مهند الحاج علي: حزب الله يؤجل المواجهة

67

حزب الله“ يؤجل المواجهة
مهند الحاج علي/المدن/10 آب/2019

في قراءة أولى لمعركة قبرشمون منذ نهاية شهر حزيران (يونيو) الماضي وحتى اللحظة، لا يبدو ”حزب الله“ إطلاقاً في موقع المواجهة بالداخل اللبناني، بل هو في مرحلة دفاعية بحتة، تهدف إلى الحفاظ على المكتسبات، والتموضع وراء الحلفاء.
حتى رده على بيان السفارة الأميركية في بيروت، كان أشبه بمعلّق سياسي يُعاتب خصمه: ”بقدر ما يستنكر هذه السياسة الأميركية الوقحة في شأن يخص اللبنانيين وحدهم، يرى في هذا البيان إدانة صريحة لكل أدعياء الحرية والسيادة والاستقلال الذين صمتت أفواههم وانكسرت أقلامهم“.

وكأن “حزب الله“ إلتبس عليه الموقف، واستحال صحافياً ممانعاً شُغله الشاغل فضح أصحاب الأقلام ”السيادية“، بدلاً من مواجهة تدخل أميركي مباشر بالسياسة الداخلية اللبنانية. طبعاً، لا تفوتنا ملاحظة ازدواجية في المعايير.

إذا أبدت واشنطن قلقها من استغلال ملف قضائي لئلا يتحول الى فتنة طائفية، فهذا تدخل سافر، لكن لو أعلن قائد بالحرس الثوري سيطرة ايران على عواصم عربية بينها بيروت، فهذا حرص على لبنان وعلى سيادته! في الحالتين، التدخل غير مقبول، ومرفوض، لكن يندر أن نجد في الساحة السياسية من يتحدث بلسان واحد حيال التدخلات الخارجية بكل أصنافها.

إلا أن للبيان الأميركي وجهاً آخر له علاقة بالمواجهة الاقليمية الدائرة حالياً على الساحة اللبنانية. قررت الولايات المتحدة الدخول على الخط في لحظة مناسبة، ذلك إن تأجيج الصراع الداخلي بأي شكل من الأشكال، مفيد لتضييق الخناق على ”حزب الله“، في ظل أزمته المالية المتواصلة. لكن التركيز الأميركي على التنظيم، أمر عجيب. باتت الولايات المتحدة، أقوى اقتصادات العالم وأكثر جيوشه تقدماً وتسليحاً وقدرة، تضع إنهاء ”حزب الله“، سياسياً وعسكرياً وأمنياً، نُصُب عينيها، ومن ضمن أولوياتها في المنطقة (وربما العالم بالقياس).

يكاد لا يمر أسبوع اليوم دون إعلان أميركي عن التنظيم.

بعد يوم فقط من البيان الأميركي الذي فيه تحذير مبطن لـ”حزب الله“ وحلفائه، صدر الحكم على رجل الأعمال اللبناني قاسم تاج الدين بالسجن 5 سنوات وبدفع غرامة قدرها 50 مليون دولار، غداة اعترافه بتهمة الالتفاف على عقوبات تمنعه من التعامل مع شركات أميركية.

بحسب مساعد المدعي العام بريان بنزكوفسكي، فإن الحكم والغرامة يندرجان ضمن “جهود وزارة العدل الأميركية من أجل تعطيل وتفكيك حزب الله والشبكات الداعمة له“. بالتأكيد تعاون تاج الدين مع المحققين الأميركيين من أجل الحصول على حكم مخفف، والأرجح أنه لن يعود الى لبنان بعد نهاية حكمه.

الواقع أننا أمام حرب أميركية بلا هوادة، وبخاصة لو أضفنا إلى حكم تاج الدين، الاعلانات المتتالية عن مكافآت لمن يُقدم معلومات عن قادة في ”حزب الله“، ما حوّل السفارة الأميركية في عوكر إلى مقصد للمخبرين من بيئة التنظيم.

رغم ذلك، لدى الحزب أولويات أخرى للمواجهة.

أولها، إن معركة جنوب سوريا باتت مفتوحة مجدداً، وقد تأخذ الكثير من اهتمام الحزب وموارده.

ثانيها، هناك مواقع اشتباك مشتعلة من بحر الخليج الى اليمن والعراق، لا بد أن يكون للحزب ولو دور ما فيها، سيما لو أخذنا في الاعتبار التقارير السابقة عن تدخله المحدود في هذه الجبهات.

وفي ظل الأزمة المالية المتواصلة، من الضروري للتنظيم تحديد مواضع تركز اهتمامه. قبرشمون، والخلاف الدرزي-الدرزي، ليست منها.

هذه المعركة، حتى لو كان عنوانها تحجيم الوزير السابق وليد جنبلاط، تزداد تعقيداً لاصطفاف رئيس مجلس النواب نبيه بري الى جانب حليفه التاريخي.

المشكلة هنا ليس في أن حزب الله يريد تحييد لبنان عن هذه المعارك الخارجية، بل لأن الوقت ليس مناسباً لخوضها.

وبالتالي، بإمكاننا الحسم بأن هذه المواجهة أُرجئت، وربما لتجنبها، قد نشهد انعطافة جديدة في السياسة لمن لا ينفك يُصيبنا بالدوخة نتيجة تبدل مواقفه السياسية.