شارل الياس شرتوني: مشروع ليلى، قراءة تفكيكية للدلالات

94

مشروع ليلى، قراءة تفكيكية للدلالات
شارل الياس شرتوني/29 تموز/2019

ليس أسوأ من حديثي النعمة بالمال، الا حديثي النعمة بالمعرفة.”
فؤاد شهاب نقلا عما قاله لي فؤاد افرام البستاني

ان المغالاة والتشنجات التي رافقت هذه الاشكالية لا تتطابق مع واقع الامر، وتحيلنا الى واقع سياسي مأزوم على كل الأصعدة يودينا الى الحقائق السياسية التي تحتجب وراءها وللتوريات الملازمة لكل هذا التوتر.

عند مراجعتي لكل التفسيرات والتفسيرات المضادة ، تبين لي ان هذا الحادث متضمن لمدلولات متباينة الى حد بتنا نسأل معه ذواتنا، ما الذي يربط كل هذه الإشكاليات بالحفلة الموسيقية؟ يوحي منسوب الانفعالات عند كل الفرقاء ان البلد لا يزال مركوناً في خراجات نزاعية متقيحة ومفتوحة على كل الاشتراكات، وهنا مكمن هذا التصلب القائم ومصدر الترهات المتوافدة من كل حدب وصوب، ومدخل الاستثمارات السياسية، ونقطة ارتكاز الهويات المستنفرة. علينا استعادة هذه المحاور النزاعية من اجل فهم طبيعة هذه التداخلات وسبل تفكيكها وحل الأشكال القائم:

أ- ردات الفعل في الاوساط المسيحية تحيلنا الى حالة التهميش المديدة التي عاشها المسيحيون منذ بداية التسعينات، لجهة إسقاطهم من المعادلات السياسية، والتصرف بتمثيلهم واستتباعهم من خلال اصطناع نخب تمثيلية بديلة، واستثنائهم من سياسات اعادة إعمار البلد، ونهب ثروات وفرص اعادة الإعمار من قبل الاوليغارشيات السياسية والمالية في الاوساط السنية والشيعية والدرزية وبالتكافل مع النظام السوري، والاستفادة من تبدل موازين القوى التي أمنها هذا الأخير من اجل الخوض في عملية استملاك عقارية بدلت الجغرافيا البشرية لمناطق عديدة
( بيروت الغربية، ضواحي بيروت الجنوبية، الشوف الساحلي والأوسط، شرق صيدا  البقاع الأوسط، طرابلس، بعض مناطق الضنية والكورة وعكار … ) ، واستثمار سياسة عودة المهجرين من اجل تثبيت التبعيات السياسية، وربط تصريفها بولاءات مسخرة ( وليد جنبلاط، رفيق الحريري ، نبيه بري )، وعدم ادراج سياسات العودة ضمن أية خطة انمائية تؤمن اعادة بناء منهجية لشروط الحياة في مناطق العودة.

ب-لا تفهم ردة الفعل على هذه الحفلة الموسيقية لفرقة روك نهيلية تبني اداءاها على وقع تفكيك المباني المعنوية واعادة صياغتها على قاعدة ذاتية منقطعة عن أي واقع موضوعي خارج وهاماتها* عن ومن خلال حالة النشوة التي يحيل اليها هذا الاسلوب الموسيقي*. هذا ما يفسر التعاطي مع الأيقونات المسيحية ( مريم والدة الله Theotokos،المسيح كلمة الله المتجسد Logos ) على انها دلالات هائمة ( signifiant flottant ) تستعمل كاسقاطات أيقونية لرغبات جنسية تمحض صفة إطلاقية ومشروعية ( صورة المسيح كرمز للذكورية المثلية، Leather Gay Scene ،او تصويره كابن لمادونا رمز الشبق الجنسي*). من المتوقع ان تثير هذه الإسقاطات المهلوسة ( delirium tremens )
ردود فعل حادة في الوسط المسيحي وبمعزل عن المفكرات السياسية، فكيف بالحري اذا ما ادغمت بواقع الاستباحة المتنوعة المصادر التي يعيشها المسيحيون على غير مستوى، فتمسي استلابا يطال الهوية العميقة المرتبطة بالنماذج المسيحية الناظمة ودلالاتها Archetypes, CG Jung, Tiefenpsychologie-Depth) psychology).

ان تجاهل هذه الاعتبارات من زاوية حل النزاعات هو خطأ منهجي يحيلنا الى اعتبارات مرضية وسياسية تفسر هذا الحقد الأعمى على المسيحيين تعود الى عقد اليسار الفاشي، الذي لا يزال يجتر أحقاده المترسبة وسقوط رواياته الناظمة ويسقطها على المسيحيين ككبش محرقة، وبعض الوهامات الليبرالية المزيفة ( التي تعكس عقد انتمائية متنوعة عند أصحابها ) التي تتوسل هذا الاشكال المحدود من اجل الاسترسال في ادانة الارث المسيحي اللبناني بكل مكوناته، وحتى المسيحية كرؤية لاهوتية وانتروبولوجية، وهم على جهل مطبق بالاثنين، واخرون يعبرون بنزاهة عن الحق في حرية المعتقد والتصرف دون الدخول في التفاصيل .

هذا مع العلم ان الحيوية الثقافية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية قائمة ورائدة عند المسيحيين بالرغم من الضغوطات الحياتية وسياسات التضييق، والاستباحة، وعوامل التهافت الداخلية في الوسط الاجتماعي المسيحي والكنسي. كل هولاء يتناسون ال ٥٤ سنة من النزاعات المفتوحة ومليون مهاجر، ومترتبات الحرب المدمرة ، واستباحة حقوق المسيحيين، وسرقة الاموال العامة من قبل الاوليغارشيات الاسلامية والدرزية، ومحاولة خنق الحيوية المجتمعية في الاوساط المسيحية بأشكال متنوعة. هذا الاستطراد ليس بريئا حتى بجوانبه العيادية، فقد سبق ان شهدناه في المراحل التحضيرية للحرب وخلالها. لقد تبين ان التطلع السيادي والليبرالي هو ثابتة عند المسيحيين وليسوا بحاجة الى أمثولات، ان ما ينقص المسيحيين اللبنانيين في هذه المرحلة، هو ديناميكية سياسية مبادرة تخرج عن إقفالات الواقع الراهن، باتجاه ينهي البون القائم بين حيوية المجتمع المدني وركود دوائر النفوذ السياسي في أوساطهم ،وواقع التطاول على المستوى الوطني ، وهذا ما تعبر عنه هذه الحادثة المحدودة الطابع .

ج- يعبر هذا الاشكال عن الأزمات الملازمة للديموقراطية المعاصرة والتي تدور بمعظمها حول الاختلاف في الخيارات القيمية والفكرية والاعتقادية، والمسالك الحياتية، وبغياب ما يسميه هيجل الايتوس الجامع، اي نظام قيمي جامع
( Sittlichkeit). الحل يكمن في ايجاد نظام قيم سياسي تداخلي يجمع المواطنين على اختلاف معتقداتهم ( الشرعة العميمة لحقوق الانسان ومشتقاتها التطبيقية )، ويحافظ على حياد الدولة تجاهها، ويسمح بايجاد التوافق والتسوية بين الخيارات القيمية المتعارضة، وهذا ما نعرفه تحت مفهوم الجمهورية الإجرائية
( Procedural Republic VS Substantive Ethics ).

ان الاختلاف امر يندرج في صلب الجدليات الاجتماعية ويتطلب عملا تشريعيا دائما من اجل تخريج التسويات السياسية الواجبة حول الموضوعات الخلافية ( الإجهاض ،القتل الرحيم ، زواج وتبني المثليين، انتقاد الاعتقادات والمؤسسات الدينية والقانونية والمهنية والعائلية والتهكم عليها …). اذن نحن في مواجهة اشكاليات مألوفة حيث لكل فريق وجهة نظره ولا داعي للتكفير والتحقير المتبادل ، كما يحق لكل فريق الاحتفاظ بوجهة نظره ريثما تستخلص التسويات. ضف الى ذلك ان الحالة المطروحة تتطلب من المشرفين على برمجة المهرجان تمحيصا فطنا وموضعة للعمل بحيث يتم تلافي التعارضات الخلافية، خاصة وأننا نعيش في خضم دوامات نزاعية مفتوحة على كل التداعيات، وفي ظل ظروف معيشية صعبة تستحث الصدامات حول المسالك الحياتية ومدلولاتها الطبقية والتمييزية، معطوفة على مفارقات الزمنيات الاجتماعية. ما نشهده اليوم هو نموذج لما تشهده الديموقراطيات الغربية من خلافات حول مواضيع تتشابك فيها اشكاليات الهوية، والسيادة الوطنية والعدالة
التوزيعية.

د-لا بد من وضع حد للمغالاة حتى يصار الى وقف التصعيد ونحول دون الاستثمار السياسي، واستهداف المسيحيين اللبنانيين الذين شكلوا الرافعة الاستقلالية والسيادية والديموقراطية الدائمة ، وحاضنة العمل الثقافي والتربوي والاجتماعي، و استهداف مناخ الحريات العامة والخاصة، في خضم واقع إقليمي متفجر. هذا التضخيم يعبر عن هلوسات ذات مسوغات متنوعة، ومنتظمة ضمن خيارات سياسية واعية او لا واعية يجب وضع حد لها، وللتخاطب الشتام والسذاجة البريئة وغير البريئة. اما بقية القصة فخلاصتها ان لبنان المستقل والتعددي والديموقراطي الليبرالي قد انتهى ونحن امام متاهات نزاعية
مفتوحة.

*Psychedelic and Trance Music
*Solipsism Syndrome
*هذا مع العلم ان مادونا كاثوليكية وقد شاركت في عمادة ابنتها في ميامي من قبل كاهن لبناني الأصل.