علي الأمين/باسيل “أجّر” وزارة الخارجية لـ”حزب الله”؟

87

باسيل “أجّر” وزارة الخارجية لـ”حزب الله”؟
علي الأمين/نداء الوطن/08 تموز 2019

يكشف ملف ترسيم الحدود بين لبنان واسرائيل، أن لبنان هذه المرة وأكثر من أيّ وقت مضى، قد سلّم مقاليد القرار في هذا الملف إلى السيد الإقليمي في ايران، الذي يقرر إطلاق المفاوضات أو وقفها ربطاً بحساباته التي يقررها مسار العلاقة بينه وبين “العم سام”.

إشارات سلبية صدرت من عين التينة، إثر زيارة الموفد الأميركي ديفيد ساترفيلد، تجاه بدء المفاوضات، وأظهرت أن ثمّة تراجعاً في النبرة التفاؤلية التي روّجت لها عين التينة قبل اسابيع.

لكن المفارقة أن هذا “الملف” لطالما كان مثار جدل سياسي في لبنان، ففي كل مرة أثيرت مسألة التفاوض مع إسرائيل حول الانسحاب أو الحدود، كانت تخضع لنقاش سياسي واهتمام حزبي، لرفض أو قبول، فيما هي اليوم تبدو وكأنها شأن يتصل بدولة أخرى.

لم نسمع من رئيس الجمهورية أي تعليق، ولا رئيس الحكومة معني بقول جملة في هذا الشأن، ولكن الأهم هو وزير الخارجية الذي ظلّ صامتاً فيما هو بالعادة يفترض أن يكون الناطق باسم الدولة في هذا الشأن.

ليس في هذا التوصيف مبالغة أو تجنٍّ على السلطة الرسمية ولا على من هم خارجها من قوى حزبية أو سياسية، لكن أن يقوم وزير الخارجية وينهمك بزيارة منطقة الشوف أو مدينة طرابلس، لهو أمرٌ جلل، ويفوق في أهميته مسألة ترسيم الحدود، ومسألة المفاوضات مع اسرائيل.

أن يكون وزير خارجيتنا شديد الإصرار على حقه في التجوال المهيب وفي الخطب الشعبوية، يقتضي من هذا الإصرار أن يُظهر التشدد في حقه بأن يكون هو نفسه من يمسك بملف ترسيم الحدود والتفاوض. فمن يخوض معركة “الحقوق” واستعادتها، لا يمكن أن يتهاون في حقّه بل من واجبه أن يكون هو من يدير علاقات لبنان الخارجية، باعتبارها من صلب مسؤولياته كوزير للخارجية.

هذه القضية ربما لا ترتبط بحقوق المسيحيين، وليست انتهاكاً لصلاحيات وزير الخارجية القوي، أو أنها تنطوي على تجاوز للدبلوماسية اللبنانية.

ومنعاً للالتباس، ليس صمت الوزير باسيل عن تجاوز حقوق وزارته، هو بسبب تهيّب من الرئيس نبيه بري أو خوف منه، بل استجابة لتوجيهات “حزب الله” الذي أوكل المهمة للرئيس بري، لذا لا يجب أن يُسجّل على باسيل أنه خضع لبري، بل لصاحب الشأن والقرار في أمر السيادة.

لعل في هذه الواقعة نموذجاً من وقائع التنازل في الحقوق السيادية للدولة واجهزتها، أمام سلطة “حزب الله” وامتدادها الايراني، وهو ما يكشف عن القوة الوهمية لباسيل ومن يمثل.

فالاستقواء الباسيلي هنا لا ينطلق من قوّة ذاتية، بل من قوّة السلاح الإقليمي الذي يسيطر على لبنان.

هو ليس سلاحاً شيعياً بالمعنى الذي ألِفه اللبنانيون من سلاح الحروب الطائفية، بقدر ما هو سلاح اقليمي وظيفته الأولى توفير النفوذ الإيراني في المنطقة والجلوس الى طاولة التفاوض مع الدول المؤثرة، بالطبع ليس من دولة عربية بين هذه الأطراف فهي تحولت من لاعب الى ملعب.

لم يكن وصول الرئيس ميشال عون الى الرئاسة الأولى لاجماً لهذا المسار اللبناني، بل عزّزه وجعل من لبنان دولة تتحضر للمزيد من الانهيار والتلاشي بفعل السيادة المنتهكة، والتي رسخت مفهوماً للدولة تتقاسم فيه مافيات الطوائف ما تبقى منها باستثناء السيادة التي صارت وظيفة إيرانية يتولاها “حزب الله”.

‏من هنا الصمت اللبناني حول مجريات ملف المفاوضات، ليس تعبيراً عن إرادة سياسية وطنية، ولا عن مسؤولية وخطة تفترض الصمت والكلام المقنن، إنما هو تسليم بأن هذه القضية ليست شأناً حقوقياً لبنانياً، كما هي الحال في حرب “الحقوق” والصراع الذي يدور باسم الطوائف وعلى ركام ابنائها.

‏الاستقواء الباسيلي بالسلاح في التنازع الداخلي والتنازل في شأن السيادة، كفيل بأن يجعل لبنان دولة هشة أكثر فأكثر وطوائف متربصة بذريعة الخوف من بعضها، وأمام وهم استعادة حقوق في دولة لا حقوق لها.