د. رندا ماروني/كلهم قوى إحتلال

437

كلهم قوى إحتلال
د. رندا ماروني/15 تموز/2019

على وقع الإحتجاجات الشعبية سيلتئم مجلس النواب صاما الآذان عما يحدث خارج رواقه لإقرار الموازنة مسجلا مخالفتين دستوريتين، الأولى تطال من حقوق المواطنين النقدية والعينية المباشرة، والثانية تطال من الحقوق غير المباشرة وتخالف وتتجاوز أصول الإقرار دون قطع الحساب لتسجل مرة أخرى جديدة تعنتا ووضعا لليد على المال العام دون حسيب أو رقيب، وكيف لا وهو بلد يحتوي كبار صغار ممن يعتبرون أنفسهم فوق المحاسبة، حيث تنتظر آلياتها خارج أبوابهم.

تأتي المخالفة الدستورية الأولى لتتطاول على حقوق المواطنين مسجلة تجاوزا إشتراعيا فاضحا، حيث أن المشترع عندما يسن قانونا يتناول الحقوق والحريات الأساسية لا يسعه أن يعدل أو أن يلغي النصوص القانونية النافذة الضامنة لهذه الحريات والحقوق دون أن يحل محلها نصوصا أكثر ضمانة أو تعادلها على الأقل فاعلية وضمانة، بمعنى أنه لا يجوز للمشترع أن يضعف من الضمانات التي أقرها بموجب قوانين سابقة لجهة حق أو حرية أساسية سواء عن طريق إلغاء هذه الضمانات دون التعويض عنها أو بإحلال ضمانات محلها أقل قوة وفاعلية، وما أوردته هنا ليس إلا ما ورد في قرار المجلس الدستوري ٥/٢٠٠٠ .

وفي هذا السياق يأتي تعديل المادة ٤٧ من المرسوم الإشتراعي رقم ١٤٤ تاريخ ١٢/٦/١٩٥٩ وتعديلاته (قانون ضريبة الدخل)، بموجب المادة الثامنة والأربعين والتي سيصدق عليها مجلس النواب في الأيام القادمة، يأتي التعديل ليسقط البند الرابع من النص الأساسي والتي يستسثنى بموجبه من الضريبة، معاشات التقاعد التي تمنح لموظفي الدولة والمصالح العامة أو المؤسسات العامة والخاصة وفقا لقوانين التقاعد وأنظمته.

إن إلغاء هذا البند أو سقوطه كما يتم التداول به جهلا بمحتواه واعتبار سقوطه تراجعا للدولة في تدابيرها التعسفية، هو بالحقيقة ليس سوى سقوط للدعم وسقوط للاستثناء من فرض الضريبة لتشمل كل من تم ذكرهم في البند الرابع من المادة ٤٧ والتي سوف تعدل بموجب المادة ٤٨ المعدة للطرح أمام المجلس النيابي.

اذا لقد سقطت الاستثناءات من الإعفاءات مع سقوط الفقرة الرابعة لتبقى تسعة بنود مجدولة معفية ومستثناة من الضريبة، على الشكل التالي:
١- المخصصات التي يتناولها رجال الدين لقاء قيامهم بالطقوس الدينية
٢- الرواتب وملحقات الرواتب التي يقبضها سفراء الدول الأجنبية وممثلوها الدبلوماسيون وقناصلها وممثلوها القنصليون، والرعايا الأجانب من موظفيهم وذلك شرط المعاملة بالمثل
٣- الرواتب وملحقات الرواتب التي يقبضها العسكريون من أية رتبة كانوا التابعون لجيوش الدول الحليفة
٤- ملغاة، وسقط مع هذا الإلغاء الإستثناء من الضريبة عن معاشات التقاعد التي تمنح لموظفي الدولة والمصالح العامة أو المؤسسات العامة والخاصة وفقا لقوانين التقاعد وأنظمته
٥- التخصيصات المدى الحياة والتعويضات المؤقتة التي تدفع لضحايا حوادث العمل
٦- أجور اليد العاملة الزراعية
٧- أجور الخدم في المنازل الخاصة
٨- أجور الممرضين والممرضات والخدم في المستشفيات والمياتم والملاجئ وغيرها من مؤسسات التمريض والإسعاف
٩- تعويض الصرف من الخدمة المدفوع وفقا للقوانين النافذة في لبنان
١٠- التعويضات العائلية المدفوعة وفقا للقوانين النافذة

هذا التجاوز الدستوري المزدوج هو سيصبح في الأيام القليلة المقبلة أمر واقع رغم كل المعارضات الشعبية ورغم كل ما سيحدث في الشارع، والإعتراض على عدم دستورية القوانين وعلى ما سوف يشرع في مجلس النواب، ومحاولة تصويب الأمور تقتضي الطعن أمام المجلس الدستوري من قبل عشرة نواب وهو الخيار الأقرب إلى الممكن الحدوث، إلا أن ما حققه المجلس الدستوري الحالي من إنجازات وقبول للطعون وإصدار قرارات، وما اتصف به من صدقية وجدية في العمل، وخروجه عن الإنتماءات والولاءات السياسية وعدم الانصياع للضغوط، هذه الصورة المشرقة بدأت تتلاشى وتتبخر وخاصة بعد عملية التعيين الإنتخابية التي جرت في جلسة مجلس النواب السابقة، بعد أن ضاق ذرع السياسيين من قرارات المجلس الدستوري الحالي، فتم تعيين خمسة أعضاء بالتوافق الزعماتي وشلت العملية الإنتخابية، كما أنه لم تلحظ الأسماء المتوافق عليها من هو خبير في القانون الدستوري بل يمثلون خلفيات قضائية أخرى ومنها العسكري، على أن يعين مجلس الوزراء خمس أعضاء آخرين لاكتمال النصاب، وهذا الأمر الذي تعطل بدوره نتيجة أحداث البساتين والتي جسدت صراعا سياسيا وشللا في عمل الحكومة.

هذه التجاوزات الدستورية في قانون الموازنة التي سوف يقر في مجلس النواب، حتى لو تم الطعن في هذا القانون المخالف للدستورية المطلوبة، إلا أن نسب النجاح في معارضة ما يتم التحضير له بدأت تتلاشى في دولة تتجاوز الدستور وتقتص من حقوق المواطنين، وتعين التابعين، فلم يعد انتهاك الشرعية الدستورية للسلاح غير الشرعي وحده بل تشاركوا وعقدوا التسويات وتقاسموا المغانم وحملوا المواطنين أعباء سرقاتهم ليضحوا كلهم قوى إحتلال.
كلهم قوى
إحتلال
سود الأيادي
وأرذال
زمرة لا
خير فيها
إصلاح أضحى
محال
شفير الهاوية
أوصلونا
أدخلونا عصر
الأدغال
مشاة حفاة
أرجعونا
نتمنى إمتطاءا
الجمال
زادوا اوزانا
وحملونا
أطنانا وأثقال
الجبال
فروض الطاعة
علمونا
وطقوس الخنوع
والإجلال
والكرامة، أبلغونا
ملاحقة للإغتيال
شوهوا الصورة
وأوهمونا
تلال تحت
الرمال
كلهم قوى
إحتلال
سود الأيادي
وأرذال
زمرة لا
خير فيها
إصلاح أضحى
محال.