علي الأمين: من الثنائيات إلى الأحادية..استنساخ تجربة الثنائية الشيعية نموذج في فنِّ التطويع والاستتباع

80

من “الثنائيات” إلى ” الأحادية”! 
علي الأمين/نداء الوطن/01 تموز 2019

استنساخ تجربة “الثنائية الشيعية”: نموذج في فنِّ التطويع والاستتباع

في تتبع لمسار خفايا الصفقة التي حصلت في العام 2016، انكشفت القدرة على تطويع كل القوى السياسية في البلاد، الموالية والمعارضة على حدّ سواء. إذ بغية تلطيف حالة استسلام القوى المعارضة لوصول “ميشال عون” الى رئاسة الجمهورية، تمّ اختيار مصطلح “التسوية الرئاسية” للتخفيف من حدّة إذعان المعارضين الذين سلّموا بأمر “حزب الله”، وبما رسمه لتحقيق رغبات حليفه.

لكن ما تجنّب أركان التسوية الاعتراف به، أو وصفه بشكل دقيق، برز في مسار سنوات التسوية الثلاث، بحيث تمكّن “منطق التطويع” من إرغام الجميع على الإذعان، فأصبح النهج واضحاً في إدارة الحياة السياسية وشؤون الدولة على وجه العموم.

على إيقاع “نشيد الوفاء” الذي استخدمه “حزب الله” في تبرير حؤوله دون انعقاد جلسة انتخاب رئيسٍ للجمهورية ضمن عملية ديمقراطية طبيعية لا توافق فيها على مرشّحه “ميشال عون”، برزت مسمّيات مهدت لمعادلة جديدة أمام أهل السلطة في لبنان، ظهرت مفاعيلها عشية وصول الرئيس عون محاطاً بفريقه الى قصر بعبدا: بدءاً من “تفاهم معراب” وصولاً إلى “التسوية الرئاسية”. مفاعيل كشفت عن هشاشة كل الأفرقاء السياسيين، أمام سطوة “الثنائية” المؤسِّسة للمعادلة والضابطة لإيقاعها، والمحددة لمسارها.

وقد مثّل “تفاهم مار مخايل”، نزوعاً لتمثُل “الثنائية الشيعية” التي ألهبت شهوة السلطة لدى البعض، فكان هذا التفاهم في شباط 2006، إيذاناً بتقويض مشروع الدولة، لحساب بناء “تفاهمات ثنائية”، شرطها الانقياد لأولويات “حزب الله” في الأمن والسياسة الخارجية، والتسليم بسلاحه، وترسيخ وجوده الى جانب سلطة الدولة وشرعيتها، في مقابل نيل الحماية، ودخول جنّة السلطة وما تعنيه من مكاسب ومنافع، حتى لو كان هذا الدخول لا يستقيم به شأن الدولة، ولا تقوى به حقوق المواطنين.

على نسق “الثنائية الشيعية” بقيادة “حزب الله”، نشأ التحالف بين الحزب و”الوطني الحر”، بقيادة السيد حسن نصرالله. ومن هذه المدرسة وثقافتها السياسية، بدأ لبنان يتجه أكثر فأكثر، نحو ثنائيات بدت أقرب الى المهزلة، في محاولتها استنساخ النموذج الأول. و”تفاهم معراب” هو مثال حيّ على هذا الاستنساخ.

أما بالنسبة الى “التسوية الرئاسية”، فلا يتردد طرفاها، على الرغم من كل المطبات والتحديات، في اعلان التشبث بها.

وقد تكون خيبة الأمل التي شعر بها الرئيس سعد الحريري في أعقاب “محنة الرياض” قد خلقت لديه إصراراً على إعادة رسم “هوية سياسية” بمعايير تحرره من العوائق و”القيود”، سواء أكانوا حلفاء أو منتمين الى الحرس القديم من رفاق الرئيس الشهيد رفيق الحريري وفريقه السياسي.

على هذا المنوال صارت “التسوية الرئاسية” أكثر انسجاماً مع نزوع الحريري للتصدي للقيادة السياسية “المستقبلية”، بذهنيةٍ وأدوات مختلفة عما سبق، على الرغم من أنها بدت للبعض من حلفائه، مساراً انقلابياً على الثوابت، وللبعض من أصدقائه خروجاً من سياسة النوايا الطيبة التي كلفته الكثير.

لا يتردد الطرف الثاني في “التسوية الرئاسية” اي “وزير العهد” جبران باسيل، الناطق الأمين باسم رئيس الجمهورية، في الاعلان عن تمسّكه بها، لأنه يعتقد ان توثيق العلاقة مع الرئيس الحريري، يساعده على تعبيد الطريق نحو تحقيق حلمه الرئاسي، وسط علاقات مأزومة يعيشها مع مختلف القيادات، سواء تلك التي كانت حليفة للرئيس الحريري في مرحلة 14 آذار، أو تلك التي تنتمي الى محور الممانعة. ويبقى انتظام العلاقة مع حزب الله، هو ما يحتاج اليه باسيل، لتجنب الصراع مع ما كان يسمى قوى 8 آذار التي تثق بقيادة الحزب وخياراته.

هذه “الثنائيات الحزبية” التي تقوم اولاً: على جذر أساسي مفاده أن السلطة السياسية الفعلية هي خارج آليات الدولة الدستورية والقانونية،
وثانياً: على أن المحاصصة هي ميدان الصراع ومعياره – هي ما يفاقم المخاطر على الدولة، ويحيل السياسة إلى فعل “استثمار طائفي” فقط لا غير؛ فعلٍ زاد من هشاشة المؤسسات الدستورية والقانونية، وحوّلها إلى هياكل خاوية على عروشها؛ فعلٍ تشير كل المعطيات الاقتصادية والسياسية، إلى انه بات عاجزاً عن لجم التدهور المالي والاقتصادي.

هذه الثنائيات تحولت إلى مجال للخصومة والتنافس أغرقت أصحابها في وُحولها، لمصلحة تحقيق هدف استراتيجي نجح “حزب الله” في إرسائه، اولاً من خلال تعميم نموذج الثنائيات، وثانياً من خلال فرض آلياته في “الوفاء”، التي تقوم على مكافأة حلفائه الخلّص، بمنافع جنّة السلطة وبعبارة اخرى، لقد نجح في إبعاد الجميع عن مقارعته سياسياً أو مساءلته سيادياً، بإلهائهم بمعارك وحروب ضروس لتناتش وتناهش الحصص في ما بينهم.

وهكذا انضوت تلك “الثنائيات” تحت سقف “أحادية” سياسية واستراتيجية يرسمها الطرف الأقوى، ويلتزم الحلفاء وأطراف التسوية بها، بل وتدفع أعتى المعارضين استراتيجياً لتلك الاحادية، إلى استجداء شفاعته، طلباً لحمايةٍ أو لشهادةِ حسن سلوك.

عندما حصلت تلك التسوية، عمد البعض الى الاعلاء من شأنها، من خلال وصفها بأنها “تسوية استعادة اللحمة الوطنية”، رغم قيامها على مبدأ الثنائيات الذي جمع القوى السياسية المختلفة تحت عباءة واحدة، هي عباءة حزب الله، وجعل قراره السياسي غير قابل للنقاش او الاعتراض، خوفاً من خسارة مكسب، أو طمعاً بتحقيق مطلب. هذا الاستئثار بالقرار الذي اعطى صاحبه حقاً بالتعطيل، أفضى الى نتيجة واحدة، وهي تغييب “فعل السياسة” عن الشأن العام واليوميات، واهداؤه الى صاحب القوة والنفوذ والقادر على منح الهدايا والمكافآت للحلفاء والخصوم على حد سواء، كل بحسب التزامه وانضباط خطابه بأولوياته واستراتيجيته