الأب ميشال الحايك: الموارنة من اجل الحرية والأرض يموتون واقفين

41

الموارنة من اجل الحرية والأرض يموتون واقفين
بقلم الأب ميشال الحايك
نقلاً عن موقع رابطة قدامى الإكليريكية البطريركية المارونية

من أجل الحرية وحتى لا يبقى الشرق نائماً يموتون واقفين! تغيرت الظروف السياسية والوطنية والإقتصادية بين مطلع الثمانينات، عندما ألقى المونسنيور ميشال حايك هذه المحاضرة واليوم. غير أن التحدّيات والمخاطر التي تهدد المارونية لا تزال هي نفسها ويأتي على رأسها خطر انحلالها من الداخل وفقدانها لمكوّناتها وضياع مبررات وجودها. لا تخلو ترجمة هذا النص من الفرنسية الى العربية من مخاطرة خيانة أفكار المؤلف نظراً الى عمق تفكيره وافتقار اللغة العربية لبعض المصطلحات المستعملة.

قال الأب ميشال حايك:
” من البديهي أن كلمة أرض في العنوان تعني لبنان ولكن بدل “الكنيسة المارونية” أفضّل استعمال “المارونية” حتى لا أستبعد أي وجه من وجوه الحياة والفكر عند الموارنة، هذه الوجوه متعددة ومتنوعة وسأتطرق الى أكثرها تأثيراً على تشكيل صورة “المارونية” في خلال القرون الخمسة عشر من تاريخها.

في البدايات ظهرت “المارونية” كطريق قداسة اختّطها المتوحد مارون وتبعها مجموعة من تلاميذه.

في القرن الخامس، في زمن الإشكالات حول طبيعة المسيح، فرضت نفسها كمدرسة لاهوتية سيطرت على مجمع خلقيدونية وعلى مجمل سوريا الثانية (حسب تقسيم الولايات الرومانية).

في مستهل القرن الثامن ومع تشكيل بطريركية تحولت الى مؤسسة كنسية مستقلة، خلال القرون الوسطى، كانت “المارونية” مسيحية بالمعنى الوسيط (Medievale).

بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، في زمن الامارة، كانت تجربة خصبة للدولة العصرية.

في زمن المتصرفية (1864-1914) كانت نظرية وحركة سياسية سورية-عربية،

أما في ظل الإنتداب الفرنسي والإستقلال فبدت متماهية مع القومية اللبنانية.

لا يمكن اذن حصر “المارونية” بكنيسة: ولا تبدو أيضاً محصورة بأرض لأنه بالبعد الكوني (universalisme) لايمانها الكاثوليكي وبانتشارها الجغرافي في القارات كلها، وبتنّوع تعبيراتها الثقافية، تتخطى حدود أي إقليم قومي، المارونية بكل أوجهها تحمل في جوهرها معنى كونياً. غير أن هذه الثروات كانت لتتبدد من دون شك والشخصية المارونية كانت لتتفكك لولا بقاء نقطة ارتكاز في مكان ما يؤمن الوحدة ويحافظ على الإلتحام. هذا المركز هو لبنان.

يمكن القول أن انتقال الكرسي البطريركي الى يانوح، في أعالي الجبال المحيطة بجبيل العام 939 م كان بمثابة زواج غير قابل للإنحلال لعلاقة الحبّ التي تربط الماروني والأرض اللبنانية. من هذا الزواج ولد شعب وبلد. لأنه من غير الماروني لكانت الأرض عاقراً وخاوية ولأنه من غير الأرض، كان الماروني تائهاً من باب الى باب حتى فقدان مكان يقف عليه.

لن أحدثكم عن الشغف الكبير الذي يربط الماروني بالأرض، وفي هذا المجال أكتفي بالقول أنه منذ الف عام شعلة الحب مّتقدة دائماًَ، ان عمليات الأبعاد الجسدية التي فرضها العنف لم تنجح الا في زيادة الحنين وبتقوية الوفاء.

أولاً: التشابه اذا كان التناغم بينهما كاملاً فلأن التشابه بينهما كاملاً، سأكلمكم في شكل خاص على التشابه الخفي بين التاريخ القديم لهذه الأرض والتاريخ الحديث لهذا الشعب، بين جغرافية الأرض وشخصية الماروني: المصيران كانا مقدّرين للتلاقي والإتحاد التام.

أ‌- مشروع الكونية Projet d’universalismeما يمّيز تاريخ هذه الأرض، منذ البدايات هو الكونية، هنا، على هذا الشاطىء القارات الثلاث تلاقت: افريقيا الملتهبة، آسيا الغامضة وأوروبا المصّنعة.

هنا، أكثر من أي مكان آخر، الأعراق تلاقت في مهرجان، بقي منه المجموعات التي تعيش فيه، كمعالم أثرية حيّة. هنا، على هذه الأرض، تمت عبادة أكبر عدد من الألهة، آلهة اليونان وروما التي أضيفت الى أكثر من خمسة آلاف شخصية الهية اخترعتها الشعوب السامية.

ولهذا ليس مستغرباً وبنتيجة حاجة ملحة، أن يكون اللبنانيون الأوائل اخترعوا الأبجدية، أولى أدوات السلام لتأمين التواصل بين المجموعات المتنوعة.

حمل دعوة لبنان الكونية، كان قدر الموارنة.

وهكذا حاولوا منذ البداية، أن يكونوا أوفياء من الزاوية العقائدية والإجتماعية: الوفاء لسوريا التي شكلوا جزءا منها، الوفاء لبيزنطية التي طبعتهم بثقافتها والوفاء لروما التي يعتبرونها المرجعية العليا للإيمان.

على رغم كل التضحيات، لم ينجحوا في عملية المصالحة الإنسانية والمسيحية، ولكنهم على الأقل حاولوا عند قدومهم الى لبنان أن يصالحوا الأرض مع ماضيها بكامله الذي ينتمون اليه بشكل كامل. كما بحثوا عن شركاء وإقامة عهود مع المجموعات كلها، مسيحية كانت أم غير مسيحية بشرط أن تكون مستعدة لتقبل التعددية.

لبنان المعاصر ولد من العهود التي تعيد الى الأرض اللبنانية وجهها الأزلي، غير أنهم بدأوا يخسرون رهانهم الأخير، فبعدما خسروا رهاناتهم القديمة على بيزنطية، الفرنسيين والعثمانيين والغربيين والعرب يبقى لهم على الأقل عزاء بأنهم كانوا دائماً أوفياء لأنفسهم وللأرض.

الا أن فشلهم على مستوى التعددية السياسية عوّضوا عنه بالنجاح على المستوى الثقافي. نجاحهم الأفضل هو في هذا المجال وفي كل زمن.

مار مارون نفسه كان يتكلم لغتين وفي أي حال رهبان بيت مارون كانوا يتقنون لغتين: كانوا يحتفلون بالليتورجيا باللغة السريانية، لغة ابن الله المتأنس، وكانوا يوقعون الرسائل الرسمية الى البابا أو الى الامبراطور باليونانية(…) والالمام بحقول علمية متنوعة الذي لا نعرف عنه الا بعض الومضات في القرون الوسطى، بدأ يصبح أكثر وضوحاً مع انشاء المدرسة المارونية في روما العام 1584 ومدرسة عين ورقة العام 1789.

العلماء المتخرجون من هذين الصرحين قاموا بعملية نقل ثقافة هائلة لا نظير لها بالإمكانات المتواضعة التي كانت متوافرة، هؤلاء هم الذين كانوا أول من أطلع الغرب على ثروات الشرق وكانوا طلائع النهضة في الشرق.

هكذا نجح الموارنة، قرناً بعد قرن، في بناء الجسور بين الشرق والغرب وفي الحفاظ على التبادل الإنساني على الرغم من المخاوف والصعوبات.

لم يبقوا غريبين عن أي من الثقافات الكبرى لا اليونانية أو السريانية أو اللاتينية أو العربية أو الإيطالية أو الإنكليزية أو الإسبانية أو البرتغالية.

مؤتمرنا هو تظهير لنوع من هذه العنصرة، موهبة اللغات هي من مواهب الروح القدس، والإمتياز الذي أعطاه الخالق للأرض اللبنانية هو أنه وضعها في نقطة التقاء الحضارات والقارات. ومنذ ذلك، كل من يرفض احدى هذه الثقافات التي من أجلها اخترعت جبيل الأبجدية، يبدو وكأنه ساقط من هويته اللبنانية.

من هذا المنظار الكوني، عبارتا ماروني ولبناني يمكن أن تحل كل واحدة مكان الثانية.

ب-التماثل بين الجغرافيا والإنسان Conformat geohumainان الأبحاث المعاصرة في مجال علم النفس توضح المكونات البسيكولوجية للشعوب انطلاقاً من المعطيات الطوبوغرافية.

الأرض المسطحة غالباً ما يقابلها نفسية مسطحة ووعي واضح وأفكار سهلة ومتجانسة. أما الأرض المكونة من وديان ومغاور فيقابلها في شخصية الإنسان، لاوعي وبقايا الأنا التي تتشكل من وجود مستتر، في حين أن الجبل يقابله في علم النفس الكائن المثالي (le surmoi) الذي يريد أن يتماثل معه كل انسان، ويحلم أن يحققه.

طوبوغرافياً، لبنان مكون من جبال ووديان، هي جبال معكوسة. وهكذا انه يمثل العمق والقمة جغرافياً وروحياً أيضاً بالنسبة الى المشرق.

في كل الازمنة مارس جاذبية قوية على البلدان المحيطة به التي وجدت فيها أوهامها المخيفة وأحلامها المتبلورة. ففي مغاوره الحيّة سرقت نبتة الحياة (إشارة الى أسطورة جلجامش) ومن على قمم حرمون وصنين يستعد الحبيب في نشيد الأناشيد للظهور الى هنا تأتي لتختبىء وتعيش تفتّحها بسكينة، الأرواح العميقة الكبيرة التي تمثل المجموعات الثقافية والدينية الحاملة شتى أنواع القلق والتوق الى المطلق في هذا المشرق الذي يكمّ ويخنق ويكبت.

من بين كل هذه المجموعات، العنصر الأكثر تمرداً هو الماروني القاطن منذ القدم الجبال والوديان الذي لم يخضع لاملاءات الأمبراطوريات وان كان دائماً خائفاً منها. انه يختزن أوهام الباطن وأحلام الكائن المثالي من هنا هذا الإختلاط لديه بين الحماسة والإحباط، بين الحرمان والاسراف.

ويمكن ملاحظة بصماتها على تاريخه، وعلى مجمل انجازاته السياسية الاجتماعية، الجمالية ومن خلال بعض رموزه مثل جبران وشربل:

الأول مطبوع من النظرة العميقة لقاديشا ويتوق الى الذوبان في الحلولية الكونية، والآخر، شربل، يتابع على القمم مسيرته نحو اللانهاية.

فيهما ترتسم صورة الطبيعة التي انجبتهما ومنها انتجوا كل الحب الجنوني والعنف والإفراط. هذا الأفراط نفسه الذي دفع مار مارون الى التعرض وحيداً على هضبة من هضاب قوروش (تركيا اليوم) الى مزاج الطبيعة هو ما دفع شربل الى الصومعة على قمة عنايا وهو ما دفع الشبان الى تعريض أنفسهم للقتل على الحواجز على هضبة الأشرفية وهو ما دفع المهاجر الى المغامرة في أصقاع العالم.

طبعاً الأسلوب والظروف يختلفان غير أنه، في كل الأحوال الرجل نفسه الذي يذهب الى نهاية حدود ذاته. الشعب الماروني لا يعرف نفسه الا من خلال هذا الإفراط، انه لا يجد مقياسه الحقيقي الا في الأوضاع الأكثر حدّة، الا في الذروة. اذ ان أبناء الجبل ورثوا من الجبل قسوته وحدّته(…)

ج- القاعدة والإستثناء:
هناك تشابه أخير بين الماروني والأرض فهما يشكلان استثناء للقاعدة، ولكن استثناء يكسرها. فالقاعدة نظام يتكرر. (…) في حين أن الإستثناء هو مجال الإبداع، والمخيلة والثورة والتجديد والحرية.

في شرق ذا سطح جغرافي رتيب، أحادي الهوية، وثقافة دينية موحدة وسياسية الرأس الواحد، ليشكل لبنان إستثناء على مختلف الصعد:

طوبوغرافياً، إنه البلد الوحيد الذي لا تصل اليه الصحراء والكثبان الرملية، ثقافياً ودينياً وسياسياً هو متنوع.

باختصار، إنه متعدد في كل النواحي وهذه استثنائية.

الموارنة الذين إختاروه كوطن يشكلون مثله ومنذ البدايات، إستثناء.

عقائدياً، لقد كان الماروني الكاثوليكي الوحيد مدة قرون (…) سياسياً، إنه الوحيد الذي طالب بوطن في حين أن المحيطين به طالبوا دوماً بأمبراطورية بيزنطية، أموية، عباسية، أو عثمانية. ثقافياً، يتابع بحثه الدائم عن الحرية الشخصية ضد كل ما هو مطلق(…) هذا المفهوم المزدوج للوطن والحرية أدخله الماروني الى الشرق الذي لم يعرف في خلال خمسة آلاف عام الا تعاقب الطغيان والفوضى. بكونهم عاشوا على ضفاف العاصي، النهر الوحيد الذي تجري مياهه نحو الشمال، ذهب الموارنة باتجاه معاكس للشرق باتباعهم مجرى العاصي منبع التمرد.

بمجرد انشاء بطريركية مستقلة، اقترف الموارنة تمرداً بجرأة غير معقولة، ليس فقط لأنهم اتخذوا بطريركاً من دون اللجوء الى اذن الامبراطور البيزنطي أو الخليفة الأموي بل لأنهم رفضوا طلب فرمان تعيين من أي كان.

وهذا الرفض تمسكوا به منذ خلافة الأمويين وحتى السلطنة العثمانية. هذا التصرف المخالف للقوانين الذي تجدد في خلال 12 قرناً يحدد كفاية طبعهم ومشروعهم وقدرهم.

هذا القدر، كقدر الأرض، كان نزاعاً “أبدياً” للحصول، أو في بعض الأوقات للحفاظ، أو لفرض أو الزام الآخرين الإقتناع بالحق في الإختلاف، طبعاً، الماروني كان مضطراً، أو قبل أن يكون مضطراً، كلبنان، لأن يطلق عليه اسم آخر غير اسمه. وهكذا قال أو قيل عنه أنه بيزنطي أو فرنسي أو تركي أو سوري أو عربي الخ…

ولكن النعوت التي الصقت باسمه، بارادته أو بالقوة لا يمكنها ان تحدد شخصيته الفريدة وغير القابلة للإنتقاص. لم يستطع الماروني أن يتعرف الى نفسه تماماً الا من خلال نعت لبناني الذي أصبح مساوياً لاسمه. أصبح يدعى “لبناني” في حين أن أطفاله سيحملون طويلاً، ليس إسم العائلة، بل إسم الأرض والقرية التي أتى منها: بشراني، إهدني، عاقوري، حصروني، الخ… كما لو كانت الأرض هي شجرة العائلة بالنسبة للموارنة. وبذلك يختلفون بشكل كامل عن الشعوب المحيطة بهم التي ترى الأرض كمرعى لمواشيها وهي اما يملكها الأمبراطور واما الخليفة.الموارنة منذ البداية أقاموا علاقات حميمة وقوية مع الأرض، وجلولها ومسالكها وجدرانها. الأرض اختلطت بدمائهم وعرق جبينهم تماماً كما أن مياه قاديشا تشكلت من دموع التائبين ودماء الشهداء (…)

في خلال قرون، تعلّق الماروني بأرضه فعمل وزرع وبنى كما تذكر الليتورجيا: فكل عمله كان له طعم اسراري ونكهة ليتورجية: الكرمة والقمح لخبز وخمر الإفخارستيا، شجرة الزيتون لصنع الزيوت المقدسة وشجرة التوت لنسج مناديل المذبح وأثواب العرس.

كل شيء لديه كان علامة بالعالم الآخر. منذ ألف عامأ أرض لبنان كانت المحور الذي يدور حوله قدر الموارنة مع أن الكثيرين منهم لم يبصروا النور فيه ولم يعيشوا فيه (…) ومع ذلك، أينما وجد الماروني بقي موجهاً نحو المركز من خلال الغريزة المزدوجة التي يتحدث عنها علم النفس المعاصر غريزة الموت (libido de la mort) التي يعيده في الواقع ام في الحلم الى حيث ابصر النور كي يموت ويمزج رفاته بالتراب الذي منه شكل وغريزة الحياة التي تدفعه للعودة الى أهله الى أحشاء الأم لكي يستمد الحياة من ينبوعها (…).

ان نهاية الموارنة ستكون بداية نهاية المسيحية المشرقية، ونهاية المسيحية المشرقية تعني الحكم بالموت على كل الاتنيات والمجموعات الثقافية التي تشكل الفرص الفضلى للشرق لكي يستطيع الخروج من القرون الوسطى الجديدة التي يمكن أن يسقط فيها.

باختصار ان مشروع الإنهاء الجسدي للموارنة أو حتى الإنهاء السياسي والفكري يشكل اعتداء على كل الشرق وبالتحديد على العروبة الإسلامية.

السوء الذي يضربهم حالياً يدور كطائر أسود في سماء الشرق ويبحث عن فرائس جديدة.

المأساة اللبنانية في السبعينات تبدو وكأنها اعادة عامة للكارثة التي ستضرب المنطقة في الثمانينات.

في خلال القرون الثلاثة المنصرمة، اختبر الموارنة في لبنان من أجل كل الشرق كل أشكال الحياة، اليوم يختبرون الموت لكي يظهروا للجميع طريقة الموت التي سيموتونها.

د- الاسطورة والتاريخ بعد قرون من النضال والتضحيات هل سنشهد في النهاية ساعة موت المارونية؟

لكي اجيب على هذا السؤال الخطير، سأستعين باسطورة اعيد تشكيل عناصرها غير المتجانسة:

بالقرب من بلدة اهمج، قضاء جبيل، هناك نتوء اسمه قرن حفرون ونفرون كانا انصاف آلهة توأمين ولدا على هذه القمة الضيقة والجرداء. حفرون، كما يشير اسمه، هو الذي يحفر الصخر ويعمل من دون نتيجة ووجد يوما ميتا من الجوع والبرد والفقر على صخرته.

اخوه نفرون، كما يشير اسمه، هاجر الى بعيد، نفر، لكي يبحث عن الثروة في مكان آخر، اخذه البحر الى المجهول وضاع طريق العودة امامه.

كل تاريخ الموارنة في علاقتهم مع ارضهم موجود في هذه الاسطورة. على ارض الآلهة يوجد حفرون، الموارنة المتعلقين بجبالهم التي يحفرونها ويزرعونها متحدّين تقلّب الطبيعة وعدائية البشر. وهناك ايضاً نفرون، الموارنة المهاجرون الذين يغامرون وراء البحار.

كل مسألة المارونية تقوم على ابطال الاسطورة بالتاريخ، على تكذيبها بالواقع، وعلى كسر القدر حتى لا يموت حفرون، الموارنة في لبنان من الفقر في جبالهم ولكي لا يفقد نفرون، الموارنة في المهجر ذاكرة الارض في مجاهل العالم. حتى الآن مقاومة حفرون واسترجاع نفرون لذاكرته نجحا في تجنّب الاخطار.

ولكن ابعد من الميتولوجيا هناك الايمان. هنا الماروني لا يتماثل مع طائر الفينيق ولا مع ادونيس بل مع المسيح الذي بيع وسلّم وصلب ونزل الى الجحيم من حيث يصعد دائماً الى سماء الشرق كشهود للمسيح في هذا الشرق الذي شاهد آلامه، الموارنة يحملون في جسدهم علامات موت المسيح التي هي ايضاً علامات قيامته.

سيتابعون مسيرة درب الصليب حتى يموت الشرق عن نفسه، عن مغالطاته التاريخية، عن اوهامه عن قدريته وعن عدم تساهم وحتى تقوم من بين الاموات سحنة رجل جديد على ارض جديدة. لفشل ونجاح الموارنة اذن معنى ابعد من اطار جماعتهم وحدودها الجغرافية. من خلال قدرهم، سيتحطم او يتحقق قدر الانسان في هذا الشرق. اما يكون الشرق حرا او لا يكون.

من خلال الحرية جسدوا القضية وحملوا مشعلها منذ اكثر من الف عام في حين ان الشعوب المحيطة بهم انحنت.

من اجل الحرية، امس واليوم، فضّلوا ان يموتوا واقفين حتى لا يبقى الشرق نائماً عند اقدام الاباطرة والخلفاء الذين يا للاسف لا ينتهون.

ه – مساحة الحرية على رغم كون لبنان نقطة الارتكاز او نقطة البيكار للانتشار الماروني فان ذلك لا يعني ان المارونية تنحصر بين النهر الكبير ورأس الناقورة، وطبعاً بين نهر الموت وجسر المدفون.نحن الموارنة المهاجرون الآتون ( الى المؤتمر الماروني) من كل بلدان العالم، نشهد ان مساحة الموارنة هي ارض البشر. وهذا ينسحب ايضا على المستوى الروحي: القديسون الذين انجبهم الموارنة هم رسل الى العالم، من مارون الى شربل ، هناك تأكيد على اولوية بطولة الروح.

وكذلك ينسحب على المستوى الثقافي فالمفكرون تيوفيليوس من الرها الى السمعاني، الى الحاقلاني الى جبران هم منارات اتقدّت في بغداد وروما وباريس وبوسطن واناروا طرق تلاقي الحضارات والثقافات.

وسياسياً لم يرغب الموارنة الانغلاق في بيت قومي خاص بل ان ورثاء انطاكية وسائر المشرق مدوا يدهم دوما الى البيزنطيين والعرب والفرنسيين وفي وقت لاحق الى الطوائف غير المسيحية، الدروز والشيعة والسنة لبناء مساحة البطريركية الاصلية اما في شكل سوريا الكبرى او الهلال الخصيب او للبعض ايضاً على امتداد يضم شبه الجزيرة العربية.لتحقيق مشاريعهم الطموحة، احيوا اللغة وجدّدوا المجتمع واعملوا ادوات الحداثة.

فاستنبطوا نظريات القومية العربية والوطن العربي وهكذا اخترعوا، من اجل خدمة الايديولوجيا العربية، الاسلحة التي يقاتلون بها الآن.

لقد فشلوا في تحقيق مشروع الشرق الحر، والمتعدد والعلماني والمؤمن، ولكنهم على الاقل تمكنوا من ان ينشئوا في لبنان مختصرا عن الشرق.

في الواقع لبنان استقبل ويستقبل كل اتنيات الشرق: اللاجئون من المجازر، الارمن، اليونانيون، الاشوريون،السريان الاكراد والفلسطينيون وجميع هؤلاء يتمكنون من تأكيد شخصيتهم ويمارسون حريتهم فيه.

لان لبنان تمّكن ان يكون رمز الكونية، بدا للماروني بأنه بالقدر الذي يصبح لبنانياً بالقدر الذي يحقق ما يربط قدره وقدر ارضه بالكونية.

غير ان لبنان- الرمز اليوم ممزق كدولة وكأرض وها ان الموارنة يجدون انفسهم مدفوعين الى قساوتهم الاصلية، وحيدين متروكين من الدول العظمى كما في زمن هجرتهم الى ارضهم الموعودة.

ما افادهم ان يكونوا قريبين من الغرب او عربا او حتى لبنانيين؟

يجدون أنفسهم اليوم غائصين في عصورهم الاولى الى هويتهم الاصلية” موارنة بس” على بطاقة هويتهم، ليس هناك الا اسمهم متحرر من كل الاضافات والالقاب المبهمة والوهمية.

انهم يشعرون بانهم اقل ثقلا وقدرة على تسلق لبنان الى اعلى قممه حيث يمكنهم تنشق الهواء النقي. سيكتشفون”فلسفة العراء” التي استنبطها مار مارون كما يقول كاتب سيرته تيودوريتس القورشي، سيكتشفون وطنهم الحقيقي الذي هو قبل كل شيء مساحة روحية.

قديسوهم وشهداؤهم يدعونهم الى هناك ويذكرونهم بقول الانجيل “الذين يرثون الارض هم المدعوون الى ملكوت الله”، الارض هنا رمز لملكوت الله الذي يشكل الايمان الباب له.

عندما يتعرضون للقتل من اجل ارضهم، الموارنة لا يدافعون في النهاية عن ارث مادي بل ما يمثله هذا الارث وما يرمز اليه.

من دون الرموزية الارض المادية قشرة زائلة.

الموارنة عرفوا دائماً ان لبنان جميل بشكل خاص من جراء حقائقه الروحية وافراغه من هذه القيم ليس الا صخرة ناكرة للجميل..

“المارونية” مشروع حرية يشكل لبنان رمزا له، على مدخل القارات الثلاث التي شكلت العالم القديم كما ان تمثال الحرية يشكل رمزاً للحرية على مدخل العالم الجديد.

في السابق، كان يأتي من الغرب من يساعد على اعادة نصب التمثال، اليوم تقع على عاتق الموارنة المهاجرين مسؤولية، الحلول مكان العالم الحر المتداعي في عملية اعادة لبنان كرمز للحرية الى موقعه على مفترق طرق الامم.

قد يقال بعد كل شيء اننا نتكلم عن شعب صغير عدد سكانه اقل من عدد سكان حي في نيويورك، وارضه اصغر من اراضي بعض المزارعين في تكساس. هذا صحيح من زاوية الكمّ والعدد والمساحة اما من زاوية القيم ليس صغيرا البلد الذي اعطى الابجدية الاولى على الارض وليس صغيراً الشعب الذي ارسل القديس الاخير الى السماء.

الأب ميشال حايك.