أمير طاهري: وفاة الحلم الياباني لدى إيران/Amir Taheri: The Death of Iran’s Japanese Dream

23

The Death of Iran’s Japanese Dream
Amir Taheri/Asharq Al Awsat/June 21/2019

وفاة الحلم الياباني لدى إيران
أمير طاهري/الشرق الأوسط/21 حزيران/2019
في مقال نشرته في وقت قريب، تحدثت عن «الحلم الإيراني» لدى اليابان الذي تمثلت أحدث حلقاته في زيارة شينزو آبي لطهران لإقناع الملالي بالتوقف عن العمل على نحو أقرب إلى «الذئب المنفرد» ومعاودة الانضمام إلى المجتمع الدولي. وكان آبي يأمل في أن ينجح في إبطال مفعول «القنبلة الزمنية الإيرانية»؛ الأمر الذي من شأنه رفع مستوى مكانة اليابان دولياً على نحو يتوافق مع مكانتها الاقتصادية باعتبارها ثاني أكبر قوة اقتصادية عالمياً. إلا أن حلقات الحلم، كما أصبحنا على يقين الآن، انتهت بتعرض رئيس الوزراء الياباني للانتقادات من جانب آيات الله وعودته خالي الوفاض إلى بلده.
جدير بالذكر في هذا الصدد، أن آبي مثل الجيل الثالث من عائلته السياسية الذي يزور إيران بحثاً عن دور دولي، فقد سبق أن دعا والده، شينتارو آبي، الملالي الحاكمين لإيران في ثمانينات القرن الماضي إلى وضع نهاية للحرب الإيرانية – العراقية في مبادرة فردية منه؛ وذلك سعياً لتعزيز صورة اليابان كقوة صانعة للسلام عالمياً. ومن قبل، دعا جد شينزو لوالدته، نوبوشوكي كيشي، رئيس الوزراء الياباني في فترة بعد الحرب والذي زار طهران عام 1968 على رأس وفد مكون من 1.000 شخص من قادة مجتمع الأعمال في وقت لم تكن هناك دولة أخرى في آسيا ترحب باليابانيين على أرضها بسبب الذكريات السيئة المرتبطة بالحرب العالمية الثانية. وكان هدف اليابان آنذاك إعادة ترسيخ وجودها في الأسرة الكبيرة للدول الآسيوية وإعادة التأكيد على استقلالها عن الولايات المتحدة.
إلا أن الحلقات الثلاث من الحلم الإيراني الذي داعب خيال اليابان انتهت بالفشل، وإن كان ذلك لأسباب مختلفة.
والآن، ماذا عن الحلم الياباني لدى إيران؟
نعم، لقد كان لهذا الحلم هو الآخر وجود على أرض الواقع.
ظهرت ملامح هذا الحلم للمرة الأولى عام 1877 عندما علم نصر الدين شاه الإيراني لدى زيارة لروسيا أن الإمبراطورية القيصرية التي كان ينظر إليها الإيرانيون باعتبارها عدواً لهم على مدار 200 عام، تواجه قوة متحدية جديدة في صورة أرخبيل صغير يدعى اليابان على أطراف القارة الآسيوية. وسعياً للتعرف على المزيد عن هذه البلاد، طلب الشاه مقابلة السفير الياباني لدى روسيا وقضى معه أكثر عن ساعتين في لقاء كان أقرب إلى الاستجواب. وتمثلت النتيجة في إقرار علاقات بين البلدين عام 1879 أعقبها وصول سفير خاص من الإمبراطور الياباني لإيران عام 1880. ورافق السفير وفد مؤلف من 10 رجال عسكريين وأصحاب أعمال، أما السفير ذاته فكان شاباً أرستقراطياً يدعى يوشيدا ماشارو وقد وصل إلى ميناء إيراني على متن بارجة حربية. ورغب اليابانيون في إظهار أن سفنهم الحربية ليست مجرد ألعاب محجوزة فقط للأوروبيين.
ودار حلم نصر الدين شاه في بناء حلف مع اليابانيين للتصدي للأطماع الروسية والبريطانية، وواجه هذا الحلم اختباراً عام 1904، وذلك بعد فترة طويلة من وفاته، عندما اندلعت الحرب الروسية – اليابانية التي أحرزت خلالها اليابان نصراً حاسماً. ومع هذا، لم تقدم إيران أي عون بسبب معاناتها من موجة فوضى داخلية تسببت بثورة دستورية؛ ما جعل من الصعب عليها النهوض على قدميها، ناهيك عن التصدي للدب الشمالي. في ذلك الوقت، سعت اليابان تحت قيادة مييجي وإيران تحت قيادة قاجار إلى تحقيق ثورة تحديث صناعية وإدارية تقوم على النموذج الغربي، لكن باستثناء الحريات السياسية. واتبع اليابانيون هذا الهدف من خلال انضباطهم المعروف ودقتهم وحققوا نجاحاً بالفعل على صعيد القوة الخالصة. في المقابل، فإن الإيرانيين المعروفين بافتقارهم إلى الانضباط وغياب التركيز، فقد نجحوا بالكاد في الفرار من السقوط والتلاشي داخل الإمبراطوريات الاستعمارية.
وجاء رضا شاه، الجندي الذي أسس حكم أسرة بهلوي عام 1925، ليعيد إحياء الحلم الياباني. وفي خطاب أرسله إلى هيروهيتو، الإمبراطور الياباني، أشار رضا بهلوي إلى أن إيران واليابان هما الدولتان الآسيويتان الوحيدتان اللتان نجحتا في الفرار من الاستعمار من جانب قوى غربية، مشيراً إلى ضرورة بناء شراكة استراتيجية بين الجانبين. ومع هذا، وبعد اعتماده على فوز محور برلين ـ طوكيو في الحرب أمام بريطانيا العظمى والاتحاد السوفياتي، أجبر رضا بهلوي على العيش بالمنفى عام 1941 عندما غزا الحلفاء إيران. ومات الجانب الياباني من الحلم عام 1945 عندما استسلمت إمبراطورية الشمس المشرقة بعد القصف النووي لهيروشيما وناغازاكي. وجاءت زيارة كيشي إلى طهران لتحيي الحلم من جديد. في ذلك الوقت، لم يكن كيشي رئيساً للوزراء، لكنه عمل بمثابة أب روحي للنخبة اليابانية الحاكمة الناشئة. وبفضل خلفيته القوية التي تضمنت عمله لفترة حاكماً لإقليم منشوريا في الصين واتبع خلالها سياسات وحشية، بجانب عمله وزيراً خلال فترة الحرب، ثم وقع أسيراً أثناء حرب سوغامو في أيدي الأميركيين، تحول كيشي إلى رمز لاستمرار اليابان.
واستقبل الشاه كيشي لمدة تجاوزت الساعتين، ما يعتبر أمراً غير مألوف مع زائر أجنبي. وعليه، أصبحت اليابان الشريك التجاري الأول لإيران حتى سقوط الشاه. كما أصبحت المستثمر الأجنبي الأول في إيران في وقت بدأ الشاه يتحدث عن أمله في أن تصبح إيران «اليابان الثانية». وسلطت مسألة تعيين وزير سابق سفيراً في طوكيو وتبادل الزيارات بين الجانبين على أعلى المستويات الضوء على هذه الحقيقة. ومع هذا، فإن رسالة كيشي عندما التقيته بجانب زميل لي، بدت على النقيض الكامل من رؤية الشاه لإيران كقوة اقتصادية وعسكرية عملاقة على المستوى العالمي. دارت رسالة كيشي حول التواضع، وصور اليابان كدولة فقيرة في الموارد يهددها الفقر باستمرار، بل والمجاعة. في ذلك الوقت، كتبت أن رسالة كيشي ربما تدفعنا جميعاً للبكاء تعاطفاً مع حال اليابان! وبعد عقود، أدركت أنني أغفلت الرسالة الفرعية التي انطوى عليها خطاب كيشي، فقد بدا مقتنعاً بأن مشروع بناء الإمبراطورية في اليابان كان خاطئاً، بل وجريمة حصدت أرواح الملايين ودمرت الكثير من الدول منها اليابان ذاتها. وكانت الرسالة التي يحاول توصيلها أن السياسة ينبغي النظر إليها باعتبارها خدمة عامة تقوم على تناول مشكلات الحياة الحقيقية وليس مفاهيم مجردة مثل المجد الإمبراطوري. وقد حاولت اليابان دخول العالم الحديث عبر تجاهل هذه القواعد، وتعرضت لعقاب شديد. وتعلمت اليابان احترام قواعد العالم الذي ترغب في الانضمام إليه، وهي قواعد صاغها ويفرضها آخرون. بوجه عام، هناك نموذجان يابانيان: قبل الحرب وبعد الحرب. وقد حاول كيشي أن يروّج لدينا نموذجَ بعد الحرب، بمعنى اليابان المتواضعة والدؤوبة والبراغماتية. أما النموذج الثاني فقد ساعد اليابان في أن تصبح قوة اقتصادية كبرى في غضون ثلاثة عقود فحسب. أما إيران التي زارها شينزو آبي فلا رغبة لديها في نماذج يابانية، على الأقل فيما يخص النخبة الحاكمة. على سبيل المثال، علقت صحيفة «كيهان» اليومية التي تعكس آراء آية الله المرشد الأعلى، بقولها: «يقولون إن اليابان ثاني أو ثالث أكبر اقتصاد في العالم. ما جدوى ذلك إذا كان قادتها يعملون كخدم عند الأميركيين؟ لقد رأى آبي قائدنا وهو يضع ترمب في حجمه الطبيعي… في خضم نضالنا المستمر ضد أميركا، نثأر كذلك لمئات الآلاف من اليابانيين الذين قضت عليهم أميركا المجرمة والدموية. وينبغي أن تنضم اليابان إلى إيران في نضالها على جبهة المقاومة».
ومن الواضح على امتداد المستقبل القريب أن كلا الحلمين: حلم إيران بأن تصبح يابان ثانية وحلم اليابان بتحويل إيران إلى حليف استراتيجي، قد لقيا حتفهما.

The Death of Iran’s Japanese Dream
Amir Taheri/Asharq Al Awsat/June 21/2019
In a recent column, I talked about Japan’s “Iranian dream” the latest sequence of which consisted of Shinzo Abe’s visit to Tehran to persuade the mullahs to stop acting as a lone wolf and rejoin the international community. Abe had hoped that defusing the “Iran time bomb” would heighten Japan’s international profile commensurate with its status as the world’s second-biggest economic power. That sequence of the dream, as we now know, ended with the Japanese Prime Minister being harangued by the Ayatollah and sent packing.
Abe represented the third generation in his political family to visit Iran in search of an international role. His father Shintaro Abe had called on Iran’s ruling mullahs in the 1980s in a forlorn bid to end the Iran-Iraq war, thus promoting Japan’s image as a global peacemaker. Before him, Shinzo’s maternal grandfather Nobushuke Kishi, Japan’s postwar statesman and prime minister had visited Tehran in 1968 at the head of a 100-man delegation of business leaders at a time that no other country in Asia would welcome the Japanese because of bad memories from Second World War. Then, Japan’s aim had been to reinsert itself into the broader family of Asian nations and reassert independence from the United States.
All three sequences in Japan’s Iranian dream ended in failure, albeit for different reasons.
But, what about Iran’s Japanese dream?
Yes, that dream also existed.
It first appeared in 1877 when, during a visit to Russia, Iran’s Nassereddin Shah learned that the Tsarist Empire, regarded by Iranian as an enemy for 200 years, faced a new challenger in the shape of a small archipelago named Japan on the edges of the Asian continent. To learn more, the Shah asked to see the Japanese Ambassador to Russia and spent more than two-hours questioning him. The result was the establishment of relations in 1879 followed by the arrival of a special ambassador of the Japanese Emperor in 1880. Flanked by a 10-man military and business team, the ambassador, a young aristocrat named Yoshida Masharo arrived at an Iranian port aboard a warship. The Japanese wanted to show that gunboats were not toys reserved only for Europeans.
Nassereddin Shah’s dream of forging an alliance with the Japanese to counter Russian and British ambitions was put to the test in 1904, long after his death, with the Russo-Japanese war that Japan decisively won. Iran, however, was of no help as gripped by internal turmoil leading to the Constitutional revolution, it could hardly stand let alone grandstand against the Northern Bear.
At the time, both Meiji Japan and Qajar Iran sought industrial and administrative modernization based on the Western model, but excluding political freedoms. The Japanese pursued that goal with their renowned discipline and tenacity and achieved success in terms of raw power. Bedeviled by their equally renowned lack of discipline and butterfly attention span, the Iranians just managed to escape straight absorption into colonial empires.
Reza Shah, the soldier who founded the Pahlavi Dynasty in 1925 revived Iran’s Japanese dream. In a letter to Hirohito, the Japanese Emperor, Reza Shah noted that Iran and Japan were virtually the only two Asian countries to have escaped colonization by Western powers, suggesting that they should forge a strategic partnership.
However, having banked on the Berlin-Tokyo axis winning the war against Great Britain and the Soviet Union, Reza Shah was soon forced into exile in 1941 when the Allies invaded Iran. The Japanese side of the dream died in 1945 when the Empire of the Rising Sun surrendered after the nuclear bombing of Hiroshima and Nagasaki. Kishi’s visit to Tehran revived the dream.
At the time, Kishi was no longer Prime Minister but acted as a father figure for the emerging Japanese ruling elite. His checkered background, including a stint as a brutal colonial Governor of Manchuria, in China, a Cabinet minister in the wartime Japanese Cabinet, and then a prisoner of war in Sugamo, under the Americans, made him a symbol of continuation in Japan.
The late Shah received Kishi for over two hours, an unusual audience for a foreign visitor. As a result, Japan emerged as Iran’s number one trading partner until the fall of the Shah. It also became a number-one foreign investor in Iran as the Shah started talking of his dream of Iran as “a second Japan.” The appointment of a former foreign minister as ambassador to Tokyo and exchanges of visits at the highest levels of the two monarchies highlighted that dream.
However, the message from Kishi, when I interviewed him along with a colleague, sounded the polar opposite of the Shah’s vision of Iran as an economic and military giant projecting power across the globe. Kishi’s message was one of humility, depicting Japan as a resource-poor country constantly threatened with the prospect of poverty, even starvation. At the time, in a tongue-in-cheek manner, I wrote that Kishi’s message might make us all cry for poor Japan! Decades later, I realized that I had missed the sub-message in Kishi’s discourse. He seemed convinced that Japan’s empire-building project had been a mistake, even a crime that had claimed millions of lives and shattered so many nations including Japan itself. What he tried to tell us, in his oblique Shintoist manner, was that politics should be regarded as a public service dealing with issues of real life and not abstractions such as imperial glory. Japan had tried to enter the modern world by trying to ignore its rules and had been severely punished. It had learned to accept the rules of the world it wished to join, rules made and enforced by others.
There were two Japanese models: pre-war and post-war. Kishi was trying to sell us the post-war one, i.e. a Japan of humility, hard work, frugality and, dare I say, pragmatism. That second model helped Japan become a leading economic power in just three decades.
The Iran that Shinzo Abe visited has no desire for the Japanese models, at least as far as the ruling elite is concerned. Here is how daily Kayhan, reflecting the ayatollah’s views, commented:” They say Japan is the second or third biggest economy in the world. What is the use of that if its leaders must act as servants of American masters? Abe saw how our Leader put Trump in his place… In our relentless fight against America, we are also taking revenge for the blood of hundreds of thousands of Japanese people sacrificed by the criminal and blood-sucking America. Japan should join Iran in this struggle in a resistance Front.”
It is clear that, for the near future, both dreams: Iran’s of becoming a second Japan and Japan’s of turning Iran into a strategic ally, are dead.