تقريباً. حاولت أن أصرخ، فلم أستطع، كأنما كل عضوٍ في جسمي تعطل فجأة، سوى حاسة البصر. حتى التفكير شُلّ في رأسي الذي تخدّرت أعصابه أو تنملت. وجيب خاطف مرتج سرى في عضلاتي، كأنها تتمزق من الداخل. عبثاً قاومت حال الانهيار وفكرة نهايتي. عبر السماعتين على أذني سمعت اسميّ بيار أبي رعد ونضال حرب اللذين أعرفهما، وأعرف أنهما سافرا للعمل في الإمارات العربية المتحدة، وقال الصوت إننا نفذنا عملية رمي الشاحنة العسكرية السورية بقنبلة يدوية في الحدث.. وجاءتني الدفعة الثالثة من الشحنات الكهربائية، أُغمي عليّ.
حين أفقت لم أعلم كم من الوقت مضى مغمىً عليّ منطرحاً أرضاً، مبللاً بالماء. جسمي رخو من الداخل، جلدي مقدّد ويتنمّل، وموشك على التشقق، وأعصاب رأسي أو خلاياه متخشبّة. قرّبوا كوب ماء من فمي، فلم أستطع تحريك فكيّ المنطبقين، فوضعوا قشة بين شفتي المتخشبتين، فلم أقوَ على امتصاص الماء. وسال اللعاب من فمي والمخاط من أنفي، غزيرين كالبول الذي انهمر لا إرادياً من مثانتي.