الكولونيل شربل بركات: الوضع في الخليج اليوم

64

الوضع في الخليج اليوم
الكولونيل شربل بركات/22 حزيران/2019

بعد تعاظم الضغوط الاقتصادية من جانب الولايات المتحدة على إيران وردود الفعل الإيرانية المهددة بأنه إذا طبق منع إيران من بيع نفطها فستسعى لأن تمنع الكل من ذلك باغلاق مضيق هرمز. كان الرد الأميركي الفوري ارسال قوة دعم بحرية كبيرة من ضمنها حاملة الطائرات ابراهام لينكولن وقاذفات بي 52 وغيرها كاشارة منها بأن اغلاق المضيق ممنوع. فماذا فعلت إيران بالمقابل؟

الخطوة الأولى التي قامت بها إيران كانت اطلاق الحرس الثوري لمزيد من التحديات الكلامية بضرب المصالح الأمريكية وكانت تجربة قصف محيط السفارة في بغداد وصواريخ غزة كجس نبض تبعه المتفجرات الصغيرة الحجم التي ضربت اربع سفن تجارية قرب الفجيرة بدون اعلان المسؤولية ومن ثم توجيه الحوثيين لضربات بواسطة الطائرات بدون طيار لمضخات وخطوط النفط التابعة لأرامكو داخل المملكة والتي تنقل النفط من المنطقة الشرقية في الظهران إلى ينبع على البحر الأحمر بعيدا عن مضيق هرمز. وبالرغم من اعلان الحوثيين المسؤولية إلا أن إيران حاولت عدم استغلال الموضوع اعلاميا وترك الاستنتاج لأصحاب الشأن. وبعد ذلك قامت أيضا فرق “الممانعة” من “اليمن السعيد” بضرب ناقلة نفط سعودية كانت تبحر بالقرب من مضيق باب المندب على البحر الأحمر كاشارة أيضا “للبيب”. ولما لم يبدو أن “اللبيب” قد فهم، قام الحرس الثوري بضرب ناقلتي نفط واحدة للنروج والأخرى لليابان والتي كان رئيس وزرائها يسعى مع الملالي للتوصل إلى نوع من التفاهم حول الحوار مع الولايات المتحدة بدل التصعيد. فهل كان التعدي على ناقلة النفط التي تحمل شحنة إلى اليابان هو الرد على الوساطة اليابانية؟

الامريكيون الذين ليسوا بوارد مهاجمة إيران أو الحرس الثوري، حتى الآن، يعرفون بأن التصعيد المتدرج سيؤدي حتما إلى الصدام ويعرفون أيضا بأن الرد أيا يكن هو ما يريده الإيرانيون بالذات بحسب مقولة “نحن أو لا أحد” فإذا منعنا من التصدير لن يقدر أحد من دول الخليج على التصدير. وكل صدام مسلح في مياه الخليج سوف يؤدي إلى تأزم الوضع وامتناع شركات النقل البحرية عن العمل بحجة الخطر. من هنا فإن الأميريكيين الذين يتمسكون بأمن وسلامة حرية الملاحة في مياه الخليج يفضلون عدم الرد على تحرشات لا بل تحديات الحرس الثوري. وعليه فإن التصعيد واقع حتما ووقف الملاحة في مياه الخليج أيضا لأن إيران لا ترغب في اعادة التفاوض حول الاتفاق النووي وهي لن تقبل بمنعها من تصدير نفطها. ولذا فمن الطبيعي أن تصعّد لمنع الكل من تصدير النفط وخلق أزمة عالمية تفرض على الولايات المتحدة التراجع عن العقوبات.

الأمريكيون الذين يعلنون عن رغبتهم باعادة التفاوض حول الاتفاق مع إيران يرغبون بطرح كافة المواضيع على الطاولة وليس فقط الموضوع النووي، ولو كان الأهم، إلا أنهم لا يريدون أن تفرض ايران سيطرتها الكاملة على دول المنطقة بواسطة التنظيمات المسلحة من جهة، ومشاريع التسلح المتطورة مع الهدف الأساسي وهو تصدير الثورة إلى دول الجوار من جهة أخرى، والذي سيؤدي إلى سيطرتها الكاملة على المنطقة عاجلا أم آجلا. من هنا كانت محاولات الضغط الاقتصادية على النظام الإيراني لإرغامه على الجلوس مجددا إلى طاولة المفاوضات. ولكن يبدو بأن الإيرانيين مصممون على خطتهم بالسيطرة على الشرق الأوسط، وهم قد فعلوا حتى الآن بسيطرتهم على أربعة دول كما يعلنون. ولا تزال أياديهم فاعلة في البحرين ولو بشكل خافت، وبينما سيطروا على العراق وتفاهموا مع قطر وحيّدوا سلطنة عمان وعزلوا الكويت، وهم يشغلون السعودية من الجنوب بحرب اليمن وتطاول الحوثيين على المناطق المجاورة

ويحركون القلاقل في المناطق الشرقية بين الحين والآخر، فلم يبق سوى الامارات التي لم تزل تحافظ على علاقاتها التجارية معهم بالرغم من موقفها العلني المناهض لعملية السيطرة الجارية.

من هنا يأتي موقف الرئيس الأميركي بمساندة دول المنطقة عسكريا إذا لزم الأمر كخشبة خلاص تتمسك بها دول الخليج لمنع السيطرة الإيرانية. ولذا فإن الرد على التحرشات يجب أن يكون مدروسا ولو كان النفط الذي يمر في مضيق هرمز لا يشكل أكثر من 15% من السوق العالمي ولو أن ينبع والفجيرة قد يسهما بمرور كميات أخرى من النفط إذا ما طالت مرحلة المناوشات. فإيران تريد التصعيد ولن يوقفها عملية محدودة أو رد سريع وهذا ما يعرفه جيدا الرئيس الأميركي وما صرحت به زعيمة الديمقراطيين في الكونغرس. ولذا فعلى العالم حبس أنفاسه جديا هذه المرة لأن النظام الإيراني مصمم على المواجهة وهو يرغب في حدوثها لا بل يستدرج الولايات المتحدة لخوضها بعكس ما قد يتبادر للذهن. واستنادا لهذه المعطيات فإن الحرب الآتية لا بد لها أن تكون قاسية ومصيرية لأن من يدير اللعبة في طهران هو أحد مبتدعي نظرية الانتحار وهو يعرف بأن الشعب الإيراني سيرذله إذا هو فشل في هذه المواجهة ولذا فإنه سيذهب إلى النهاية وعلى العالم التكاتف من أجل أن تكون نهايته أقل ضررا على شعوب المنطقة قاطبة ومن ضمنها الشعب الإيراني.

ما نراه اليوم من رد فعل حكم الملالي في تعاطيه مع المشاكل التي قد تحدث في المستقبل وهو لا يملك سلاحا نوويا بعد، يعطينا فكرة عما سيكون عليه التعامل معه لو امتلك السلاح النووي؛ فهو مستعد لاستعماله بوجه كل من يعترض سيطرته أو ارادته. ومن هنا فان موقف الرئيس ترامب بمواجهة هكذا نظام هو موقف تاريخي يجب أن يعطى الدعم الكافي لوقف التدهور قبل أن يصل العالم إلى موقف لا يحسد عليه.

الأيام القادمة ستكون بالتأكيد تاريخية ومصيرية وعلى الجميع أن يدرك أهمية الخطوات المتخذة والتصاريح الصادرة هنا وهناك فالقضية ليست موضوع نقاش عقلاني أو حوار حضاري نظري بين مجموعة من المثقفين. انها قرارات سترسم مصير العالم لخمسين سنة مقبلة على الأقل فاما أن يحكمه الاستقرار والمسؤولية أو تتحكم به الغرائز والمغامرون…