يوسف بزي: خطيئة حرب تموز المستمرة

40

خطيئة حرب تموز المستمرة
يوسف بزي/المدن/13 تموز/2019

نجاح “حزب الله” في فرض روايته عن حرب تموز، يترجم هيمنته على الفضاء السياسي اللبناني. طبعاً، شبهة ممالأة “العدو” كافية لإسكات أي اعتراض على هذه الرواية. والأسوأ، أن الوطنية اللبنانية باتت متداخلة مع تأييد حزب الله ومناصرة عقيدته الصاروخية.

ومنذ أن ابتدع ما يسميه “المعادلة الذهبية” (جيش وشعب ومقاومة)، بات من الصعب جداً نقد حزب الله وسلاحه، ناهيكم عن مراجعة تلك الحرب ومحاكمتها، وما تلاها من أحداث أبرزها غزوة 7 أيار 2008.

ترتب على هذا، استتباب عقيدة سياسية حاكمة، تنزه حزب الله وسلاحه، وتدعمه في شروط الولاء للبنان، إلى حد الترويج أن القتال في شوارع حلب وصحراء البوكمال هو لحماية اللبنانيين، وضرورة “وطنية”.

وعلى الرغم من أن خصوم حزب الله المحليين، فرضوا مبدأ “النأي بالنفس” في الخطاب الرسمي، وحافظوا بعض الشيء على التمايز بين “الدولة” و”الحزب”، لكن في نهاية المطاف لم تستطع الدولة في أي استحقاق معاكسة إرادة الحزب، بل أن الحزب غالباً ما عاكس الدولة وأحرجها وأرضخها.

تأخر حلف “انتفاضة الاستقلال” سابقاً عن الإقرار بحقيقة أن حزب الله شريك كامل للنظام السوري بكل الوقائع الأليمة والدموية التي شهدها لبنان منذ خريف العام 2004 وحتى أيامنا هذه.

وفي أثناء العدوان الإسرائيلي المدمر على لبنان في صيف 2006، كان الشغل الشاغل لحكومة فؤاد السنيورة وللقادة السياسيين، خصوصاً منهم المنضوين في تحالف 14 آذار، إقناع الولايات المتحدة والدول الفاعلة في الأمم المتحدة، بتجنيب حزب الله (ولبنان) عواقب صدور قرار عن مجلس الأمن تحت الفصل السابع، بما يجلبه من تدخل دولي فعال يفرض تنفيذ أي قرار أممي، ولو بالقوة. وكان الظن لدى هؤلاء السياسيين، أن نجاح الدبلوماسية اللبنانية بإنقاذ الحزب من المعاقبة الدولية، سيقابلها الحزب بالرضوخ لـ”حوار وطني”، أساسه مقررات اتفاق الطائف ومنتهاه حل ميليشياته ودمجها في الجيش، وتحويل هذه المنظمة العسكرية الأمنية إلى حزب سياسي “طبيعي”.

تبدد الظن هذا خلال شهرين وحسب، عندما بدأ حصار السراي والاعتصام القياسي الذي استمر أكثر من سنتين، رابضاً على قلب العاصمة، إلى لحظة اتفاق الدوحة، الذي ثبّت ضعف الدولة وجبروت الحزب.

لحظة تعليق “الطائف”، وتنصيب الغلبة المسماة “ديموقراطية توافقية” والمحروسة بالقمصان السود وجهاز الاغتيالات.

يمكن القول الانتصار الوحيد الفعلي لحزب الله في حرب تموز هو إعادة ترميم “نظام الوصاية” الذي يضمن بقاء لبنان مخطوفاً في مدار “حلف الممانعة”.

نتذكر هنا بعضاً من وقائع العام 1994، حين قررت الحكومة اللبنانية القيام بحملة وطنية شاملة، متزامنة مع حملة دبلوماسية عربية ودولية تأييداً وإحياء لمطلب تنفيذ القرار 425، الداعي لانسحاب إسرائيل من الشريط الحدودي المحتل.

وفي أوج تلك الحملة، حلّ صمت مفاجئ، وتوقفت الحملة بغتة من غير تمهيد. ووصلت توصيات لوسائل الإعلام والصحف بالتزام الخرس ونسيان القرار 425، كونه يخدم “المخطط الصهيوني” بفصل مسار مفاوضات السلام، فلسطينياً وسورياً وأردنياً ولبنانياً.

ثم كان الانتقال من دون تمهيد إلى شعار آخر ظل يتردد بابتذال مريع حتى يومنا هذا: “وحدة المسار والمصير”.

وما أصاب القرار 425، الذي دخل بسبات إلى أن أعلنت إسرائيل في صيف العام 2000 تنفيذها لموجباته، رغماً عن الاستياء السوري والممانع من هذا “الانسحاب الأحادي الجانب” كما قيل حينها!

ها هو المصير نفسه نراه في القرار 1701، “المقيت”، الذي لا يزال عالقاً عند خطوته الأولى: وقف الأعمال العدائية.

يصعب على اللبنانيين في حقبة حزب الله “قراءة” القرار 1701، ويستحيل عليهم النظر في بنوده ومندرجاته، وما يُلزم به لبنان (جيشاً وشعباً ومقاومة)، خصوصاً وأن من لديه “نصر إلهي” ومقاومة، له الحق ربما أن يزدري ما يسمى أمم متحدة ومجلس أمن.

ومع هذا الازدراء، والاحتفاء بالردع والقوة والقدرة على التدمير، بما يطمئن قدرة إيران على التفاوض والمساومة، أو قدرة النظام السوري على الابتزاز، وقدرة حزب الله على حسم حرب أهلية قبل أن تندلع، يبقى لبنان هكذا موقوفاً عن أي سلم أو حل نهائي.

وتلك حلقة مفرغة من طلب عون الأمم المتحدة (والعالم) إلى احتقارها (والعالم أيضاً).

وفي الأثناء، مرت عقود من الانتصارات المتتالية في حروب أهلية وإقليمية لا نهاية لها، نقطف ثمارها بلداً لا يبتعد عن الحضيض، إلى حد نتساءل إن كان هذا حالنا منتصرين، فكيف ستكون حال المهزومين الإسرائيليين؟!