البطريرك الياس الحويك مكرما بعدما وقع البابا فرنسيس مرسوم تكريمه

45

البطريرك الياس الحويك مكرما بعدما وقع البابا فرنسيس مرسوم تكريمه.. الحويك هو فخر للبنان والكنيسة المارونية والبطريركية وراهبات العائلة المقدسة
السبت 06 تموز 2019

وطنية – أعلن البطريرك الماروني الكردينال مار بشارة بطرس الراعي، ظهر اليوم في الصرح البطريركي في بكركي، ان البابا فرنسيس قرر تثبيت عيش بطولة الفضائل من قبل البطريرك مار الياس بطرس الحويك (1843-1931) واعلنه مكرما.

وتحدث الراعي في مؤتمر صحافي عقد للمناسبة في قاعة القديس البابا يوحنا بولس الثاني في الصرح البطريركي، حضره طالب الدعوى النائب البطريركي العام المطران حنا علوان، راعي ابرشية البترون المارونية المطران منير خيرالله، رئيس اللجنة المتابعة لتحضيرات مئوية لبنان الأولى المطران سمير مظلوم، المعتمد البطريركي لدى الكرسي الرسولي رئيس المعهد الحبري الماروني في روما المطران رفيق الورشا، الرئيسة العامة لراهبات البطريرك الحويك راهبات العائلة المقدسة المارونيات الأم ماري انطوانيت سعادة مساعدة طالب الدعوى وراهبات من رهبنة العائلة المقدسة، امين سر البطريرك الأب شربل عبيد والمرسل اللبناني الأب فادي تابت.

وقال الراعي: “في ظل ما نشهده من تراجع على صعيد الوطن سياسيا، اقتصاديا، اجتماعيا، ماليا وأمنيا، السماء تحاكيما من جديد، البطريرك الكبير الياس الحويك أب لبنان الكبير، قد أعلنه قداسة البابا- وهذا فخر للبنان والكنيسة المارونية والبطريركية وراهبات العائلة المقدسة التي أسسها- انه عاش ببطولة الفضائل الإلهية والإنسانية والأخلاقية والإجتماعية، وهذا هو المرسوم الذي وقعه أمس قداسة البابا، يعني الكنيسة أنهت مساء التحقيق بقداسته وأعلنت بالنسبة لها ان هذا المسار بلغ خاتمته، ويبقى أن نتشفع في هذه الفترة كي يظهر ربنا قداسته من خلال أعجوبة ما ضرورية كخطوة ثانية وأساسية للوصول الى التطويب وإعلانه على مذابح الكنيسة”.

أضاف: “يسعدنا اليوم بث هذا الخبر ليس فقط للبنان والموارنة، ولكن لكل اللبنانيين ولكل الموارنة في العالم وكل المسيحيين، ومن هم أبرار في السماء، ويصبحون طوباويين وقديسين وتعلنهم الكنيسة يكونون لكل الناس، وكما نرى مار شربل لا يميز لا بطائفة ولا بمذهب ويعمل الخير ويوزع النعم، نتأمل اليوم من خلال هذه الإلتفاتة الجديدة من السماء الى أرضنا أن تشكل لنا حافزا حتى نعيش الرجاء والإيمان والمحبة، وتكون حافزا لكل اللبنانيين والموارنة والمسيحيين، وخصوصا لكل السياسيين، لأن البطريرك الحويك هو الذي ناضل في سبيل لبنان وهو الذي كتب عن مفهوم الوطن وهو الذي يوم شاءت العناية الإلهية أن يتزامن قرار الكنيسة مع بداية المئوية الأولى للبنان الكبير الذي كان بطله وكان يترأس في مؤتمر السلام في فرساي 1919 الوفد اللبناني، وناضل من أجل الحصول الى لبنان الكبير بكامل أراضيه بما فيها الأراضي التي سلختها الدولة التركية عن لبنان، وكان السبب الأساسي للمجاعة الكبرى”.

وتابع: “نحن سنصلي ونتشفع ونطلب شفاعته حتى من خلاله تظهر النعم ويظهر ربنا قداسته ويعلن على المذابح، هذه صلاتنا تتواصل على هذه النية ويبقى لبنان وطن القديسين”.

خير الله
وألقى خيرالله كلمة جاء فيها: “البطريرك الياس الحويك، ابن أبرشية البترون، أبرشية القديسين التي تحتضن ذخيرة مار مارون في دير مار يوحنا مارون كفرحي، وضريح القديسة رفقا في جربتا، وضريحي القديس نعمة الله والأخ اسطفان في كفيفان. إننا في أبرشية البترون نحظى بنعمة مميزة لأن الله أعطانا أن نعيش على أرض مقدسة وأن نكون جيران القديسين في كفيفان وجربتا وكفرحي والبترون وحردين وتنورين. فلأي من الناس أعطيت هذه النعمة أن يكون لهم في محيط بضعة كيلومترات مربعة أربعة ضرائح قديسين أصبحوا منارة للكنيسة الجامعة وللعالم ومراكز حج ومزارات دينية عديدة؟ هذا بفضل أديارنا وكنائسنا ورهباننا وراهباتنا وكهنتنا ونساكنا، وبفضل عائلات تقية تربينا فيها على يد آباء وأمهات وأجداد ساروا أمامنا على درب القداسة وارتضوا كل التضحيات ليربوا الأجيال الطالعة على القيم المسيحية والمارونية بنوع خاص، ويعطوا قديسين وقديسات. يزاد عليهم اليوم إسم المكرم البطريرك الياس الحويك والمواقع الأربعة التي طبعت حياته في الأبرشية:

أولا، حلتا: ولد البطريرك الياس الحويك في بلدة حلتا في 4 كانون الأول سنة 1843 في عائلة تقية من عائلاتنا البترونية. والده تادروس عبود الحويك، الذي رسم كاهنا في مدرسة مار يوحنا مارون كفرحي في 18/11/1850 على يد البطريرك يوسف راجي الخازن وأصبح الخوري بطرس وخدم ضيعته حتى وفاته. والدته غرة طنوس الحويك؛ وهي أمرأة فاضلة تقية صاحبة إيمان قوي؛ عرفت بمحبتها وتقواها؛ وكان لها فضل على إيمان وتقوى ابنها الياس؛ وهو البكر لسبعة أولاد: الياس، سعدالله، لاوون، مباركة، نورا، مارينا ومحبوبة التي أصبحت في ما بعد الرئيسة العامة لراهبات دير مار يوحنا حراش في كسروان. تربى في عائلة كهنوتية، فقيرة متواضعة، على الاتكال على الله وعلى قيم الاحترام والعدالة والتضامن والطيبة والحقيقة.

ثانيا، كفرحي: بعد ان تعلم مبادئ القراءة العربية والسريانية في مدرسة تحت السنديانة في حلتا (1848-1851)، انتقل الياس بتشجيع من والده الخوري بطرس إلى مدرسة مار يوحنا مارون في كفرحي التي كانت تأسست سنة 1812 على يد البطريرك يوحنا الحلو والمطران جرمانوس تابت، لتنشئة الكهنة. وكانت المدرسة الثانية في لبنان بعد مدرسة عين ورقة (سنة 1789). ولعبت دورا ثقافيا وكنسيا ووطنيا في القرن التاسع عشر وتعلم فيها كثير من كبار رجال الكنيسة والوطن، أمثال البطريرك الياس الحويك والبطريرك أنطون عريضه. لبى دعوة الرب إلى الكهنوت واعتبرها نعمة يغدقها الله عليه.

سنة 1859، التقى الياس البطريرك بولس مسعد وهو في زيارة إلى مدرسة مار يوحنا مارون، فطلب منه أن يتابع دروسه الإكليريكية. فأرسله الأخير إلى الإكليريكية الشرقية في غزير التي كان أسسها الآباء اليسوعيون سنة 1843. سنة 1866، أنهى دروسه في غزير وتميز بتقواه وبتكريمه للعذراء مريم وبذكائه وتعطشه إلى المعرفة. فطلب من البطريرك مسعد أن يتابع دروسه في روما. فأرسله إلى معهد البروبغندا- معهد انتشار الإيمان- ليدرس الفلسفة واللاهوت. وتميز هناك بسلوكه المثالي وبتقواه العميقة، وبذكائه واتزانه ومثابرته. نقرأ عنه في سجل البروبغندا أنه “حاز بذكائه المتقد درجة سامية في تحصيل العلوم، وكان قدوة في صبره وطاعته وتدقيقه في القانون. إنه فتى ولد للعظائم”.

في 5 حزيران 1870، اقتبل سر الكهنوت في روما على يد المطران يوسف جعجع وكان والده قد توفي في نيسان 1869. وتزامن حدث رسامته الكهنوتية مع مباشرة أعمال المجمع الفاتيكاني الأول برئاسة البابا بيوس التاسع. وفي 19 آب 1870، نال شهادة الملفنة في اللاهوت وعاد إلى لبنان. فعينه البطريرك مسعد معلما للاهوت الأدبي في مدرسة مار يوحنا مارون كفرحي. فأعطى أفضل ما عنده وأفضل ما هو عليه لتلاميذه. وكان أستاذا ومربيا وراعيا صالحا يترأس صلوات الفرض، يقضي ساعات طويلة في كرسي الاعتراف، يتقاسم الغداء إلى الطاولة نفسها مع التلاميذ، ويبقى في صحبتهم ساعات الفراغ زارعا في قلوبهم الفرح والرجاء.

ثالثا، كفيفان: بعد سنتين في كفرحي، عينه البطريرك مسعد في حزيران 1872 أمين سر البطريركية في بكركي ومحامي الوثاق في الديوان البطريركي. وفي 14 كانون الأول 1889 رقي إلى الدرجة الأسقفية، ورسم مطرانا على عرقا شرفا ونائبا بطريركيا. وكان ذلك بعد أشهر من وفاة المطران يوسف فريفر النائب البطريركي ورئيس مدرسة مار يوحنا مارون- كفرحي. كان الخوري ثم المطران الياس الحويك يحلم بتأسيس جمعية رهبانية نسائية رسولية تساعد في إصلاح وتنمية المجتمع المهدد بتيارات الفساد والجهل. وكان يرى أن “مستقبل المجتمع متوقف على تربية الفتاة وترقيتها”. “فالفتاة هي أم المستقبل، وركيزة العائلة، وبالتالي ركن المجتمع بأسره”. فرأى في العلم والتربية الوسيلة الفضلى لمواجهة الفساد، وعزم على توفير العلم للفتاة اللبنانية مع التربية المبنية على القيم الإنسانية والإجتماعية والإنجيلية.

سنة 1893، التقى الأم روزالي نصر، من جمعية راهبات الوردية، القادمة من القدس إلى كفيفان لتأسيس دير ورسالة مع رفيقة لها الأخت ستيفاني كردوش. فعرض عليها الحويك فكرته بتأسيس جمعية رهبانية. وبعد إنجاز الإجراءات القانونية أسس “جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات” وسلم بيتا في جبيل هو وقفية من السيدة أورسلا لحود إلى الأم روزالي نصر. وفي 15 آب 1895 احتفل المطران الحويك بقداس التأسيس في دير جبيل. أما الإسم، فأراده الحويك حافزا لكي تتمثل الراهبات بالعائلة المقدسة في الناصرة وتعيش فضائلها وتنشرها بين العائلات. وطلب أن تكون العائلة المقدسة مثالا لكل العائلات اللبنانية لبناء مجتمع سليم ومقدس، يلتزم “المبادئ التي تعمر البيوت، وتحفظ العيال، وتصون الهيئة الإجتماعية من الفساد”.

رابعا، عبرين: بعد أشهر قليلة قضتها الأم روزالي والأخت ستيفاني في دير التأسيس في جبيل، اشترى المطران الياس الحويك بيتا في عبرين وطلب من الراهبات الانتقال إليه ليكون الدير الأم للجمعية، وذلك سنة 1896. وراحت الجمعية تزدهر وتتوسع وتفتح المدارس في كل لبنان وتحقق حلم المؤسس ورسالته. وقبيل وفاة البطريرك الحويك المؤسس في 24 كانون الأول 1931، كانت الجمعية قد انتشرت في عمشيت وجبيل وعبرين، ثم في قرطبا (1902)، البترون (1910)، صورات (1912)، بيروت- مدرسة سيدة لبنان (1923)، تنورين (1923)، انطلياس (1924)، حارة حريك (1924)، الديمان (1930)، حصرون (1930)، مزياره (1930)، شكا (1931)، دير الأحمر (1931)، دوما (1931). توفي البطريرك المؤسس ودفن في بكركي. وفي 12 أيار 1936، نقل جثمانه إلى الدير الأم في عبرين. وأصبح ضريحه مركز حج وصلاة ودعوة إلى الاتكال على العناية الإلهية”.

علوان
والقى علوان كلمة، جاء فيها: “ان دعوى التقديس تمر بثلاثة مراحل أساسية، مرحلة المكرم، ثم الطوباوي، ثم القديس. تبدأ المرحلة الأولى في الأبرشية بعد الحصول على إذن الكرسي الرسولي حين يعين بعدها مطران الأبرشية هيئة تحقيق مؤلفة من محقق ومحام عن العدل ومسجل كما يعين لجنة تاريخية من ثلاثة اختصاصيين في التاريخ والمكتباب والتأليف ولجنة لاهوتية من ثلاثة لاهوتيين. أثناء التحقيق وحتى نهاية المرحلة الأولى يسمى صاحب الدعوى “رجل الله” أو “أمة الله” هدف هذه المرحلة الأولة هو إثبات عيش الفضائل بشكل بطولي من قبل رجل الله، يتم التحقيق بالإستماع الى شهود وجمع المؤلفات ودراستها وتحليلها والتأكد من انها خالية من الشوائب والأخطاء اللاهوتية من جهة، وهي من جهة أخرى، تظهر روحانية وقداسة كاتبها. عند انتهاء التحقيق والحصول على تقارير اللجان المذكورة أعلاه بعد حلفان اليمين من قبل الإختصاصيين انهم قاموا بواجبهم بطريقة محض علمية وبحسب والضمير، ترسل الملفات على عدة نسخ الى مجمع دعاوى القديسين فيالكرسي الرسولي في روما، حيث يدرس أولا الملف من جهة الشكل وصحة الأعمال، ثم من حيث المضمون إذ يرسل من جديد لدراسته من قبل لجنة فاتيكانية متخصصة بالتاريخ والكتابات، ثم يمر على لجنة فاتيكانية أخرى مؤلفة من اللاهوتيين ليدرس من الناحية اللاهوتية والفكرية. وفي حال مر الملف بنجاح على كل هذه اللجان يعرض أخيرا على لجنة من الكرادلة مؤلفة من حوالى 18 عضوا يدرسون الملف مع كل تقارير اللجان يعطون قرارهم النهائي بقبول الدعوى والإعتراف بدرجة “المكرم” ويرفعون قرارهم الى قداسة البابا ليعطي قراره بإثبات بطولة الفضائل وإطلاق لقب مكرم على رجل الله صاحب الدعوى.

المرحلة الثانية تبدأ عندما يجترح المكرم أعجوبة. تعين عندها لجنة تحقيق في الأبرشية حيث جرت الأعجوبة لتقوم بدراسة الحدث علميا والتحقيق في صحة الإعجوبة، فيكون ملف خاص بالإعجوبة ويرسل من جديد الى الكرسي الرسولي لتعين له اللجان المختصة لدراسة صحة الأعجوبة من الناحية العلمية واللاهوتية. ويمر الملف من جديد على لجنة الكرادلة. وفي حال موافقة هذه الأخيرة على صحة الإعجوبة، يقرها قداسة البابا ويعلن معها ان المكرم أصبح طوباويا.

المرحلة الثالثة هي كالرحلة الثانية أي التحقيق بأعجوبة ثانية تنتهي بإعلان القداسة. يجري التحقيق في الأبرشية ليرسل بعدها الى روما لدراسته، على طريقة إثبات الأعجوبة مرحلة الطوباوي، ويعلن بعدها الطوباوي قديسا.

بالعودة الى دعوى البطريرك مار الياس الحويك، ان قداسة البابا أطلق اليوم لقب “مكرم” على البطريرك الحويك لأنه ثبت على اثر انتهاء المرحلة الأولى والتحقيقات ودراسة اللجان ان الحويك عاش الفضائل بطريقة بطولبة ومثالية يمكن الإحتذاء بها، وبهذا اللقب يمكن اليوم لمكرمنا أن ينتقل الى المرحلة الثانية ليعلن طوباويا في حال حصلت أعجوبة بشفاعته.

لم يكن من السهل التحقيق بدعوى البطريرك الياس بطرس الحويك، وقد واجهتنا صعوبتين: الأولى كون الدعوى تاريخية، بحسب التعبير القانوني، أي انه مر زمن طويل على وفاة صاحبها وبات مستحيلا إيجاد شهود عيان يخبرون عن طريقة عيشه وأقواله وتصرفاته، ولكن مما ساعدنا في هذه المرحلة وعوض عن شهود العيان وجود كتاب عن حياته كتبه في زمانه امين سره الخاص، ووجود كتب أخرى كتبت عنه في أيامه من أناس عايشوه. والصعوبة الثانية هي كون البطريرك ترك كمية هائلة من المسائل الخاصة والرسائل الراعوية ومن التقارير وغيرها بحكم مقامه على السدة البطريركية أكثر من ثلاثين سنة، أضف الى ذلك مهامه كأسقف ونائب بطريركي لمدة عشر سنوات، هذه التركة الكتابية أطالت المرحلة الأولى لانها تطلبت سنين من التفتيش عنها وجمعها وترجمتها لدراستها من قبل خبراء التاريخ واللاهوت.

لقد بدأت جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونية بالتفكير جديا بإقامة دعوى تطويب مؤسسها البطريرك الحويك سنة 1996 عندما كتبت الى الرئيسة العامة آنذاك الأم فيرونا زيادة تسأل عما يجب القيام به لتأسيس دعوى تطويب، ومن ذلك الحين بدأت عملية تجميع المؤلفات والتركة الكتابية وترجمتها. بعد الإنتهاء من جمع المؤلفات قرر المجلس العام للجمعيةالمذكورة المباشرة بالدعوى سنة 2010 متخذة صفة الإدعاء في الدعوى. وكان لي الشرف بتكليفي بمهمة طالب الدعوى مع مساعدة طالب الأم ماري انطوانين سعادة الرئيسة العامة حاليا بجمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات. وفتح الملف رسميا بتاريخ 10 تشرين الثاني 2010، على عهد سيادة المطران بولس اميل سعادة على ابرشية البترون حيث مولد المكرم في بلدة حلتا. وفي اول كانون الأول 2010 وافق مجلس المطارنة في لبنان على تقديم الدعوى، وفي 15 كانون الأول 2010 طلب سيادته بعدها من مجمع دعاوى القديسين في روما، بطلب الإذن بافتتاح الدعوى والسماح بنقل الصلاحية الى أبرشية البترون لتقوم بالتحقيق بدل من الأبرشية البطريركية حيث توفى المكرم لأنها صاحبة الصلاحية المألوفة قانونا.

بعد سنتين تقريبا وافق مجمع القديسين في روما بتاريخ 30 أيار 2012 على السير بالدعوى وونقل صلاحية التحقيق الى أبرشية البترون. عين عندها راعي الأبرشية الجديد المطران منير خيرالله، في 25 ايلول 2012، لجنة التحقيق وقوامها الأباتي مارون نصر محققا مفوضا والمونسنيور جورج القزي محاميا عن العدل والخوري ابراهيم اسطفان الخوري مسجلا. وبالتاريخ عينه، عين خبراء لاهوتيين ثلاثة هم سيادة المطران غي بولس نجيم والأب انطوان الاحمر والخوراسقف انطوان مخائيل، كما عين أيضا لجنة خبراء في التاريخ والأرشيف، برئاسة حضرة الأب كرم رزق وعضوية الدكتور عصام خليفة والدكتور انطوان حكيم.

افتتحت الدعوى رسميا في 5 تشرين الأول 2012 لجلسة قانونية في دير العائلة المقدسة في عبرين، وجرى فيها قبول المهام وحلفان اليمين القانونية من قبل جميع المعينين، وانطلقت بعدها جلسات الإستجوابات وجمع البيانات.

عقدت المحكمة سبعة عشر جلسة استمعت فيها الى ثلاثين شاهدا من اصل 64 كانت قد قدمت مع الملف، من آباء وكهنة ورهبان وراهبات وعلمانيين من الذين عاشوا خبرة روحية خاصة مع رجل الله البطريرك الياس حويك، او الذين اعتادوا تكريمه او حصلوا على نعم بشفاعته.

في 18 شباط 2014، بعد إنهاء المحكمة من الإستماع الى الشهود وتسلم التقارير اللاهوتية والتاريخية العلمية، جرى كشف حسي على الأماكن التي عاش فيها رجل الله، فزارت اللجنة بيته الأبوي في بلدة حلتا، حيث ولد وترعرع، ثم الكرسي البطريركي في بكركي وفي الديمان حيث عاش ومات، ودير العائلة المقدسة في عبرين حيث يحفظ جثمانه. وعلى أثر هذا الكشف المكاني، أصدرت الهيئة المكلفة بالتحقيق قرارا بإعلان انتفاء مظاهر العبادة وقرارا آخر يعلن فيه اختتام التحقيق، بعدما كان قد صرح طالب الدعوى باكتفائه بما قدم من بينات وشهود ووافق على ذلك ايضا محامي العدل في 22 حزيران 2014 عقدت الجلسة النهائية في دير العائلة المقدسة في عبرين برئاسة سيادة مطران الأبرشية وتم خلالها حلفان اليمين القانونية من قبل كل الذين اشتركوا في ملف التحقيق، وختم الملف بالشمع الأحمر وسلم الى طالب الدعوى ومساعدته لينقلاه الى مجمع القديسين في روما.

في 30 حزيران 2014 تم تقديم الملف الى مجمع دعاوى القديسين في الفاتيكان، في 13 شباط 2015 طلب المجمع إضافة وثائق أخرى لضمها الى الملف، وبعد جمع ما يلزم من وثائق محفوظة في مجمع الكنائس الشرقية في روما وفي ارشيف الكرسي الرسولي، أرسلت الى روما في 28 حزيران 2015.

بين سنة 2015 و2018 لخص الملف في مجلد حاول فيه طالب الدعوى ومساعدته الأم ماري انطوانيت سعادة رئيسة عام راهبات العائلة المقدسة إثبات بطولة الفضائل من قبل رجل الله البطريرك الحويك، عرض المجلد على اللجنة التاريخية في الفاتيكان وقبل بالإجماع في 17 نيسان 2018، ثم في 6 حزيران 2019 صوتت اللجنة اللاهوتية في الفاتيكان بالإجماع ايضا مع الثناء على بطولة عيش الفضائل. بعدها عرض على لجنة الكرادلة في 18 حزيران 2019 وكانت النتيجة إيجابية فرفع القرار الى قداسة الحبر الأعظم، واليوم وافق قداسته على إعلان البطريرك مار الياس الحويك مكرما.

لا بد من التنويه بالجهود الجبارة التي قامت بها الأم ماري انطوانيت سعادة وفريق من الراهبات في كل هذه المرحلة من التفتيش عن المخطوطات الى الترجمة والسعي وراء الشهود والعمل المضني في كتابة ملف الإثبات الأخير الذي عرض على الكرادلة، وهنا بصفتي طالب الدعوى أهنئ الجمعية وأشكر جهود كل الذين ساهموا في إنجاح هذه المرحلة الأولى من الدعوى التي أوصلت مكرمنا الى هذه الدرجة، كما أهنئ كنيستنا ولبنان بهذا الحدث الديني.

لا يجوز تقديم العبادات للمكرم، بل يجب الصلاة الى الله لكي يظهر قداسته باجتراح أعجوبة، كما يمكن طلب شفاعته وطلب نعمة أعجوبة منه، أما الطوباوي فيمكن إقامة العبادات والصلوات له وتكريمه في الكنائس المحلية حيث يحدد مرسوم إعلانه، بحيث يبقى تكريمه محددا في كنيسته فقد والأماكن التي وجد فيها وحيث قام برسالته، أما القديس فيصبح تكريمه على مستوى الكنيسة جمعاء في كل أصقاع المسكونة في الكنائس الكاثوليكية.

لذلك يطلب من كل المؤمنين طلب شفاعة المكرم البطريرك الياس الحويك لكي يمن الله بشفاعته باجتراح أعجوبة يجري تثبيتها، ليعلن على أثرها طوباويا. ولذلك يطلب الى كل الذين نالوا بشفاعته أعجوبة أن يعلموا الرئاسة العامة لراهبات العائلة المقدسة المارونيات ليعمل على تثبيتها بالطرق القانونية.

سعادة
وألقت سعادة كلمة جاء فيها: “لكل شيء وقت، لكل شيء تحت السماء وقت”، يقول سفر الجامعة. وها هو قد جاء “وقت الرضى”، الوقت الذي أراده الله “زمن نعمة” لوطننا، لكنيستنا، لمجتمعنا وعائلاتنا، ولجمعيتنا، جميعة راهبات العائلة المقدسة المارونيات، بإعلان أبينا المؤسس البطريرك الياس الحويك مكرما. انه “زمن الرضى”، الزمن المقبول، الذي أعطاه الله لجميعنا.

أ- زمن النعمة للبنان-الرسالة: كان البطريرك الحويك معروفا باسم بطريرك لبنان، اللقب الأحب الى قلبه، وهو القائل: “أنا بطريرك الموارنة، طائفتي هي لبنان، وأنا لجميع اللبنانيين”. على مشارف سنة يوبيل المئوية الاولى لإعلان دولة لبنان الكبير، ثمرة صلاة وعمل وإيمان البطريرك الحويك، يطل علينا المكرم الجديد بهامته الكبيرة، وسط المصاعب الكثيرة التي تمر بها البلاد، وتهدد “لبنان الرسالة” كما دعاه البابا القديس يوحنا بولس الثاني. من أجل لبنان الرسالة، رسالة الإنفتاح والحوار والعيش معا، أعطاناالله البطريرك الياس الحويك مكرما.

ب- زمن النعمة للعائلة والشبيبة والمجتمع: حماية العائلة من المخاطر المحدقة بها كانت دوما في قلب معارك الحويك الكاهن والراعي، المطران والبطريرك. لقد كان يعتقد اعتقادا يقينا ان المستقبل متوقف على تربية الفتاة وترقيتها. فالفتاة هي أم المستقبل، ركيزة العائلة وبالتالي ركيزة المجتمع بأسره. فرغب في تمكين الفتاة اللبنانية من تربية مبنية على القيم الانسانية والاجتماعية والانجيلية، كوسيلة فضلى لتنمية وإصلاح المجتمع المهدد بتيارات الفساد والجهل. عقدت الكنيسة في السنوات القليلة الماضية سينودسين من اجل العائلة، وما زال البابا فرنسيس يشدد في كل موقف وخطاب على ضرورة حماية العائلة ومرافقتها. من أجل العائلة وإصلاح المجتمع، أعطانا البطريرك الياس الحويك مكرما.

ج- زمن النعمة للكنيسة ولكهنتها: من الكنيسة وللكنيسة: عمل البطريرك الحويك على الإصلاح الراعوي والروحي. فحياة المؤمنين الروحية كانت أول اهتماماته، أحب الكهنة وكان يحفظ لهم عاطفة أبوية مميزة، عارفا ان النهضة الانسانية والروحية لا تقوم من دونهم، فالتزم بتنشئتهم، من أجل كنيستنا، خاصة في هذا الشرق، ومن أجل تقديس كهنتنا، أعطانا الله البطريرك الياس الحويك مكرما.

د- زمن النعمة للجمعية ولبناتها: وأخيرا، انه زمن النعمة لنا، نحن بنات البطريرك الحويك، اللواتي نعيش من روحانيته، ونتنفس يوميا صلاته: “الهي اجعلني أعيش وأموت برضاك”، ونعمل جاهدات على متابعة الرسالة التي أوكلنا إياها في خدمة العائلة والمجتمع من خلال التربية والاستشفاء والمؤسسات الاجتماعية والعمل الرعوي. من جل جمعيتنا، جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات، ومن أجل كل بنت من بناتها، أعطانا الله البطريرك الياس الحويك مكرما.
احتفالا بهذا التكريم الذي يخص الجمعية والكنيسة والوطن، نعلن سنة 2019-2020 سنة المكرم البطريرك الياس الحويك، وستكون لنا خلالها لقاءات متعددة متنوعة: قداس افتتاح السنة مع غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، ندوات حول الوجه الوطني والكنسي والاجتماعي والروحي للمكرم، مؤتمر “ثلاثية الكاهن” بالتعاون والتنسيق مع الاكليريكية المارونية- غزير، لقاءات شبية العائلة ولقاء الشبيبة المارونية بالتعاون وبالتنسيق مع مكتب راعوية الشبيبة في الدوائر البطريركية، لقاء العائلات والجماعات العلمانية المنتمية للجمعية في دير العائلة المقدسة- عبرين، حملة تذكر بدور المكرم الحويك الاجتماعي والانساني خلال الحرب العالمية الاولى بعنوان “كمشة قمح”، افتتاح طريق حج على اسم المكرم الجديد، بالإضافة الى نشاطات روحية وزيارات منظمة الى ضريح البطريرك البطريرك الحويك في دير العائلة المقدسة في عبرين. وتفاصيل هذه الاحتفالات والنشاطات ستوزع من خلال كتيب أعد للمناسبة يمكن للجميع الاطلاع عليها عبر الصفحة الالكترونية الرسمية ومواقع التواصل الرسمية لجمعية راهبات العائلة المقدسة المارونية.
ختاما، فلنشكر الله على هذه النعمة، ولنطلب شفاعة المكرم الجديد البطريرك الياس الحويك، متذكرين كلمته الأخيرة لنا: صلوا لأجلنا، ايها الأبناء الأعزاء، فلنؤهل الى ما نتوق اليه من نيل تلك السعادة الثابتة وهناك لا نتحول عن حب هذا الوطن وعن مواصلة طلب البركات له. آمين”.

الراعي
وفي الختام عرض الراعي لآلية اصدار مرسوم اعلان البطريرك الحويك مكرما، والذي تم بطلب من البابا فرنسيس، وقرأ المرسوم الذي كتب فيه:
“إن البطريرك الياس الحويك بطريرك انطاكيا وسائر المشرق ومؤسس جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات المولود في حلتا في 4 كانون الأول 1843 وتوفي في بكركي في 24 كانون الأول 1931.
وتابع: “الملفت ان سلفه البطريرك يوحنا الحاج توفي ايضا في 24 كانون الأول وايضا القديس شربل في 24 كانون الأول 1898، والملفت ان جميع القديسين والطوباويين الذين اعلنوا كلهم في العام 1800: مار نعمةالله 1808، مار شربل 1828، القديسة رفقا 1832، الطوباوي يعقوب 1875، الأخ اسطفان 1889، المسابكيين 1860 اي ان ال1800 كانت للقداسة بامتياز. ونحن نقول انها واكبت حياة المكرم الحويك التي تزامنت مع ولادة لبنان الكبير هذه العناية الإلهية التي تقود خطوات تاريخ البشر بالتزامن مع تحقيق تاريخ الخلاص للعالم. والمئوية ستبدأ في الأول من ايلول 2019 وتكمل حتى العام 2020. ومع اللجنة البطريركية برئاسة المطران سمير مظلوم سنواكب المسيرة التحضيرية للبنان الكبير الذي لم ينشأ بالصدفة وانما تهيأ منذ زمان. المهم ان نقول ان لبنان ارض مقدسة وهي ارض القديسين ومبروك للجميع”.
واختتم الراعي المؤتمر برفع صلاة “من أجل إظهار قداسة المكرم الحويك”.