علي الأمين: محمد رعد الأمين العام لحزب الله اللبناني/مسيرة تمايز من التأسيس إلى النيابة

37

محمد رعد الأمين العام لـ”حزب الله” اللبناني/مسيرة تمايز من التأسيس إلى النيابة
علي الأمين/نداء الوطن/11 تموز 2019

لعله النائب الوحيد في “حزب الله” الصامد في مجلس النواب منذ العام 1992، متربعاً على رئاسة كتلة الوفاء للمقاومة، نائباً عن محافظة النبطية، والمتحدر من بلدة جباع في اعالي إقليم التفاح.

في مسيرة الحاج محمد رعد (٦٢ عاماً) الحزبية والسياسية، جملة تقلبات ومفاصل لم تذهب به إلى أماكن تتسم بالخروج من المظلة الحزبية التي بقي يتفيأ تحتها، على رغم شبهات طاولته في محطات عدة في مسيرة ترسيخ زعامة السيد حسن نصرالله على رأس “الحزب”.

محطات كان منها خروج الأمين العام السابق في الحزب الشيخ صبحي الطفيلي في منتصف التسعينات، والتي شكلت تحدياً بارزاً في مسيرة “حزب الله” في ذلك الحين، وأدّت الى ما يُعرف بثورة الجياع العام 1997 ثم اختتمت بحادثة عين بورضاي قرب بعلبك، والتي ذهب ضحيتها آنذاك النائب السابق الشيخ خضر طليس وسواه من ضحايا سقطوا برصاص الجيش، في مواجهة لم يكن “حزب الله” خارجها ولا الاتفاق الإيراني ـ السوري الذي قضى بإنهاء حالة الشيخ الطفيلي الذي لما يزل ملاحقاً من القضاء منذ أكثر من عشرين عاماً (1998).

لعل هذه الواقعة هي التي شكلت خاتمة في مسيرة التمايز التي كان النائب رعد يتمتع بها بين أقرانه الملتزمين والمنضبطين في مؤسسة الحزب ومرجعية ولاية الفقيه، وعلى رغم ميل دعوتي (حزب الدعوة) منذ نشأته الأولى وبداياته في اتحاد الطلبة المسلمين قبل تأسيس “حزب الله” في العام 1982، وعلى رغم تأثره وميله الفكري والثقافي والديني تجاه السيد محمد حسين فضل الله، فان الحاج محمد رعد أدرك أن القطيعة لا مفر منها مع هذه المؤثرات غير الايرانية، اذا اراد ان يبقى في مؤسسة الحزب، لأن “حزب الله” لم يعد يحتمل هذه “الشبهات” التي تخل بالولاء الكامل والمطلق للولي الفقيه، ولتجلياته اللبنانية التي ترسّخت في شخص الأمين العام الشاب آنذاك السيد حسن نصرالله.

من المؤسّسين والمعترض على نصرالله
يعلم الجيل الأول في “حزب الله” أن النائب رعد هو من المؤسسين، لذا كان يحتل موقعاً ثابتاً في مجلس الشورى في زمن ولاية الشيخ الطفيلي ثم في مرحلة السيد عباس الموسوي القصيرة التي انقطعت باغتياله العام 1992. كان متقدماً بصفته التنظيمية طيلة هذه المراحل على الأمين العام اللاحق السيد نصرالله، وهو كان من الفريق الذي اعترض على وصوله إلى سدة الأمانة العامة بعد انتهاء ولاية الشيخ الطفيلي، وكذلك كان الحال بعد اغتيال الموسوي، لكن بحدّة أقل. فاغتيال الموسوي كان بداية صعود ما يسمى الجهاز الأمني والعسكري اللبناني ـ الإيراني الذي فضّل نصرالله في الأمانة العامة، وكان عماد مغنية هو الذي يقف وراءه ويزيل العوائق من امامه، وهذا لا يعني أن السيد نصرالله لم يكن يتمتع بالجاذبية الخطابية والحزبية لدى المحازبين والمناصرين.

وصول نصرالله بما يمثل، كان يعني بالضرورة تراجعاً لدور الحاج محمد رعد في داخل البنية الحزبية، وكانت زعامة المرجع السيد علي خامنئي الملتبسة في ايران في ذلك الحين، تتطلب مزيداً من ترسيخ حضورها ونفوذها وصورتها الدينية خارج ايران في سياق عملية تسويقها داخل ايران. فبعد رحيل الخميني كان من الصعب على خامنئي أن يملأ فراغ غيابه، وهذا تطلب تشدداً من ماكينة الحرس الثوري، في حصر الولاء وتركيزه في شخص خامنئي. ومنذ ذلك الحين بدأت معركة التخلص من آثار السيد فضل الله وحضوره لدى مناصري “حزب الله”، وكان محمد رعد من الذين تأثروا سلباً من عملية التبرؤ من كل ما هو خارج ولاية الفقيه، من دون أن يدفعه ذلك للخروج على توجهات القيادة الجديدة من طهران إلى بيروت.

أعضاء “مجلس شورى القرار”
وكان من نفوذ محمد رعد داخل “حزب الله”، أنه كان من أبرز الذين خاضوا مواجهة لإنهاء ظاهرة قام بها الجهاز الأمني، بوضع صورة نصرالله في بعض المكاتب الحزبية وبعض الطرق في منتصف التسعينات، وقد نجح الى حين في وقف هذه الظاهرة، باعتبارها تتنافى مع القواعد الحزبية، التي كانت تقصر موضوع الصور على الخميني وخامنئي والشهيد عباس الموسوي.

ودفع ثمن ذلك وسواه لاحقاً بأن أخرج من قيادة الشورى واستبعد منها لمرات عدة. و”مجلس شورى القرار” الذي يمثل مركز قيادة “حزب الله” فيه سبعة أعضاء يتولون مسؤوليات قيادية في مؤسسات الحزب، ويضم ايضاً اثنين آخرين، لا يعلن عن هويتهما، واحد يمثل الحرس الثوري الايراني، وآخر ذو صفة عسكرية أو جهادية من داخل “حزب الله”.

بعد العام 2000 تاريخ تحرير ما تبقى من احتلال إسرائيلي في الجنوب، أيقن النائب محمد رعد أن فرص الارتقاء داخل “حزب الله” وصولاً للأمانة العامة قد أفلتت من يده، لا سيما بعدما أنهى “حزب الله” فكرة تداول منصب الأمين العام، والتي كانت تمنع تولي اي شخص موقع الأمانة العامة لأكثر من ولايتين. والى جانب تعديل صيغة التداول، وربما إلغاء الانتخابات الحزبية الداخلية عملياً، بدا أن هناك مساراً جديداً داخل “حزب الله” يقوم على تركيز القرار في الأمانة العامة. فقد شهد العقدان الاخيران، تراجعاً لموقع الشورى والقيادة الجماعية لمصلحة تعزيز موقع الأمانة العامة، بحيث نشأت مؤسسة ضخمة اسمها الأمانة العامة، تضم معاونين، ومؤسسات تنفيذية جعلت من مجلس الشورى أقرب إلى مجلس استشاري للأمين العام عملياً، على رغم أنه ما زال يُعتبر مركز القرار والقيادة العليا لـ “حزب الله”.

مجلس نوّاب “حزب الله”
خبرة النائب محمد رعد نحت مع الأيام نحو مجلس النواب، إلى درجة أن البعض في داخل “حزب الله” وحتى خارجه كان يرشحه لأن يكون رئيس مجلس النواب بعد الرئيس بري، وهو الى حد بعيد كرس عمله الحزبي في هذا الاتجاه، وما يتصل به من شؤون نيابية ووزارية، وصار بعيداً من أن يكون شريكاً في قرارات تتصل بشؤون قتالية أو كما يسميها الحزب جهادية. لذا هو يرأس مجلساً يضم النواب السابقين والحاليين في “حزب الله” تقتصر وظيفته على متابعة ملفات داخلية، تتصل بالقوانين وسياسة الحكومة والتعيينات.

بهذا المعنى يمكن أن نسمي محمد رعد الأمين العام لـ”حزب الله” اللبناني، لذا فإن ادراج اسمه على لائحة العقوبات الاميركية، لم تكن فكرة غائبة عن وزارة الخزانة الأميركية. فلم تكن لائحة الاتهامات المزعومة من قبل الأميركيين ضد محمد رعد تنطوي على اتهامات تتصل بممارسات غير قانونية، أو بسلوك ينم عن مخالفات لها علاقة بشبهات جرمية، كما هو حال الاتهامات ضد النائب أمين شري أو وفيق صفا.

اما الإشارة إلى موقعه في مجلس الشورى، فهذا لا يعني بالضرورة أن رعد أو المجلس من يقرر في شؤون “ارهابية” وفق المصطلح الذي ورد في الاتهام، إذ لا يتعاطى مجلس الشورى بالقرارات الأمنية.

في احد معاني العقوبات الأميركية الأخيرة ولا سيما المتصلة بالنائب محمد رعد، فإن القرار الأميركي أراد استهداف، في ما يستهدفه، النموذج اللبناني الأبرز في قيادة “حزب الله”، والذي كان مؤهلاً نتيجة خبرته النيابية، وسمته المدنية، أن يكون بديلاً مخضرماً في اي انتقال لـ”حزب الله” الى الرئاسة الثانية.