ألان سركيس: تكتيكات رئاسية للخروج من مغطس الاستراتيجيّة الدفاعيّة/منير الربيع: عون يقول للأميركيين فاوضوا باسيل لا الحريري في الاستراتيجية الدفاعية

59

تكتيكات” رئاسية للخروج من “مغطس” الاستراتيجيّة الدفاعيّة
ألان سركيس/نداء الوطن/21 آب/2019

عون للأميركيين: فاوضوا باسيل لا الحريري في الاستراتيجية الدفاعية
منير الربيع/المدن/21 آب/2019
التناقض الواضح بين موقف رئيس الحكومة سعد الحريري المعلن في الولايات المتحدة الاميركية، والموقف الذي أطلقه رئيس الجمهورية ميشال عون في بيت الدين، يعكس استمرار التجاذبات والتنازع بين القوى السياسية المؤتلفة في لبنان تحت سقف التسوية الرئاسية. ما يريده كل طرف، هو تعزيز موقعه في علاقاته الدولية ضمن إطار الحفاظ على هذه التسوية. لذلك أطلق الحريري موقفه عندما سمع المواقف الأميركية، وخصوصًا بما يتعلق بترسيم الحدود، وتطبيق القرارات الدولية، فلاقى العديد من الاعتراضات اللبنانية.
عون الحانق
تركزت تلك الاعتراضات في هجمات مركزة على الحريري، ولها أسبابها، منها البسيطة أهدافها وخلفياتها كجزء من عاديات التجاذب السياسي في البلد، ومنها الجوهرية التي ترتبط بالصراع بين القوى، ومن منها ستناط بها مسؤولية العلاقة بالأميركيين والمجتمع الدولي.
عملياً، لاقى حديث الحريري عن القرار 1701، وترسيم الحدود، وطرح الأميركيين معه ملف الاستراتيجية الدفاعية، وما يرتبط بها سياسياً وعسكريا، ردّاً سريعاً من رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي اعتبر أن هناك تغييراً في مناطق النفوذ ومواقعه، وفي الظروف والمرتكزات التي كانت تدفعه إلى الدعوة إلى طاولة حوار تبحث في الاستراتيجية الدفاعية. الكلام هذا يعني أن عون نسف الاستراتيجية الدفاعية، أو أجّل البحث فيها، بعد مواقف عديدة له ولمسؤولين محسوبين عليه حول بحثها قريباً.
وعلى الرغم من صدور توضيح لاحق عن القصر الجمهوري حول ما قاله الرئيس بشأن الاستراتيجية الدفاعية، إذ اعتبر البيان التوضيحي أنه كان توصيفاً للواقع الذي استجد بعد عشر سنوات على طرح هذا الموضوع، خلال جلسات مؤتمر الحوار الوطني، لاسيما التطورات العسكرية التي شهدها الجوار اللبناني خلال الأعوام الماضية والتي تفرض مقاربة جديدة لموضوع الاستراتيجية الدفاعية، تأخذ في الاعتبار هذه التطورات، خصوصاً بعد دخول دول كبرى وتنظيمات إرهابية في الحروب التي شهدتها دول عدة مجاورة للبنان، ما أحدث تغييرات في الأهداف والاستراتيجيات لا بد من أخذها في الاعتبار.
إلا أن هذا التوضيح يشير إلى المسار السياسي الذي يراد له أن يُسلك في هذه المسألة، إذ أن الحديث عن شمول الاستراتيجية الدفاعية لمحاربة الارهاب، يعني اعطاء حزب الله دفعاً أقوى كونه الطرف الأساسي الذي حارب الإرهاب إلى جانب الجيش وبالتنسيق معه. وهنا ايضاً يوصل عون رسالة إلى المجتمع الدولي بوجوب التعاطي مع حزب الله كطرف محارب للإرهاب ومسهم في تثبيت الاستقرار.
على كل حال، كلام عون لا يهدف إلى الردّ على الحريري فقط، بل هدفه إبلاغ رسالة إلى الأميركيين، مفادها أن هذا الملف لا يُبحث مع رئيس الحكومة في لبنان، إنما مع رئيس الجمهورية أو من يمثّله، أي ذراعه القوية سياسياً وديبلوماسياً: الوزير جبران باسيل.
لا شك في أن ثمة حنقاً لبنانياً من الحفاوة الأميركية في استقبال الحريري، على عكس زيارة باسيل الأخيرة إلى واشنطن التي لم تحظ بأي اهتمام. وتتكامل رسائل عون السياسية، وصولاً إلى رده على ما يحكى عن عقوبات قد تفرض على حلفاء حزب الله.
البازار والعقوبات
لذا، لجأ عون إلى اللهجة المتشددة في ردّه على الأميركيين، مدركاً بالطبع أن لا قدرة للبنان على مواجهة واشنطن. لكن هدفه يبقى هو فتح بازار تفاوضه المباشر معها. إذ ليس هيناً أن يقول عون إنه لا يرضخ للضغوط الأميركية. وكلامه هذا لا يبدو منسجماً مع رئيس لبناني وماروني. لكن من يعرف طبيعة عون، يعلم أن هذا النوع من التصعيد، غايته تحقيق مردود سياسي. لذلك استخدم عون في هجومه، نقاطاً ثلاثاً:
الأولى، نسف الاستراتيجية الدفاعية.
والثانية، القول إنه لا يقبل استلام رسائل له عبر الحريري، بل عبر فتح خطوط التواصل المباشر معه.
والثالثة، أن على الجميع التعامل معه كرئيس لأكبر تكتل وتيار مسيحيين.
وهذا ما عناه بقوله إنه لن يضغط على باسيل، الذي يريد الرئيس استثمار الملفات كلها لفتح طريقه إلى العالم، خصوصاً أن باسيل عندما زار واشنطن كان يأمل عقد لقاءات مع المسؤولين هناك، وهذا ما لم يحدث. بل وهذا ما استدعى رداً من عون على الأميركيين، الذين تصرفوا بشكل مختلف مع الحريري.
في هذا السياق، يستعد باسيل للذهاب إلى الولايات المتحدة الأميركية مجدداً في شهر أيلول المقبل، للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويعمل أيضاً على تحضير مواعيد مع مسؤولين في العاصمة الأميركية، قبل توجهه إلى نيويورك.
تجنّب تفويض الحريري
تصعيد عون ليس سوى خطوة استباقية، في مواجهة التلويح الأميركي بإصدار عقوبات بحق شخصيات متحالفة مع حزب الله. ولدى صدور مثل هذا القانون لن يكون من السهل إلغاؤه. والتصعيد ليس سوى مساومة مع الأميركيين، هدفه تجنب العقوبات.
اللافت أيضاً أن الحريري قال من واشنطن إنه يريد تطبيق القرار 1701، أي الانتقال الى وقف إطلاق النار، وليس فقط وقف العمليات العسكرية. وهذا يندرج في خانة التكامل مع ترسيم الحدود، الذي لا يمكن أن يبدأ مع التنقيب عن النفط، من دون تثبيت وقف إطلاق النار.
هل يستند موقف الحريري إلى تفاهم مع حزب الله؟ ربما أزعج كثيرين دخول الحريري بقوة على هذا الملف، الذي لا يريدون أن يكونوا في منأى عن التقرير فيه. هنا يرتكز عون وفريقه على نقاط القوة في الداخل والخارج. وهي نقاط تسمح له بسحب الملف من يد الحريري. وذلك عبر التوازنات الداخلية والإقليمية أولاً، وثانياً عبر إمساكه بمصير الحكومة ومسارها، وثالثاً بموقعه الأقرب إلى حزب الله، الأقوى في فرض شروطه.
كانت الرسالة الأميركية، بمجمل فحواها: من يريد شيئاً من واشنطن فليبحثه مع الحريري. ولذا، انطوت مواقف عون الأخيرة على القول: نحن لها، أنا وباسيل، وليس الحريري. فنحن الأقرب من حزب الله لتحقيق ما يريده الأميركيون. وإضافة إلى ما يمتلكانه من أوراق ضغط على الحريري، فهما يراهنان أيضاً على امتلاك أوراق ضغط مبنية على الأمر الواقع، وعلى مسألة أساسية هي العناد والتحدي في سبيل تحقيق ما يريدانه. هذه التجربة نجحت معهما طوال السنوات الماضية. وعون وباسيل قادران على اتخاذ مواقف من شانها أن تتلاقى على المدى البعيد مع الأميركيين ومع الإيرانيين في الوقت نفسه.

تكتيكات” رئاسية للخروج من “مغطس” الاستراتيجيّة الدفاعيّة
ألان سركيس/نداء الوطن/21 آب/2019
لم يمرّ كلام رئيس الجمهورية العماد ميشال عون عن الإستراتيجيّة الدفاعية في بيت الدين خلال دردشته مع الإعلاميين مرور الكرام، إذ إنّه أحدث ردود فعل كثيرة لأن هذا الموضوع يُثير جدليّة كبيرة في الحياة السياسيّة اللبنانية.
يحاول رئيس الجمهورية وخلال تواجده في قصر بيت الدين ترتيب الأجواء السياسيّة، خصوصاً بعد ما مرّت به البلاد من أحداث في الجبل، وهو يواصل لقاءاته السياسيّة مع معظم الأطراف، والتقى بالأمس رئيس الحزب “الديموقراطي اللبناني” النائب طلال إرسلان وكان توافق على تعزيز المصالحة والعمل وفق مقتضيات الوفاق الوطني.
وينتظر عون عودة رئيس الحزب “التقدمي الإشتراكي” وليد جنبلاط من السفر السبت ليعقد لقاء معه، ويستكمل محادثاته مع الأطراف الفاعلة في الجبل.
وفي الأثناء، خرق حديث عون عن الإستراتيجيّة الدفاعيّة الأجواء السياسيّة، إذ إنه قوبل بموجة استغراب واستنكار من قِبل فريق قوى “14 آذار” الذي يرى أن تفلّت سلاح “حزب الله” ووجوده من دون ضوابط من أهم مشكلات لبنان، وهذا السلاح هو من شنّ “غزوة” 7 أيار 2008، ويُدخل لبنان في سياسة المحاور، ويورّط البلاد في الحرب السوريّة، ويقاتل بالإضافة إلى سوريا في اليمن والعراق وأينما تدعو حاجة إيران، ولذلك فإن قراره خاضع للسلطة الإيرانية وليس للسلطة اللبنانيّة، ولذلك لا بدّ من حصر السلاح بيد الجيش والأجهزة الشرعيّة.
لكن غداة دردشة عون مع الصحافيين في بيت الدين حول تغيّر “كل مقاييس الإستراتيجية الدفاعية”، أوضحت مصادر القصر الجمهري لـ”نداء الوطن” أن البعض يحاول تحوير كلام الرئيس عون والقول إنه لا يريد استراتيجيّة دفاعية، بينما هو جلّ ما قاله إن الأوضاع الأمنية قد تغيّرت، ليس في لبنان وحده بل في المنطقة، وما كان يصحّ قبل سنة 2010 لم يعد يصحّ بعدها.
وتضيف المصادر: “منذ العام 2010 والمنطقة تشهد تحوّلات كبرى، وهناك أنظمة عربيّة قد سقطت، وباتت هناك معطيات أمنية جديدة، واندلعت الحرب السوريّة العام 2011، من ثمّ اجتاح تنظيم “داعش” والمنظمات الإرهابية العراق ودولاً أخرى، ولا تزال النار السوريّة مشتعلة، ودخلت دول عدّة إلى المنطقة، فالروسي والإيراني والتركي والأميركي باتوا متواجدين في منطقتنا عسكرياً، والحدود بين الدول أزيلت في مرحلة من المراحل، لذلك يدعو رئيس الجمهوريّة لتغيير النظرة إلى طبيعة الإستراتيجيّة الدفاعيّة، ففي السابق كان العدو الإسرائيلي متربصاً بنا، أما الآن فهناك عدوّ إضافي وهو الإرهاب الذي لا يرحم أحداً”.
وترى المصادر أن “أولويات البحث قد تغيّرت، فالرئيس عون يعرف تركيبة المنطقة العسكريّة وما حلّ بها، كذلك، فإن هناك تبدّلاً للجغرافيا السياسيّة، وحديثاً عن تسويات جديدة لم تُعرف خطوطها بعد، ومن هذا المنطلق على لبنان أن يأخذ كل هذه الأمور في الإعتبار”.
وتُعتبر رحلة البحث عن الإستراتيجيّة الدفاعيّة مضنية للغاية، فهي بدأت منذ العام 2006 أثناء طاولة الحوار التي هندسها الرئيس نبيه برّي في مجلس النواب ولم تصل في تطبيقاتها إلى أي نتيجة تُذكر، من ثمّ استمرّت العام 2008 بعد انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهوريّة، وأيضاً لم يصل أطراف الحوار إلى أي نتيجة تُذكر، فبقي كل فريق متمسّكاً بموقفه ورأيه. وحتى الإتفاق على “إعلان بعبدا” والنأي بالنفس ذهب أدراج الرياح، حيث شارك “حزب الله” بعد ذلك الإتفاق في الحرب السوريّة، في حين كانت مشاركة بعض الجماعات السنيّة التي وقفت إلى جانب المعارضة السوريّة فرديّة وليست منظمة مثل مشاركة “حزب الله” في القتال إلى جانب النظام السوري وإيران.
ويسأل الجميع لماذا لا يُنظّم العماد عون طاولة حوار للبحث في هذا الملف الشائك ويبتّ به. وفي هذا الإطار، تؤكّد مصادر القصر أن عون لن يدعو إلى جلسة للبحث في هذا الملفّ في القريب العاجل، لأنّ هناك عدداً كبيراً من الملفات العالقة التي تستدعي المعالجة قبل التفرّغ لدرس الإستراتيجيّة الدفاعية.
وفي السياق، صدر مساء أمس بيان عن المكتب الإعلامي في رئاسة الجمهورية أوضح أن ما قاله الرئيس حول موضوع الاستراتيجية الدفاعية “كان توصيفاً للواقع الذي استجد بعد عشر سنوات على طرح هذا الموضوع”. وأكد أن “رئيس الجمهورية ملتزم المواقف التي سبق أن أعلنها من موضوع الاستراتيجية الدفاعية وضرورة البحث فيها في مناخ توافقي”. ودعا إلى “عدم تفسير مواقفه على نحو خاطئ أو متعمد يمكن أن يثير الالتباس”.
إلى ذلك، تعمل دوائر القصر بالإتفاق مع رئيس الحكومة على تكثيف الإجتماعات الوزارية، وستعقد جلسة غداً الخميس، تأمل الرئاسة منها أن تكون فاتحة خير لاجتماعات مكثّفة ومنتجة تُعيد البلاد إلى السكة الصحيحة، وتُنقذ الوضع الإقتصادي لينصرف بعدها الجميع إلى البت بالملفات العالقة… ومن ضمنها الاستراتيجيّة الدفاعيّة.